لسنغ والإسلام والتسامح (1 من 2)
عرض الإسلام كدين طبيعي ليوقظ الشك في اليقين المسيحي ويهاجم التقييم السلبي المنتشر منذ قرونالفكر التنويري الأوروبي عرف الإسلام عبر منظور الغريب والعدو حين فهم أنه هرطقة أو دين شيطاني!لسنغ والإسلام والتسامح (1 من 2)سيلفيا هورشالسيدة سيلفيا هورش هي باحثة ألمانية شابة نالت أطروحتها للماجستير عن العقلانية والتسامح، معالجة لسنج للإسلام ، التي نشرت في كتاب صدر عن دار إرغون في فورتسبورغ صدي طيباً في الأوساط الأكاديمية والأوساط الاجتماعية الألمانية المهتمة بدعم الأصوات المتعقلة الداعية للتفاهم بين البشر من ثقافات متعددة، وتحجيم التيارات المتعصبة الداعية للعداء والكراهية.وقد دعيت السيدة هورش لإلقاء محاضرات تتعلق بموضوع الكتاب في أماكن مختلفة من ألمانيا، والمترجم استمع لهذه المحاضرة التي هي عملياً تقديم للكتاب في أحد هذه الأماكن (جامعة برلين الحرة) وطلب منها إعطاءه حق الترجمة، وتفضلت بذلك مشكورة.يعد الشاعر والمسرحي والمفكر الألماني الكبير لسنغر (1729 ـ 1781) واحداً من الأصوات القليلة في العصر المسمي عصر التنوير الذي عالج مشكلة التسامح عبر الدعوة إلي قراءة يسيرها الاحترام للأديان والثقافات الأخري لا الانحياز المسبق. علاقة عصر التنوير مع موضوع التسامح هو بخلاف وجهة النظر الوردية التي يقدمها عنه عادة المثقف العربي علاقة هي غالباً غير مشرفة، والبعد العنصري الذي لم يتم التركيز عليه كان ثغرة كبري للمنورين جعلتهم عملياً ونظرياً يناقضون مفاهيمهم عن الحرية العقلية والتسامح الديني منذ أن يخرج الموضوع عن حدود الثقافة الغربية.وتسلط السيدة هورش الأضواء علي هذا الجانب من خلال أعلام تنويريين من نوع فولتير وكانط.المحاضرة التالية ألقيت في ندوة دراسية في الأكاديمية الإنجيلية أرنولدهاين.وضعت الأسماء غير العربية بأحرفها الأصلية إلي جانب وضعها بالأحرف العربية ما عدا الأسماء الشهيرة جداً. I لسنغ والإسلام ـ موضوع راهن:لقد كان إنجازاً للسنغ قبل كل شيء أن الإسلام قام بدور مهما يكن هذا الدور في المداولات حول التسامح التي شهدها القرن الثامن عشر: يكتب موسي مندلسون Moses Mendelohn أنه قبل لسنغ ما كان هناك تفكير إطلاقاً في الوثنيين واليهود والمحمديين وأتباع الديانات الطبيعية من أجل جعل أسس التسامح أكثر إشكالية أو في أحسن الحالات بقي الأمر في طور النية . موضوع التسامح هو واحد من الجوانب التي غالباً ما عولجت في عمل لسنغ، لكن معالجته للإسلام هي بالتأكيد ولحد بعيد لم تنل اهتماماً. وقد تغير هذا الحال لاحقاً في موعد أقصاه كانون الثاني (يناير) 2004 عندما تكلم الرئيس الاتحادي يوهانس راو Johannes Rau في فولفنبوتيل بمناسبة عيد ميلاد لسنغ عن العلاقة بين الدولة والدين، وفي الجملة أيضاً عاد إلي الجدال حول الحجاب . وفي نفس المكان تكلمت بعد أسابيع قليلة يوتا لمباخ Jua Limbach، الرئيسة السابقة للمحكمة الدستورية الاتحادية، ضمن سلسلة المحاضرات التنوير في القرن الحادي والعشرين عن واجب التسامح وفي هذه الكلمة أيضاً دار الحديث حول التعامل مع الأقلية المسلمة في ألمانيا. إن العودة بالذاكرة إلي لسنغ ترتبط بهذه الطريقة مع أسئلة سياسية واجتماعية راهنة للغاية: ما هو معني التسامح في مجتمع تعددي؟ هل يستخدم التعامل مع الأقلية المسلمة في ألمانيا في تثبيت قيم غربية مفهومة علي أنها إلزامية أم يري كفرصة لتحويل هدف بناء مجتمع يفهم نفسه علي أنه تعددي ومنفتح إلي واقع متحقق؟حيال هذه الخلفية فإن معالجة علاقة لسنغ بالإسلام هي أيضاً إسهام مساعد جداً في مداولة اجتماعية راهنة. ومن الطبيعي أن النية هنا ليست جعل لسنغ راهناً بطريقة تتجاهل التغيرات الاجتماعية والسياسية العميقة التي حدثت بين القرنين الثامن عشر والحادي والعشرين. ومع هذا فإن صورة الإسلام عند منور مثل لسنغ هي بالنسبة إلينا ذات أهمية لأن مفهوم التنوير يستعمل كثيراً للتشديد علي وجود تناقض بين الغرب و الإسلام .وفي هذا المجال غالباً ما يكون استعمال المفهوم غير دقيق: من النادر أن يجري التفكير بعمق في واقعة أن التنوير هو تسمية لحقبة من التاريخ العقلي الأوروبي شروطها التاريخية الخاصة وعواقبها لا يمكن سحبها ببساطة علي العلاقات الموجودة في ثقافات أخري. إن المفهوم يستعمل أكثر بكثير من هذا بمعني عام: أن تكون منوراً تعني أنك تركت وراءك اللارشد واللاعقلانية وحررت نفسك من الإلزامات التي يشترطها الدين وأنك تغلبت علي التعصب. وإن المرء ليصادف غالباً الرأي القائل إن الأوروبيين قد تجاوزوا هذه المرحلة من التطور علي حين لم تزل ثقافات أخري لم تبلغها بعد ـ وبالذات الإسلام. إن البحث في معالجة لسنغ للإسلام هو مهم في هذا السياق لأنه واجه صورة للإسلام نشأت قبل كل شيء كتركيب انعكاسي هو صورة سالبة ـ نيجاتيف للمجتمع الذي يعيش فيه من تخيل الصورة (أو صورة سالبة للمثل العليا لهذا المجتمع). لقد شغل لسنغ نفسه بالإسلام سواءً في ميدان تاريخ الثقافة أم في ميدان اللاهوت كما لم يفعل أي مؤلف ألماني آخر في القرن الثامن عشر: لقد قدر إنجازات المسلمين العلمية والثقافية وعاد إلي الإسلام في كتاباته النقدية اللاهوتية واستخدم مضامين التاريخ الإسلامي والعقيدة الإسلامية في مسرحيته ناثان الحكيم Nathan der Weise التي صدرت عام 1779. كان ما يشغل اهتمامه هو المعرفة الدقيقة والحكم العادل وإزالة الأحكام المسبقة التي تعرقل المعالجة الحقيقية للإسلام كدين وثقافة.II لسنغ وصورة الإسلام في الفكر التنويري: لا بد للمرء من أن يلقي نظرة علي صورة الإسلام في الفكر التنويري لكي يستطيع أن يقدر أهمية معالجة لسنغ للإسلام. إن فكر التنوير شجع معالجة الأديان والثقافات الأجنبية، وللمرة الأولي نشأ اهتمام علمي أصيل بالإسلام، ولكن المرء لا يستطيع أن يتكلم مع ذلك عن تغير كبير في الرأي بعمومه.إن ماري شمل Annemarie Schimmel تتحدث بحذر وهي في إطار التقييم عن تحول في موقف مجموعة محددة من العلماء . ويحكم إدوارد سعيد بصورة هي بعد أكثر نقدية علي هذا التطور: إن الميل المعلمن (بكسر الميم الثانية.م) للفكر التنويري برأيه لم يجتث هكذا ببساطة النماذج الدينية للعصور الوسطي، وإنما هي بالأحري أعيد بناؤها وطبقت ثانية ووزعت في الأطر العلمانية من جديد .