لسنغ والإسلام والتسامح (2 من2)

حجم الخط
0

لسنغ والإسلام والتسامح (2 من2)

كتاباته قدوة للمسلمين ولغيرهم ودعوة للتحرر من الثنائيات المتعارضة وتأكيد القيم المشتركة العابرة للحدودلسنغ فحص قبل كل شيء ثقافته المسيحية… والمسلمون واليهود في مسرحيته مستنيرون ومتسامحونلسنغ والإسلام والتسامح (2 من2)سيلفيا هورشالسيدة سيلفيا هورش هي باحثة ألمانية شابة نالت أطروحتها للماجستير عن العقلانية والتسامح، معالجة لسنج للإسلام ، التي نشرت في كتاب صدر عن دار إرغون في فورتسبورغ صدي طيباً في الأوساط الأكاديمية والأوساط الاجتماعية الألمانية المهتمة بدعم الأصوات المتعقلة الداعية للتفاهم بين البشر من ثقافات متعددة، وتحجيم التيارات المتعصبة الداعية للعداء والكراهية.وقد دعيت السيدة هورش لإلقاء محاضرات تتعلق بموضوع الكتاب في أماكن مختلفة من ألمانيا، والمترجم استمع لهذه المحاضرة التي هي عملياً تقديم للكتاب في أحد هذه الأماكن (جامعة برلين الحرة) وطلب منها إعطاءه حق الترجمة، وتفضلت بذلك مشكورة.يعد الشاعر والمسرحي والمفكر الألماني الكبير لسنغر (1729 ـ 1781) واحداً من الأصوات القليلة في العصر المسمي عصر التنوير الذي عالج مشكلة التسامح عبر الدعوة إلي قراءة يسيرها الاحترام للأديان والثقافات الأخري لا الانحياز المسبق. علاقة عصر التنوير مع موضوع التسامح هو بخلاف وجهة النظر الوردية التي يقدمها عنه عادة المثقف العربي علاقة هي غالباً غير مشرفة، والبعد العنصري الذي لم يتم التركيز عليه كان ثغرة كبري للمنورين جعلتهم عملياً ونظرياً يناقضون مفاهيمهم عن الحرية العقلية والتسامح الديني منذ أن يخرج الموضوع عن حدود الثقافة الغربية.وتسلط السيدة هورش الأضواء علي هذا الجانب من خلال أعلام تنويريين من نوع فولتير وكانط.المحاضرة التالية ألقيت في ندوة دراسية في الأكاديمية الإنجيلية أرنولدهاين.وضعت الأسماء غير العربية بأحرفها الأصلية إلي جانب وضعها بالأحرف العربية ما عدا الأسماء الشهيرة جداً. دور الإسلام في المداولات حول التسامح:في الفكر التنويري جاءت بعد النظرة البراغماتية الخالصة للتسامح نظرة مضمونية، ومن المتوجب علينا علي كل حال أن نأخذ بعين الاعتبار أن هذا التحول كان منحصراً بالأحري في دائرة صغيرة من الفلاسفة والعلماء. ومـــــا كان مفهــــوماً علي وجه العموم من التسامح يوضحه بصورة جلية القــــاموس العام لتسدلر Zedlers Universal Lexicon الصادر عام 1745: ليس التسامح (…) شيئاً آخر غير أن يحاول المرء التعامل مع الآخر بروح سلمية وأن لا يمنع أحد غيره حقوقه الطبيعية وأن يتولي المرء بكل لطف دحض الآراء الخاطئة التي تقال علي منابر الوعظ، والتي يكتبها القائمون علي هذه المنابر، وأن يجتهد المرء بكل تواضع وتعقل لتعليم غيره ما هو أفضل (…) . إن التسامح يخدم هنا في نهاية الأمر غرض التبشير، وإنه لمن السهل أن نلمس أن هذا الفهم للتسامح بعيد كل البعد عن لسنغ، فما كان يهم لسنغ لم يكن ببساطة التحمل وهذا يعني سلوكاً تكتيكياً خالصاً، وإنما كان يهتم بإيجاد أساس من نظرية المعرفة لمطلب التسامح. إن الاقتناع بأن البشر لا يستطيعون الوصول إلي الحقيقة المطلقة هو عند لسنغ أمر حاسم الأهمية، وما هو ممكن هو الاقتراب من الحقيقة فقط، وبهذا يصبح مطلب التسامح مؤسساً علي نظرية المعرفة من خلال الفرق بين المعرفة المحدودة للبشر والحقيقة المطلقة التي لا يمكن الوصول إليها.