الشيخ محمد أبو الخير زكي بدوي.. رحلة ثمانين عاما في البحث عن إسلام متنور
ابراهيم درويشالشيخ محمد أبو الخير زكي بدوي.. رحلة ثمانين عاما في البحث عن إسلام متنور آخر مرة رأيت فيها الاستاذ الشيخ الدكتور زكي بدوي (1922 ـ 2006) كان الاسبوع الماضي في الكلية الاسلامية التي انشأها عام 1986، وقال لي انه يحضر لمؤتمر عن القدس سيعقد في الكلية، وطلب مني الحضور مع ممثل فلسطيني، وهم القدس كان من الهموم التي شغلت العالم والداعية الكبير، ففلسطين لم تغب عن اهتماماته، وظل طوال السنوات يذكرني بمشروع كبير كان يطمح لتحقيقه وهو نشر صور وتعليقات المتطرفين اليهود والمستوطنين الذين كان يعترض علي استخدام الصحافة لتسميتهم بالمستوطنين، بل تعبير المغتصبين والسالبين للارض الفلسطينية، ورغم المحاولات لم افلح في تحقيق ما اراده الشيخ، حيث قال لي بعد ذلك انه تلقي وعودا من باحثين فلسطينيين للعمل علي اتمام المشروع. فقد كان يؤمن ان اهم وسيلة لمحاججة هؤلاء والتصدي للصورة السلبية عن الاسلام، بنشر اقوال المتطرفين الذين تحدثوا عن العرب كعقارب وافاعٍ وغير ذلك مما افرزه الخطاب القيامي المتطرف هذا. زكي بدوي الذي رحل صباح الثلاثاء 24/1/2006 وهو يقارع ويتحدث في المؤتمر الثالث للمصارف الاسلامية، في فندق ميلينيام في وسط لندن، كان وجها اسلاميا معروفا، فرض احترامه علي كل اتباع الديانات الاخر، ورفض موقعا اقل من موقع ممثلي الاديان في الفضاء البريطاني، فقد كان يحرص علي الظهور وهو الرجل الحديث والمتأنق في لباسه ولغته، بزي الازهر الذي كان طالبا فيه ومدرسا لاكثر من ربع قرن. ولكن بدوي كان سجلا من التاريخ يمشي علي الارض، حيث ذرع قارات العالم، محاضرا ومناقشا اطروحات جامعية، ومشاركا في المؤتمرات، ومحادثا رؤساء الدول، وقد كان نسيج وحده، ينافح ويكافح غير آبه بما يقوله عنه المعترضون الذين لم يوفروا اي شيء في قاموسهم، وكان يعرف انهم يصفونه بـ العم توم اي تابع البيض، وانه متحرر في الفتوي، يحاول ان يرضي السلطات، ويتعاون مع الحكومة البريطانية. وكان يشير الي هذه الاتهامات ضاحكا في مقابلاته الصحافية. اتقن زكي بدوي اكثر ما اتقن لغة الحديث للاعلام، وكان صاحب ذاكرة حادة مثيرة للاعجاب، وفي الشهر الماضي حل علي الكلية ضيف وعالم لم تكن لغته الانكليزية تساعده، فوقف الشيخ زكي الثمانيني، ليعيد ما قاله المحاضر حرفا حرفا بلغة انكليزية صافية، اثارت اعجاب العلماء الشباب. واهمية زكي بدوي الذي تعددت اوصافه، باعتباره، المعمر الحكيم، او القائد غير الرسمي لمسلمي بريطانيا، البالغ عددهم 6.1 مليون نسمة تنبع من انه كان واثقا من هويته الاسلامية، غير مستعد للتنازل عنها وفي اي موقع ولهذا نال الاحترام والتقدير، وحتي عندما كرمته الملكة اليزابيث بمنحه وسام الفارس، رفض التخلي عن مصريته، فعاش في بريطانيا قرابة النصف قرن مصريا حقيقيا لم تتلوث لهجته المصرية، وكان اول من اخترع او استخدم مصطلح الاسلام البريطاني ، حيث قال اذا تحدثنا عن اسلام مصري او باكستاني او اندونيسي، فلماذا لا يكون لدينا اسلام بريطاني ، واضاف ان الجيل الاول من المهاجرين المسلمين الذين جاؤوا الي بريطانيا لاسباب متعددة، حملوا معهم ثقافاتهم الريفية واستخدموها