الأشياء التي استمرت في الوجود متضمنة قبل كل شيء في النظرة للإسلام علي أنه الغريب. بالنسبة للعصور الوسطي كان الإسلام هو النموذج الأصلي للغريب والعدو حين فهم علي أنه هرطقة أو وثنية أو عمل من أعمال الشيطان. وعلي خلفية صورة الفكر التنويري الجديدة للإنسان، تلك التي قدمت توجه الإنسان العقلي، تغيرت أيضاً صورة الغريب تغيرات محددة. لقد تشكل نقد جديد في الحقيقة للآخرين في الفكر التنويري موضوعه الرئيسي النقص المزعوم في العقل (هنتغس) Hentges. إن هذه النظرة للإسلام تقابلنا أيضاً عندما ننظر في المصادر التي أخذ منها لسنغ معلوماته عنه. بالإمكان القول إن لسنغ قد قرأ كل الأدب الذي كان في ذلك الزمان متاحاً عن الإسلام. ومن الطبيعي أنه لم يكن يعرف العربية أو التركية ولهذا كانت المراجع التي اعتمد عليها من الأدب الاستشراقي قبل كل شيء، وفي هذا السياق صادف مواقف مختلفة جداً، فقد عرف مثلاً ترجمة القرآن التي قام بها جورج سيل George Sale وهو محام إنكليزي عام 1734، وقد كانت إلي حد ما أول ترجمة موثوقة في لغة حديثة. وقد سبقت هذه الترجمة بكلمة تمهيدية مطولة Preliminary Discourse وفيها استند سيل في تقديم الإسلام علي مراجع مسلمة أيضاً (أي ليست غربية فقط.م). إن علماء مثل سيل اجتهدوا في أن يفندوا الأحكام المسبقة ضد الإسلام ويعالجوه بصورة موضوعية. وقد قرأ لسنغ ما هو بعد أكثر بكثير، وهو ما لا نستطيع أن نســــوقه هنا بكامله (من ضمن ما قرأه أعمال لبوكك Pocock، ريلاند Reland، ديربلو d`Herbelot، أوكـليي Ockley، غاغني Gagnier، رايسكه Reis، أي الأسماء المعروفة آنذاك في علم الاستشراق). ولكنني أريد أن أتكلم عن عمل كان في عصر لسنغ منتشراً بصورة واسعة ومعروفاً عنده أيضاً.الكتاب كان قد كتب عام 1697 من قبل كنسي إنكليزي هو همفري بريدو Humphrey Prideaux وعنوانه: The true Nature of imposture fully displayed in the Life of Mahomed (أي الطبيعة الحقيقية للاحتيال معروضة بالكامل في (مثال) حياة محمد).إن الإسلام موسوم في العمل كله علي أنه ببساطة الاحتيال The imposture ومنظور إليه علي أنه عقوبة من الرب للمسيحيين، محمد طبعاً ليس نبياً ولكنه صاحب سلطة بلا ضمير وشهواني والوحي المزعوم ما هو في الحقيقة إلا نوبات صرع وما الإسلام إلا هرطقة وإلخ… وهكذا لا نجد شيئاً يغاير جوهرياً اتهامات القرون الوسطي المعيارية. الآن استخدم هذا العمل أيضاً من قــــبل المنورين كمــــصدر للمعلومات عن حياة النبي. مثلاً الفيلسوف بيير بيل Pierre Bayle يوصــــي به في مقــــال عـــن النبي محمد في قاموسه التاريخي والنقــــدي واســــــع التأثـــــير Dictionaire Critique وفــــي مــــقاله ماهـــومت Mahomet يتبـــــني تقييمات بريدو بلا مساءلة ويعيد القارئ إلي معلومات إضافية عن النبي في هذا الكتاب، وبهذا يرينا المقال أن حال تنوير الإسلام في الفكر التنويري ليست جيدة كما كان المرء ينتظر. ولكن هناك بعض المؤلفين الذين رأوا في الإســــلام ديناً متعـــقلاً. وقد نشر رد مباشر علي بريدو مغفل من التوقيع عنوانه Mahomet No Impostor, or a Defence of Mahomet (ماهومت غير محتال، أو دفاع عن ماهومت.م)، وموه الرد بأنه رسالة لمؤلــــف مسلم. وظهر مــــؤلف هنري بولنفيليه Henry Boulainvillier La Vie de Mahomet (1658 ـ 1722) (حــــياة محمد.