وحيث ان الحقيقة المطلقة يمكن الاقتراب منها فقط يري لسنغ أن علي الإنسان بصورة مضطردة أن يجتهد للوصول علي معرفة أعمق. والذي يتوهم في نفسه أنه امتلك الحقيقة يفوت علي نفسه إمكانية اقتراب إضافي منها. وهذا الجانب من فهم لسنغ للحقيقة يجد تعبيراً عنه في موضع شهير يكثر الاستشهاد به من كتابه الرد Duplik الصادر عام 1778: إن ما يصنع قيمة الإنسان ليس هو الحقيقة التي يملكها أو يظن أنه يملكها، وإنما الجهد الصادق الذي بذله في الوصول إليها. (…) لو أن الله وضع الحقيقة كلها في يمينه ولم يضع في شماله إلا الدافع الذي يحث دوماً علي السعي إلي الحقيقة وحتي لو تضمن هذا أن أظل علي الأبد أخطئ ثم قال لي: اختر! لاخترت يسراه وقلت له متوسلاً: أعطني يا أبي! إنما الحقيقة هي لك وحدك! .بالنسبة للسنغ ليس المؤمن بما لا نؤمن به هو بالضرورة علي خطأ. إن من الواجب التسامح معه بسبب الإمكانية الكامنة للحقيقة أو الميل إلي الحقيقة الذي يمتلكه. ومن هنا لا يتحمل لسنغ الرأي المخالف فقط بل يري في الجدل معه ضرورة لدعم جهود الذات الهادفة إلي الوصول علي المعرفة، ولا يكون هذا الموقف ممكناً بدون احترام الآخر والاعتراف به، وهنا يظهر لسنغ تطابقاً في الرأي مع غوته ومبدئه المعروف: إن التسامح يجب أصلا أن لا يكون موقفاً مؤقتاً فقط، إذ يجب أن يقود إلي الاعتراف. إن التحمل إهانة .(غوته يفهم هنا التسامح Toleranz بمعناه الحرفي، إذ ان المصدر tolerare هو في الأصل مفهوم سلبي يمكن أن يطلق عليه التحمل أو الصبر علي الأذي . وعند الحديث لاحقاً عن فهم لسنغ للتسامح فإن المقصود هو طبعاُ شيء آخر: إنه موقف الاعتراف والاحترام).الإسلام يلعب في تدخل لسنغ لصالح التسامح دوراً مهماً، وهذا ما بدا واضحاً في إعلانه عن كتاب تاريخ العرب حين يتصدي للحكم المسبق القائل إن المسلمين برابرة وفي كتابه إنقاذ هيرونيموس كاردانوس حيث شدد علي توافق الإسلام مع العقل في وجه الرأي الشائع الزاعم أن الإسلام لاعقلاني. وثمة مثال آخر مهم في هذا السياق هو كتابة يقدّم فيها لكتاب مقتطفات شخص لم يسمّ الذي هو مقتطفات في نقد الكتاب المقدس والوحي من تأليف هرمان صموئيل رايماروس Hermann Samuel Reimarus. الكتــــابة اسمها مـــن آدم نويسرن. بعــــض الأخبار موثوقة المصـــدر Von Adam Neusern. Einige authentische Nachrichten وتاريخها عام 1774، وفيها يقف مؤيداً لإعادة الاعتبار إلي منتم للطائفة اليونيتارية Unitarier (طائفة مسيحية لا تؤمن بالتثليثم م.) تحول إلي الإسلام في القرن السادس عشر. آدم نويسرن وصم بخيانة الأمة المسيحية وبأنه امرؤ عديم الأخلاق غارق في الرذيلة لأنه غير دينه وهرب إلي القسطنطينية. وعلي العكس أظهر لسنغ بصورة جلية أن خطوة كهذه يمكن أن تكون علي غاية المنطقية بالنسبة إلي يونيتاري إن نظرنا إليها من منظور علم العقيدة.