في فضاء غربي، وهذا الجيل الذي اختفي اخذ معه ثقافته، ولهذا فالجيل الثالث من المهاجرين او ابنائهم درسوا في بريطانيا وتشربوا الثقافة الغربية، ولهذا فهويتهم ستظل هوية بريطانية اسلامية، اذ انه لم يكن يري اي تعارض بين هوية المواطن المسلم الدينية وانتمائه وولائه للتراب البريطاني. واكثر ما كان يهم الدكتور بدوي هو غياب ما اسماه الثقافة الفكرية الاسلامية القادرة علي التعامل مع الواقع المعاصر، حيث كان يري ان السياسيين، ممن يمثلون الاقلية المسلمة أساؤوا للاسلام والمسلمين، لان معرفتهم الدينية القليلة لم تكن تؤهلهم لفهم النص الاسلامي والمصادر الدينية، ولهذا كانوا ينزعون للتشدد امام مرونة العالم المتمرس في النص وتنزيلاته علي الواقع. وعندما كان مديرا للمركز الاسلامي في ريجينت بارك شعر بنوع من الدهشة والاستغراب ان ايا من الائمة القادمين الي بريطانيا لا يعرفون الانكليزية او اي شيء عن محمول الثقافة الغربية، ولهذا سعي الي سد النقص في هذا المجال عندما اعد برنامج تدريب للأئمة في كليته الاسلامية، في غرب لندن، وفي الشهر الماضي قام بتخريج اول فوج من الدعاة من الجنسين بحضور عدد من العلماء والناشطين. كان مدافعا عن المرأة ويحرص ان تكون في كل المنتديات، وثار عليه الكثيرون عندما اصدر بعد هجمات لندن في 7/7 فتوي قال فيها ان خلع المرأة حجابها حالة تعرضها لاعتداء مسموح به بمقاييس الشريعة، ولم يكن في فتواه اي شيء غريب او خارج الفهم الديني، الا ان توقيتها لم يعجب الكثيرين ممن هاجموه، ولكن الفتوي وحياة بدوي العملية، هي صورة الشاب الازهري المتمرد ، فهو كما يقول وبفعل التربية الازهرية نشأ متمردا، لا يتقن فن التبجيل او اضفاء الهالات، مع أي كان، رئيسا او انسانا عاديا، ومع كل ما حققه في حياته الا انه كان الرجل المتواضع الذي يتلقي الجميع بابوة خاصة وحقيقية، ويجد للجميع ما يعطيهم حتي الاطفال كانوا يجدون عنده هدية او التفاتة خاصة. عايش بدوي احداثا كثيرة، فقد كان من جيل الاخوان المسلمين الاوائل، والتقي بالشيخ حسن البنا (1906 ـ 1949) وكان يحدثنا كيف ناقشه واختلف معه، وعندما قامت ثورة 23 يوليو في مصر، كان اسمه علي قوائم المطلوبين، وعاش فترة من الزمن بدون جوازه المصري قبل ان يسترده، كما زار في عام 1953 الباكستان والتقي الداعية ابو الاعلي المودودي (1903 ـ 1979)، وذكر لنا بدوي مرة ضاحكا كيف كان رد العلامة المودودي علي سؤاله عن قلة اتباعه مقارنة باتباع الشيخ حسن البنا، حيث قلل من اهمية الكثرة في الاتباع معتبرا ان فيهم الكثير من المنافقين . لم يكن النشاط في الفكرة الاسلامية الحديثة الا وجها من الوجوه المتعددة للشيخ بدوي، فقد كان من اوائل الدعاة الذين عملوا في ماليزيا التي كانت تحت الاحتلال البريطاني، واسهم ببناء كلية اسلامية في سنغافورة قبل انفصالها عن شبه الجزيرة الماليزية، ودرس في جامعة الملايو، كما عمل محاضرا للدراسات العربية والاسلامية في الجامعات النيجيرية، واسهم في بناء العديد من المؤسسات الاسلامية، وكان علي اتصال بالعلماء المسلمين في كل اقطار الارض. ولعل ما كان يثير انزعاج الدكتور بدوي مدي تخلف العقل الاسلامي وعدم قدرته علي استيعاب الاخر، ولهذا كان ناشطا في