م) فقــــط عام 1730 بعد وفاة المؤلف وترجم إلي الألمانية عام 1768. وهذا العمل هوجم بشدة حيث أن محمداً ظــهـــــر فيه كأداة إلهية عن طريقها كان يجب ان تنتشر المعرفة بوحدة الإله، وظهر الإسلام كدين تتفق تعاليمه مع العقل. إن مثالاً آخر مــــثيراً للاهتــــمام قدمـــته مخطوطـــــة هـــنري ستب Henry Stubbe (توفي عام 1676) وهـــو طبيب إنكليــزي لم تطبــــع مخطــــوطتــه An Account of the rise and Progre of Mahometanism (تقرير عن صعود وتقدم الماهومتانية.م) إلا سنة 1911.وهو أيضاً يصف تعاليم الإسلام بأنها علي وجه الخصوص عقلانية ومتطابقة مع القانون الطبيعي. إن الظرف المصاحب لهذه التعاليم المتمثل في أنها جميعاً إما ظهرت بعد وفاة أصحابها أو كانت مغفلة من التوقيع يجعل من الوضوح بمكان حقيقة أن النظرة الإيجابية للإسلام ما كانت مقبولة اجتماعياً، وهو أمر تجب إعادته بصورة رئيسية إلي ميلها الناقد للمسيحية. ليست هناك أيضاً أدلة علي أن لسنغ قرأ هذه الكتابات. لقد كان مطلعاً اكثر علي منظور آخر يري في الإسلام تعبيراً عن التعصب.الإسلام كتعصب:يتلقي لسنغ ابن الواحد والعشرين ربيعاً تكليفاً بأن يترجم بضع كتابات لفولتير إلي الألمانية (الكتابات التاريخية الصغري 1752) ومن ضمنها كان النص القصير (عن القرآن وماهومت) وفي هذا النص يري بوضوح أن فولتير لا يري في الإسلام ديناً عقلياً أو طبيعياً البتة، وفي النص يزعم أن محمداً بائع مغرور طائش يروج بضائعه بالزعيق ، وأن القرآن خلطة لا ترابط فيها ولا نظام ولا فن ، وأن العرب شعب سراق. لا علاقة للإسلام بالعقل عند فولتير. له علاقة وثيقة مع الجنون Rasery ، و الهيجان الحماسي Enthusiasterey . ورأيه بمحمد والقرآن يبينه بجلاء في رسالته إلي فريدريش الكبير: أنه (محمد) يتباهي بأنه ارتقي في السماء وهناك تلقي جزءاً من ذلك الكتاب صعب الهضم الذي هو في كل صفحة منه يجعل الفهم البشري يرتج، أنه لكي يحقق لهذا العمل الاحترام جلب الويلات لوطنه ، هذا ما لا يمكن لبشر بالتأكيد أن يغفره ما لم يكن جاء إلي الدنيا تركياً أو خنقت فيه الخرافة كل نور طبيعي . وبهذا يغدو الإسلام نموذجاً قياسياً للتعصب الذي هو بالنسبة لفولتير صفة ملازمة لجميع الأديان ويرتبط في فكر التنوير مع الكلمات الكفاحية المركزية: الخرافة و الحماس الأهوج و التعصب . الحماس الأهوج يسم حالة من الجنون الديني ولكنه يمكن له أيضاً أن يعني طاقة وهم متصاعدة مرضية. وفولتير يستهدف بالمفهوم التعصب الذي هو بالنسبة إليه مرادف لمفهوم الاعتقاد الخرافي ظلامية الكنيسة الكاثوليكية غير المنورة قبل كل شيء. لايبنتس اعتبر الاعتماد علي الدليل الحسي المباشر بدون وساطة العقل تعصباً ـ فالتعصب إذن يدلنا علي نقص في التعقل. وعبر تطبيق هذه المفاهيم علي الإسلام حددت طبيعته كنوع من التفكير المضاد للتفكير التنويري.ويطرح السؤال نفسه: كيف أمكن أن يكون للإسلام تقييمات مختلفة كهذه ـ دين للتعقل من جهة وخرافة وتعصب من جهة أخري. إن تشكل طريقتين متناقضتين في النظر إلي الإسلام قد يكون مرتبطاً بميلين للفكر التنويري يبدو أنهما أيضاً متناقضان. من جهة كان ثمة استعداد لاكتشاف عناصر قرابة في الآخر وهو ميل للقرن الثامن عشر يطلق عليه سعيد وصف التماهي الخفي sympathetische Identifikation وميل من هذه الميول يعبر عنه القول إن موهبة التعقل هي خاصية في كل البشر. وهذا الاستعداد نتج عنه الانفتاح