واهتم لسنغ أيضاً بالفلسفة الإسلامية وأتاح لها أن تحفزه: لقد قرأ الرواية الفلسفية حي بــــن يقظان لأبي بكر بن طفيل من القرن الثاني عشر والتي صارت معروفة في أوروبا باسم فلسفة التعلم الذاتي Philosophus Autodidactus. وبالتوازي مع هذه الرواية كان ثمة كتابة غير منشورة في حياته حول نشوء الديانة الموحي بها ber die Entstehung der geoenbarten Religion وهي كتابة تعود إلي العام 1763. إن التلقي المثمر لعلم كلام الإسلام ولتاريخه يظهر نفسه أخيراً في مسرحية ناثان.ناثان الحكيم ومَثَل الخاتمهنا نأتي إلي مسرحية لسنغ التي أيد فيها التسامح كما لم يفعل في أي عمل آخر. وهي مسرحية ناثان الحكيم الصادرة عام 1779.المكان هو القدس والزمان هو القرن الثاني عشر، زمن الحروب الصليبية وصلاح الدين الذي هو أيضا أهم شخصيات المسرحية، وهو يعرض في المسرحية كحاكم متسامح متنورّ. ناثان هو تاجر يهودي فقد قبل سنين كثيرة كل عائلته في مجزرة معادية للسامية قام بها مسيحيون. ومع ذلك فإنه بمعونة إلهية قادر علي أن يتغلب علي كراهيته ويتبني فتاة صغيرة مسيحية اسمه ريشا Recha.وتبدأ المسرحية بعودة ناثان من سفر فيعلم أن فارس معبد منتم إلي جماعة من الجماعات التي شنت الحروب الصليبية، قد أنقذ ابنته المتبناة من حريق شب في منزله. وفارس المعبد نفسه كان صلاح الدين قبل مدة قصيرة قد عفا عنه فقد كان أسيراً وكان المفروض أن يعدم مثل غيره من فرسان المعبد، ولكن وجهه ذكّر صلاح الدين بأخيه أسد الذي ذهب إلي أوروبا منذ سنين عديدة وقد مات. فارس المعبد يحب ريشا ويطلب يدها من ناثان، ولكن عند ناثان شك معين ويريد أن يعرف أولاً من هو فارس المعبد بالضبط. وبالفعل يتضح بعد تشابكات كثيرة أن ريشا وفارس المعبد أخوان وأنهما ابن وبنت أخي صلاح الدين. وثمة مشهد كبير للتعارف من جديد وفي النهاية تقف علي خشبة المسرح عائلة واحدة كبيرة فيها لا تلعب الاختلافات في الدين أي دور. والتوجيه المعروف الموجه للإخراج في الختام يقول: تنزل الستارة والجميع يعانق بعضهم بعضاً .وفي مكان مركزي من المسرحية يقص ناثان مَثَل الخاتم: صلاح الدين يسأله عن الدين الأفضل، ويتملص ناثان من هذا السؤال المفخخ بأقصوصة: كان عند رجل خاتم فيه قوة سحرية يجعل حامله محبوباً عند الله والناس ، وهذا الخاتم منذ أجيال يتوارث فيعطيه الأب لأحب أبنائه إليه، ولكن الرجل الآن عنده ثلاثة أبناء يحبهم بنفس المقدار وبهذا تنشأ مشكلة. ولهذا هو يكلف من يصنع له خاتمين آخرين مقلدين ويعطي كل واحد من أبنائه خاتماً.