مجال الحوار مع الاديان الاخري، ودفع كثيرا باتجاه الاعتراف بالاخر، في المؤسسات الاسلامية التقليدية، فقد كان وراء زيارة الامير تشارلز ولي العهد البريطاني، والذي كان مقربا منه، ومستشارا له، الازهر وعندما زار الامير تشارلز الكلية الاسلامية العام الماضي اثني كثيرا علي انجاز ووعي وتنويرية الدكتور بدوي. وكان بدوي يحضر لاستقبال الامير مرة اخري في الازهر والاحتفال بمنحه دكتوراه فخرية في شهر اذار (مارس) القادم. اسهم بدوي في رسم الكثير من القضايا الفكرية في المجتمع المسلم البريطاني، فهو الواثق والمعتد بنفسه، لم يكن يطمح لبناء صورة شخصية عن نفسه بقدر ما كان يطمح لاستعادة زمام المبادرة للعلماء، او العلم الاسلامي الصحيح من الذين اختطفوه وحاولوا قولبته لخدمة اغراضهم، سياسيين كانوا او مهنيين، وقد اشار مرة الي ان الجالية المسلمة ولعقود طويلة قام بتمثيلها اشخاص اما مهندسون او اطباء لا علاقة لهم بالدين ولم يدرسوا مبادئه، ولهذا السبب حاول رد الاعتبار للبحث الاسلامي الحقيقي، الذي يدعو للحوار والاعتراف بالاخر، وتغليب الفكر علي العاطفة، والعمل علي الكسل. ولهذا كان يطالب بفهم اسلامي قادر علي التطور مع الواقع المعاصر للجماعات الاسلامية في الغرب، ولانه كذلك، فقد كان يدعو المسلمين للتخلي عن عقلية القرون الوسطي التي تحكمهم وتلاحقهم في مهاجرهم الجديدة، وهي العقلية التي لا تتسامح مع الرأي الاخر، سواء كان هذا صادرا من مسلم او غير مسلم. وقال قال لاحد الصحافيين نتعامل مع اي شخص لا يوافقنا بالرأي كتهديد لنا، وبدلا من محاورته، نصمه غالبا بالخروج عن الاسلام ، ولهذا لم يكن التيار الرافض لافكاره ليتسامح مع الكثير من المبادرات التي قام بها، مثل استقباله ممثلين عن الدين اليهودي او المسيحي في المركز الثقافي او ظهوره في مناسبات عامة مع ممثلي الاديان في بريطانيا. وهو وان كان قادرا علي المناظرة والمفاكرة الا انه كان يري ضرورة تأجيل التنظير فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية لاحقا والتركيز علي ايجاد الحلول، وفي هذا اعتراف بسطوة الحداثة علي حياتنا فهو يقول لا احد يستطيع اليوم العيش بدون راديو او تلفاز، ولا يمكن لاحد الهروب من اثار الحداثة ، ولهذا كان يري انه اذا اريد للاسلام التجذر والاستمرار في السياق الاوروبي فعلي المسلمين تعلم مرجعيات الثقافة الغربية وتقنياتها، ولن يتم هذا الا بالتخلي عن المواقف العاطفية والتصدي للمشاكل عبر منظور عقلاني. وكان يري اهمية في تعلم المسلمين قوانين البلاد التي يعيشون فيها ويستخدمونها لصالحهم. ورأي ان دخول المسلمين البرلمان، ومجلس اللوردات جزء من عمليات تجذير الاسلام في بريطانيا.ان اهم ما اثار الشيخ بدوي هوالتعصب المذهبي الذي يسود في أروقة المؤسسات الكبري في بريطانيا وغيرها. فخطر التعصب المذهبي حسب بدوي انه يؤسس لتشرذم المسلمين وتفرقهم من جهة ويدحض مقولة قبول الآخر، والحوار مع الآخر من جهة ثانية. فإن كان المسلمون يكفرون بعضهم بعضا، فكيف لا يكفرون الآخرين من العلمانيين والأديان الاخر. واذا كان التعايش صعبا بين أبناء المذاهب الإسلامية ، فكيف يكون التعايش ممكنا بين المسلمين وغير المسلمين ..