علي الأديان والثقافات الأخري. من جهة أخري يتـــــبدي المــــيل لتصنيف الشــعوب والبشر ونسبة صفات مميزة لهم ـ وبالتالي هي وجهة نظر جوهرانية Eentialistisch. عمانوئيل كانط (1724 ـ 1804) يعيد الفروق بين الشعوب إلي مسببـــــات متعددة مثل المناخ والهـــواء والتغـــــذية (وبالمثل هردر Herder). ولكن العلامات المميزة الخارجية تعيد أيضاً إلي استعدادات نفسية وخواص طبعية ثم هرمية ترتبط مع هذا: عرق البيض يحتل المكان الأعلي بعيداً عن الهنود الصفر و بعيداً جداً عن الزنوج . وهذه الهرمية تري أيضاً عند عرض حال المسلمين حيث يضاف هنا إلي كونهم عرقاً آخر مثل- اليهود- كونهم من عقيدة أخري. المسلمون موجودون قبل كل شيء في الشرق وبالتالي في بلدان حارة ومناخهم بالتالي ليس بلا تأثير علي طبعهم (القومي): وفيما يتعلق بالعرب يمنحون بالتوافق مع المناخ الصحراوي قوة توهّم حارة ، وهي صفة تلون بالطبع دينهم الذي يوصم بالخرافة والتعصب. وهكذا يري كانط في الطبع القومي للعرب قرابة حميمة مع الأخّاذ Wunderbar (يقصد بالعرب بدون ذكر هذا صراحة والمسلمين حصراً بينما يعتم علي المسيحيين واليهود العرب)، وبالنسبة إليه أيضاً فإن الإسلام يمكن استعماله كمثال علي التعصب: في حالة الإسلام يصبح من الواضح إلي أين يمكن للتعصب أن يقود: إن الطبيعة البشرية لا تعرف عملاً أخطر]من التعصب/الحماس الأهوج [عندما يكون ظهور مثل هذا جديداً تتسامح حتي الدولة أحياناً مع أنواع المجذوبية. إن الحماس الأهوج يقود المتحمس إلي الحد الأقصي، ما هومت إلي عرش الأمراء ويوهان فون لايدن Johann von Leyden إلي منصة الإعدام . إن صورة الإسلام كتعصب وحماس أهوج تلعب بالطبع دوراً مهماً في تأكيد المرء لنفسه أنه عقلاني ومتطور عقلياً عن طريق نسبة الخرافة واللاعقلانية إلي الآخرين . III الإسلام كدين متعقل:إن النظرة للإسلام كتعصب كانت معروفة للسنغ من خلال فولتير. لكنه هو نفسه عبر عن الموضوع بشكل مختلف تماماً. إننا نجد أولاً بضعة تصريحات عن المسلمين في جريدة أعلن فيها عن ترجمته الخاصة لكتاب ماريني Marigny تاريخ العرب في عصر الخلفاء (1752ـ 1753): وهو يعيد إلي الإنجازات الثقافية والتاريخية للعرب والمسلمين: منذ سقوط الإمبراطورية الرومانية لا يستحق تاريخ شعب مفرد ان يكون مشهوراً اكثر من تاريخ العرب المسلمين سواءً باعتبار حجم البشر الذين شهدوا حالة نهضة في ظل سلطتهم أم بالنظر إلي العلوم والفنون التي شهدت لقرون كاملة التقدم الأجمل عند شعب ما، ذلك الشعب الذي تعده أحكامنا المسبقة شعباً بربرياً . ويشدد لسنغ علاوة علي ذلك علي أن التاريخ الإسلامي هو مهم وقادر علي التعليم بنفس درجة التاريخ الروماني أو اليوناني. وبصورة مثيرة للاهتمام يتكلم بالارتباط مع المسلمين ومنجزاتهم في العلوم عن فكر تنويري : إن بداية حقبة مهمة كهذه للفهم البشري الذي بدأ ينور فجأةً عند شعوب محاربة غير مهذبة بحيث أنها في وقت قصير أبرزت علماء كثيرين كأبطال لا يمكن أن تقرأ إلا بمتعة كبيرة . وهنا يصبح من الجلي أن لسنغ افترض عند جمهور قرائه عدداً كبيراً من الأحكام المسبقة التي أراد أن يكتب ضدها. لقد كان واعياً لكون المسلمين ينظر إليهم علي أنهم برابرة ، وأراد من خلال المعلومات عن تاريخهم أن يظهر أن هذه الأحكام المسبقة غير محقة. وفي عام 1754 يعرب لسنغ عن رأيه للمرة الأولي في كتابة خاصة به عن الإســــلام اســـمها إنقاذ هيرونيموس كردانوس Die Reung des Hieronymus Cardanus .