وبعد موت الرجل يبتدئ الشجار طبعاً حول مسألة ما هو الخاتم/ ما هو الدين الأصلي. ويذهب الأخوة إلي قاض يقرر بداية أنه هو أيضاً لا يستطيع أن يعرف الخاتم الأصلي، وبالتالي الدين الأصلي، فيعطي الأخوة الثلاثة النصيحة التالية: كل واحد منهم يجب أن يؤمن أن خاتمه هو الأصلي، وعلي كل منهم أن يضع الرهان علي أن يبرهن أن خاتمه هو الأصلي بأفعاله الخيّرة وسلوكه الحسن. وهو يقول:ليراهن كل منكم أن القوة السحرية في خاتمه ستظهر فجأة!فلتأت هذه القوة مع الرقةمع الاحتمال الصادق ومع البرمع الاستسلام العميق لله Mit innigster Ergebenheit in Goللمساعدة! وعندما تتبدي القوة السحريةعند أحفاد أحفادكم:عندها سأدعوكم عبر آلاف آلاف السنينمرة أخري أمام هذا الكرسي حيث سيكونرجل جالساً علي هذا الكرسي هو أحكم مني وسيتكلم.إن نصيحة القاضي هذه تتضمن استعارتين من القرآن:الاستسلام لله: ثمة صيغة مركزية في المسرحية لا نصادفها فقط في نصيحة القاضي ولكن نصادفها في مواقع أخري وهي صيغة الاستسلام لله وعند البحث في صيغ المسرحية وجدت روابط مسيحية ويهودية مع هذه الصيغ، لكن الباحثون اقتضاهم الأمر 217 سنة بالضبط ليكتــــــشفوا أن الاستسلام لله ليس شيئاً آخر غير الترجمة الحرفية للكلمة العربية إســـلام (فقط عام 1996 وجه الانتباه فريدريش نيفونر Friedrich Niew?hner في مقال في صحيفة فاتس Faz لهذه الحقيقة).إن هذا الأمر مذهل حيث أنه فقط في التراث الإسلامي توجد هذه الصيغة ومن الممكن البرهان علي أن معني كلمة إسلام كان معروفاً عند لسنغ ففي دفتر ملاحظاته نجد: الإسلام هو كلمة عربية تعني أن يسلم المرء نفسه للإرادة الإلهية . وكان بإمكان لسنغ أن يقرأ في الكلمة التمهيدية لترجمة سيل للقرآن: وهذا الدين سماه (محمد) باسم الإسلام، وهي كلمة تعني التسليم Resignation أو الخضوع أو الاستسلام لأمر الله وخدمته، وهو اسم (…) الدين المحمدي الأصلي. وبالتالي يمكن لنا أن ننطلق من أن لسنغ استعمل هذه الكلمة علي خلفية المعني الذي تأخذه في الإسلام.وفي القرآن أيضاً موازيات للتوصية بالسلوك الحسن بدلاً من الشجار حول الحقيقة، وللرهان علي السلوك الحسن ثمة مواز في القرآن أيضاً، ولم يستغرق الأمر طويلاً حتي اكتشف: ففي عام 1850 يجد القارئ في جريدة دير شتوتغارتر مورغن بلات فور غبلدته ليزر النص القصير الذي عنوانه الفكرة الرئيسية لناثان لسنغ في القرآن . ولكي لا يجد المؤلف (مغفل الاسم) نفسه عرضة للشك بأنه يدافع عن القرآن يصف اولاً بالتفصيل كم هو هذا الكتاب مزعج، ولكن بعدها نجد: ثمة مواضع قليلة لامعة (…) ومن أبرزها جزء من الآية 52 من السورة الخامسة حيث نجد بعد كلام شديد الاحترام لشريعة موسي وإنجيل المسيح علي لسان الرب ومن ثم علي لسان الرسول القول: بعد هذا تأتي الآية 48 من سورة المائدة لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلي الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون .وقالت الجريدة أيضاً: من لا يتذكر ناثان لسنغ عند قراءة هذا أو علي الأقل فكرته الأساسية في نهاية مثل الخاتم؟ .