وكان يدعم فكرة فقه الاقليات الذي يبتعد عن الفقه الذي نشأ اثناء ما كان الاسلام في الحكم او يحكم. واعتبر البحث عن صيغ فقهية تسمح للمسلمين العيش كمواطنين في سياق غير مسلم امر ضروري ان لم يكن واجبا. وآمن ان الرفض الاعمي للحداثة كان مسؤولا عن النزعة التي برزت داخل المجتمع المسلم والتي تبحث عن احياء الخلافيات. كان الشيخ بدوي يصدر في فكره عن فكرة النهضة الاسلامية، خاصة مدرسة محمد عبده، التي كانت موضوعا لتحليله وتحدث عن فشل المشروع النهضوي الثلاثي الافغاني الذي لم يكن مفكرا ـ عبده الذي كان معنيا بخطاب الغرب.. ورضا الذي عاش علي هامش المؤسسة العلمية المصرية، ولكن ظل وفيا لروح المدرسة، خاصة طابعها العقلاني، ودعوتها لتحرير العقل المسلم من ركام الجمود ونقله من سباته الطويل. اسهم بدوي في الكثير من المجالات، المصارف الاسلامية التي يهتم بها منذ 1983، وكان وراء اهتمام وزارة الخزانة البريطانية في المعاملات الاسلامية وانشاء اول مصرف اسلامي بريطاني، وقضايا الاخلاق والطب، ومشاكل المجتمع المسلم، مثل الزواج المرتب، السجون، والختان، وضرورة تعزيز دور المرأة، كما ركز علي قضايا التعليم والتثقيف، واخيرا الحوار الديني مع بقية الاديان. وبدوي كان معارضا لحرب العراق، حيث عبر عن دهشته لاندفاع توني بلير لدعم المشروع الامريكي، مؤكدا ان ولادة عالم فوضوي تتحكم به دولة متغطرسة، امريكا، يتعامي علي دروس التاريخ، فروما كما قال مرة ليست بعيدة عن الذهن. زكي بدوي ترك بصماته علي الكثير من حياة المسلمين البريطانيين، ولهذا فسيظل حاضرا بحماسه وثقته، وفصاحته المصرية، وعلمه وقدرته علي الرؤية والنظر، واستبصار الجديد من داخل النص.ولد الدكتور محمد ابو الخير زكي بدوي في محافظة الشرقية عام 1922، وتلقي دروسه في جامعة الازهر، حيث حصل منها علي العالمية، من كلية اصول الدين وشهادة في الدراسات العربية، عام 1947 وفي نفس العام منحه الملك فاروق جائزة احسن بحث لطالب دراسات عليا. سافر الي بريطانيا عام 1951 ودرس في كلية لندن الجامعية حيث حصل منها علي درجة في علم النفس، وفيها تعرف علي زوجته ميفيس مريم التي تخصصت في علم نفس الاطفال. عاد الي مصر وعمل في الازهر مدرسا، وارسل ممثلا عنه في ماليزيا، حيث اسهم في انشاء كلية اسلامية في سنغافورة ودرس في جامعة الملايو . سافر من هناك الي نيجيريا عام 1965 حيث عمل مدرسا في جامعتي بايروا واحمدوا اوبيلو، وفي عام 1974 عاد الي بريطانيا، عين مديرا للمركز الاسلامي في ريجينت بارك عام 1979 حتي عام 1983 وفي عام 1986 انشأ الكلية الاسلامية وظل مديرها حتي وفاته. عمل في الصحافة العربية في لندن، واسهم في تحرير عدد من المجلات الانكليزية، كما ساهم في انشاء عدد من اللجان والمجالس مثل مجلس الشريعة ومجلس الأئمة والمساجد، ، كما ترأس عددا من ادارة لجان الحوار الديني وكان نائبا لمدير المجلس العالمي للاديان، وانشأ في عام 1983 بيت المال الاسلامي، وعمل فترة في مركز ابحاث الحج في السعودية. وكان عضوا في العديد من مجامع البحث الاسلامي، في مصر وماليزيا وبريطانيا، ومستشارا للعديد من المؤسسات. وحصل علي اكثر من شهادة دكتوراه فخرية من ماليزيا ومن الجامعات الاسكتلندية، وكرمته المحافل المسلمة في اكثر من مناسبة.7