كردانوس عالم شمولي من علماء عصر النهضة كان قد نشر عام 1550 كتاباً جعل فيه عابداً للأصنام ويهودياً ومسيحياً ومسلماً يتجادلون حول مسألة ما هو الدين الصحيح. وفي النهاية ينتصر طبعاً المسيحي وهذا ما لم يعجب لسنغ بتاتاً. وهو يتهم كردانوس بأنه لم يتصرف بصورة مستقيمة مع الأديان الأخري وبالذات مع الإسلام، وأنه كان عليه أن يعالج الإسلام بصورة صحيحة قبل أن يتولي أمر مقارنة الأديان هذه. بعد هذا يتولي لسنغ امر القيام بمقارنته الخاصة للأديان، ويترك مسلماً يعرض الإسلام كالتالي: ألق نظرة علي قانونه ]محمد[، ماذا تجد فيه مما لا يتطابق بكل صرامة مع العقل؟ نحن نؤمن بإله أوحد، نؤمن بثواب وعقاب قادمين يصيبنا أحدهما لا محالة بحسب أعمالنا. نحن نؤمن بهذا أو بالأحري، (…) نحن مقتنعون بهذا وليس بأي شيء آخر .وعن المسيحية يقول مسلم لسنغ: هذا (…) الذي يدعوه المسيحي دينه هو فوضي من التعاليم لن يعترف بها أي عقل سليم . وبهذا يشرع لسنغ بالهجوم: إن الإسلام هو دفعة واحدة دين عقلي والمسيحية تعليم يطلب من البشر أن يؤمنوا بأشياء لا عقلية. وبعد أن يكمل المسلم حديثه لا يتكلم المسيحي أبداً، ويبقي السؤال عن الدين الصحيح مفتوحاً كلياًً فجأة، وهذا هو بالضبط ما أراد لسنغ الوصول إليه. إنه يعرض الإسلام ديناً هو بشكل خاص عقلاني لكي يهز اليقين المسيحي بامتلاك الحقيقة.وفي هذا السياق تجب ملاحظة التالي: في عرض لسنغ للإسلام تجري مساواة مع الديانة الطبيعية لمذهب التأليه السببي Deismus. لقد أريد بالبناء الذهني Konstrukt للدين الطبيعي أن يكون محاولة لملاءمة التعليم المسيحي مع النموذج الفكري للعقلانية وفيه يتم التخلص من فكرة الوحي. المؤلهون السببيون آمنوا بإله لكن ليس بوحي محدد، وإنما هم طوروا ديناً طبيعياً .وهذا الدين المفروض أنه يستطيع الاستغناء عن الوحي حيث أن الإنسان لوحده مستنداً إلي عقله قادر في رأيهم أن يتعرف علي الله وأن يتصرف بشكل أخلاقي.ومعرفة الله والسلوك الصحيح أخلاقياً هما النقطتان المركزيتان في الدين الطبيعي وهما أيضاً اللتان يدعوهما لسنغ بالإسلاميتين إذا أراد أن يصف الإسلام: نحن نؤمن بإله أوحد، نؤمن بثواب وعقاب قادمين يصيبنا أحدهما لا محالة بحسب أعمالنا .وبعرضه للإسلام كدين طبيعي يريد لسنغ الوصول إلي هدف مزدوج: إنه يريد من جهة أن يوقظ الشك في اليقين المسيحي بامتلاك الحقيقة ويحث بهذا علي التفكير، وقد نتج عن تعاليم التأليه السببي نقد للكتاب المقدس وللكنيسة، وهذه الدفعة النقدية القوية تلقاها لسنغ وهو يقدم الإسلام كدين طبيعي تعاليمه قائمة علي أساس عقلي بدلاً من الوحي. ومن جهة أخري هو يهاجم التقييم السلبي للإسلام المنتشر منذ قرون. إن العملـــية التي يطبــــقها يمكن للمرء أن يسميها رفع القيمة الاستراتيجي strategische Aufwertung (كوشل Kuschel ): عبر انتقاء واع ومحسوب توضع في المام الجوانب المقيمة إيجابياً لكي يصبح من الممكن إصدار حكم أعدل. إن جانب العدالة هو أيضاً مكون جوهري من مفهوم لسنغ للتسامح.7
mostread1000001