لقد كان لسنغ يستطيع أن يجد أصل مثل الخاتم في الأدب، فقد كان موجوداً عند بوكاشيو Boccaccio أما نصيحة القاضي فهي إضافته الخاصة التي استوحاها من القرآن بشكل واضح:يقول القرآن: ولو أراد الله لجعلكم أمة واحدة . فتعدد الأديان هو إرادة الله، مثل تعدد الخواتم التي أرادها الأب ـ فمن له إذاً الحق في أن يحرم الأديان الأخري من حق الوجود أو يستطيع تقديم السبب المبرر لذلك؟ وجانب الامتحان مهم أيضاً، والقرآن يقول: ولكن ليبلوكم فيما آتاكم . بالنسبة للإخوة الثلاثة فإن وجود الخواتم الثلاثة هو اختبار: هل سيتصارعون أم سيعاملون بعضهم معاملة الأخ لأخيه؟ هل سيستحقون محبة أبيهم؟.وبعد هذا فاستبقوا الخيرات إلي الله ـ وفي نصيحة القاضي: ليراهن كل منكم ـ/ أن القوة السحرية في خاتمه/ ستظهر فجأة . فالتسابق علي الخير هو السبيل لكي يثبت المرء أن دينه هو الدين الحق. وثمة مثل في الإنجيل أيضاً عن هذا: في الإصحاح السابع من إنجيل متي 20:7 في أثناء الحديث عن التفريق بين الأنبياء الحقيقيين والأنبياء الكذبة: من ثمارهم تعرفونهم . أن العقيدة الصحيحة تظهر من خلال السلوك الحسن فهذا تعليم أساسي في الإسلام، ففي حديث نبوي مشهور: الدين معاملة .وفي النهاية فإن الجواب عن الدين الصحيح موجود في الآخرة: إلي الله مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون – عندها سأدعوكم عبر آلاف آلاف السنين/ مرة أخري أمام هذا الكرسي حيث سيكون/ رجل جالساً علي هذا الكرسي هو أحكم/ مني وسيتكلم .إن مثل الخاتم لا يدعو بهذا إلي اللامبالاة حيال الأديان كلها. وليس التسامح نتيجة لإفقاد السؤال عن الحقيقة أهميته، فالإخوة لا يطلب منهم إسقاط حقهم في أن يعتقد كل منهم أنه علي حق، وعلي العكس فالقاضي يطلب منهم أن يثبت كل منهم علي قناعته: فليؤمن كل واحد أن خاتمه هو الأصلي III، 7. ما يطلبه هو التخلي عن الشجار غير المجدي حول الحقيقة وبدلاًً من ذلك إثبات الذات في السلوك العملي.في ناثان لا تجري المطالبة بالتسامح فقط عند الرجوع بكثرة إلي علم العقيدة الإسلامي واليهودي وإلي التاريخ، وإنما بالأحري يحقق التسامح بمعني الاحترام والاعتراف بالآخر علي المستوي المضموني. لقد اشتغل لسنغ علي عناصر من الأديان التوحيدية الثلاثة ومن المأثورات في مسرحيته، وبالذات من المأثورات اليهودية والإسلامية. (من المعروف أن المسيحية هي الدين الذي يعامل علي النحو الأسوأ من قبل شخصية البطريرك).ناثان الحكيم في القرن الحادي والعشرينما الذي تستطيعه مسرحية مثل ناتان أن تقوله اليوم؟ إن رسالة ناثان التي هي قرابة البشر جميعاً عبر الحدود والأديان وإمكانية التفاهم السلمي بينهم كثيراً ما أعلن موتها.علي خلفية تجربة حربين عالميتين والهولوكست والحرب الأهلية في البلقان وأخيراً تجربة إرهاب الإسلامانيين المتطرفين وما أعلن علي إثره من حرب علي الإرهاب شملت إلي الآن بلدين يظهر الاستخلاص أن لسنغ برسالته التسامحية يطلب أشياء أكثر من اللازم، وقد عبر عن هذا مخرج مسرحي أخرج عروضاًً كثيرة لناثان الحكيم حين قال بعد هجمات 11 سبتمبر: إنه تسامح عظيم ولكنه تسامح لا يمكن أن يعيش. هذه هي المأساة! .وثمة مشكلة أخري في استقبال ناثان هي أن مفهوم لسنغ للتسامح همش عبر إساءة الاستعمال العام: عالم الدراسات الإسلامية نافد كرماني Navid Kermani يقول عن هذا: إن مفهوم لسنغ للتسامح امتصه في البداية الوعي البرجوازي العادي ولاحقاً امتصته الكنائس بحيث لم يبق منه شيء وفقد كلياً طابعه التحريضي الناقد للتسلط .لقد فرغ مفهوم التسامح من مضــــمونه في سياق هذا التطور وابتذل، ومما يعبر عن هـــــذا عرض مسرحية ناثــــان في جوقة برلين Berliner Ensembel عام 2002.إن لسنغ في زمنه وضع قبل كل شيء ثقافته المسيحية ـ الغربية الخاصة أمام المرآة بنيّة نقدية. و الآخرون ، اليهود والمسلمون، هم في هذه المسرحية مستنيرون ومتسامحون، أي الصورة الإيجابية المعاكسة لثقافته الخاصة.علي العكس من ذلك عرض الجوقة البرلينية الذي يبدو المسلمون فيه كشخصيات شرقية من الحكايات لها مظهر صبياني: بتعبير نقاد الجرائد فإن صلاح الدين يتقافز هنا وهناك كصبي مغرور مدع زين نفسه بنهايات لحية مدببة ويتبختر مثل صورة كاريكاتورية شاحبة لقائد يرتدي حذاءين زرقاوين.علي مدخل خشبة المسرح أحضرت رموز للديانات الثلاثة: الصليب للمسيحية ونجمة داوود لليهود والطائرة المدنية للمسلمين. وبينما يظهر المسلمون علي الخشبة كشخصيات حكايات شرقية فإن صورة الخشبة تحث المشاهد علي تبني صورة للإسلام كدين عنف.إن عنصرين أساسيين من صورة الإسلام القديمة تظهر بهذا في عباءة جديدة: اللاعقلانية والعنف.وثمة شيء آخر يلفت الانتباه في هذا الإخراج: في مسرحية لسنغ المتنور ناثان يهودي شرقي، أما في إخراج بيمان Peyman فيظهر أوروبياً ويدخل المسرح في زي غربي. إن تعامل لسنغ النقدي مع ثقافته الخاصة تحول إلي مصادقة علي تفوقها الأخلاقي والعقلي.هذا التبديل لقصد لسنغ هو أمر مستهجن يما يكفي لكن ثمة ما يستحق الاستهجان أكثر وهو أنه لم يكد يلفت الانتباه رغم كل النقد الذي وجه للإخراج، فقد أثنت الجرائد علي عرض ناثان (تقول جريدة دي فلت Die Welt مقرظة إنه عرض لامع ويكفي دور البطولة الذي أداه بيترفيتس Peter Fitz) مثقف حربوق بلطافة .أما كرماني فقد أوضح إشكالية عرض ناثان هذا بجلاء: علي حين أن لسنغ كتب ضد لاتسامح الغرب جاء إخراج بيمان ليجعل التسامح أمراً غربياً. فحامله ليس منهم كما هو عند لسنغ ولكنه واحد منا . كل الشخصيات في العرض وضعت في الشرق المدهش ما عدا واحدة فقط ألبست لباساً غربياً مثل لباس الغربي كلاوس بيمان Claus Peyman وهي شخصية ناثان الحكيم. ويمكن للمرء أن يسميه ناثان الأبيض (تلاعب علي الألفاظ: الحكيم بالألمانيا هو der Weise و الأبيض هو der Wei?e .م). وفي جميع الأحوال يمكن للمرء أن يذكر العنصرية القابعة بشكل غير واع في أساس هذا الإخراج.هل انعدام الإدراك لقصد لسنغ هذا (وهو ليس موجوداً في عرض الجوقة البرلينية فقط) هو أيضاًً عرض من أعراض التميع العام لمفهوم التسامح؟لقد وصف مفهوم التسامح عند لسنغ بأنه موقف احترام واعتراف: إنه ليس مجرد تحمل لقناعات الآخرين ولكنه تفاعل جاد وبناء معهم، فهل تحقق نماذج التسامح الآن هذا المطلب أم هي لا زالت بعيدة عنه؟ في هذا الموضع تطرح المقارنة بين مفهوم لسنغ للتسامح ونموذج يبدو أنه يلاقي نسبياً موافقة واسعة حالياً نفسها.الفيلسوف الفرنكفورتي راينر فورست Rainer Forst يدافع عن مخطط احترام Respekt-Konzeption يؤسس الاحترام علي قاعدة أنه فضيلة العدالة ومطلب العقل .وفي هذا النموذج يستند التسامح علي شكل مؤسس أخلاقياً للاحترام المتبادل للأفراد أو المجموعات المتسامحة مع بعضها . إن الاعتراف بالآخر في ذاتيته Eigenheit وغيريته Andersheit يفهم كإلزام أخلاقي. وبمفهوم الاحترام يتحدد موقف الاعتراف الذي طالب به لسنغ ومن بعده غوته أساساً للتسامح. فهل الأهمية المركزية للاحترام علامة علي أن مفهوم لسنغ للتسامح يجد اليوم اعترافاً عاماً؟إن يورغين هابرماز Habermas شدد في أحد الخطابات كثيراً علي المنافع العملية لوصية التسامح: إذا نظرنا للأمر من وجهة وظيفية فإن التسامح الديني عليه أن يستوعب التأثير الاجتماعي الهدام لاختلاف في الآراء ما زال قائماً بلا هدنة. إن الرابطة الاجتماعية التي تربط المؤمنين مع مؤمنين من عقيدة أخري ومع غير المؤمنين كأعضاء في مجتمع علماني واحد يجب أن لا تتمزق . (متي يجب علينا أن نكون متسامحين؟ 2002) هدف موقف التسامح هنا هو تأمين السلام الاجتماعي، ولربما كان هذا أيضاً هو كل ما يمكن للمرء أن يطلبه واقعياً أما لسنغ فهو في جميع الأحوال قد ذهب أبعد من ذلك: صحيح أن الجانب الخاص بتأمين السلام الاجتماعي يلعب دوراً عند لسنغ أيضاً (وهكذا يعرقل مطلب التسامح في نصيحة القاضي أيضاًًً أن يتصارع الإخوة) ومع ذلك فإن مفهومه للتسامح يتجاوز هذا فهو لا يعني عند لسنغ السماح بوجود قناعات أخري فقط ولكنه يعني أيضاً ترك الذات تتفاعل مع هذه القناعات. وبحسب هذا الفهم فإن التســـــامح هو أساس لتفاعل مثمر مع الأفكار والمفاهيم الأخري: إن تفهم المنظورات الأخري يتيح نمو المعرفة وبهذا يمكن للاشتغال بالأديان والثقافات الأخري أن يقود إلي الاغتناء. مؤمناً أن هذا ينطبق علي الإسلام أيضاً وقف لسنغ في الفكر التنويري وحيداً. من يرون اليوم في الإسلام إغناء هم أقل من أي وقت مضي، أما وجود عدة ملايين من المسلمين في أوروبا فينظر إليه بالأحري علي أنه مشكلة، وفي هذا الوقت يشكل الإسلام بوضوح التحدي الأكبر أمام التسامح الأوروبي.في ألمانيا ثمة خلافات دائمة منتظمة في المسائل المتعلقة بممارسة المسلمين لدينهم كمسألة اللحوم المذبوحة وبناء المساجد وارتداء غطاء الرأس. وليس نادراً أن تجتمع في هذه الجدالات كل المخاوف المرتبطة مع وجود لأقلية ينظر إليها بنظرات تتراوح ما بين النظرة إلي الغريب والنظرة إلي الخطر .وفي فرنسا كما في ألمانيا يتبدي لنا في سياق الجدال حول غطاء الرأس الراهن أن الممارسة الاجتماعية والسياسية لا يوجهها مفهوم للتسامح بأنه احترام ، الأمر الذي كان من شأنه ـ كما يقول فورست أيضاً ـ أن يقود إلي التسامح مع غطاء الرأس في المدرسة (وهذا يعني احترامه). وفي الفترة الأخيرة علي خلفية العلاقات السياسية يبدو أن ما يدعي مجازاً الصراع الحضاري، الذي لا يتبدي في الجدال حول غطاء الرأس فقط، يزداد حدة. إن الإرهاب الذي يزعمون أن دوافعه دينية وتصاعد الصراع في الشرق الأوسط والحديث المستجد عن الحروب الصليبية ـ كل هذا ظواهر حولت صراع الحضارات الذي تنبأ به صموئيل هنتنغتون إلي ما يبدو كأنه حقيقة واقعة، وقوت الميل إلي التفكير في الثقافات ككتل قائمة علي هويات صافية غير متغيرة. وفقاً لهذه النظرة يقف الإسلام و الغرب أمام بعضهما أنظمة مغلقة بدون إمكانية للاتفاق. وفــــي كلا الجانبين يعمل ممثلون لهذه الرؤية للعالم بعناية علي الإبقاء علي الصورة العدائية للطرف الثاني.إن التصور القائل بهوية وحيدة البعد وقابلة للفصل الجلي عن سواها لم يتم دحضها فقط بعد أن تطورت العولمة والهجرة وأصبح ينظر إليها علي أنها بناء تخيلي، ذلك أن الثقافات خضعت دوماً لعمليات تحول، وتطورت عبر التبادل ثنائي الاتجاه، ولكن الظاهر أن العودة إلي الوعي بما هو خاص ووضع الحدود له التي تفصله عن الآخر في عصر الحداثة قد أصبح حاجة هدفها ترسيخ اليقين بالهوية التي أصبحت مهتزة. إن هذا البناء الأصولي للهوية هو في التيارات الإسلامانية التي تريد تنقية الإسلام مما هو غريب ظاهرة ملاحظة تماماً كما هو في أجزاء من المجتمعات الغربية التي يقال فيها إن الثقافة القائدة يجب أن تحمي من الانهيار.لقد وقع للسنغ أنه بني صورة نقيضة لمجتمعه الخاص بشكل مزدوج: عبر تحديده لطبيعة الإسلام كدين للعقل والتسامح من جهة، وعبر الإشارة إلي العناصر اللاعقلانية واللامتسامحة في مجتمعه هو، أي في الثقافة المسيحية الغربية من جهة أخري. إن راهنية معالجة لسنغ للإسلام تتمثل لهذا قبل كل شيء في نقطتين: ـ في الاستعداد لاكتشاف القيم الأساسية ليس فقط في الثقافة الخاصة بل في الثقافات الأخري أيضاً وبالتالي فهمها بصورة كونية.ـ في الاستعداد للنقد الثقافي.في هذا الموقف يشكل لسنغ قدوة للمسلمين ولغير المسلمين الذين يشترط من أجل أن يقوموا بحوار متكافئ أن يتحرروا من طرق التفكير الجوهرانية، وإن وضع الثنائيات المتنافية أمام بعضها مثل ثنائية الغرب العقلاني مقابل الإسلام اللاعقلاني المتعصب، أو في الجانب الإسلامي وضع ثنائية الإسلام الأخلاقي مقابل ثنائية الغرب اللاأخلاقي يجب أن يحل محله تبصر بالتعقيد والاختلاف في كل ثقافة وفي الدين نفسه.وعلاوة علي ذلك يجب اكتشاف القيم المشتركة العابرة للحدود التي ترسمها اختلافات الدين والثقافة، وأن يتلاقي البشر في المرتبة الأولي لا كمنتمين لأديان مختلفة ولكن كبشر، أو بحسب تعبير ناثان: هل المسيحي واليهودي هو مسيحي ويهودي / قــبل أن يكون إنسانا؟ً II.5 .7

mostread1000000

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية