عُدتُ والعود أحمد
صبـاح زويـن واشتقتُ الصفحة، اشتقتُ رائحة الخُزامي التي أتيتُ بها في ذلك الوقت من لاروشيل ونثرتها علي الأسطر، بين شمس كانت حينها في أوجها، أو كانت أيضاً علي وشك الغروب، لكنها أنارت دربي أو جرحتني وحرقتني، وهكذا كنتُ قد أتيتُ إلي هذه الصفحة الجميلة.أتيتُ حينها والألم في روحي والخزامي في جيبي، ولم أنسَ بعد النار، كلمات بها أحرقتُ أسطري وأحرقت وقتي وتناثر شذي الخزامي في الأرجاء وتابعتُ سيري.إني هنا، في اللامكان، في مكان الغربة الدائمة، إني هنا في الحيرة، وحرّة أطير بجناحين كبيرين صنعتهما بذاتي، بيديّ، بإرادتي صنعتهما. جناحان كبيران أطوف بهما فوق الجبال، ولستُ النسر ولا اليمامة، إني صباح الأمكنة الشاردة والأوقات المكدّسة.لم أكبر يوماً منذ ذاك الوقت، بل كبر جناحاي، كبرا كثيراً والدنيا صغرت بين كفّي، صغر العالم في راحتيّ وجناحاي يعكسان شمساً أبدية لا تفتر، تلك شمسُ لا تغيب عني مهما طال الزمن، فلم أكبر يوماً منذ ذلك الوقت.إلاّ أن الخزامي طالت سيقانها وامتدت جذورها في التراب وفي قلبي، ومع ذلك لم أتوقف، ظللتُ أمشي وهي ترافقني، ومغروسة في الأرض هي ترافقني كذاكرة، كذكري أحد الأيام الجميلة أو الحزينة.ذلك اليوم ظلّ مشعاً، ومشتعلاً ظلّ وفي إطارٍ ذهبيّ إلي جدار الوقت معلّقاً. ومرّت السنين والمطر والثلج والغيم والبحر والرياح والحَرّ والبرد كلها توالت علي هذه النافذة التي رأتني أمشي، أو رأتني أطير وأسير وأغرق ولا تزال تراني أكتب في الليل وفي الصبح وفي كل وقت، أكتب التراكم والخيبة وبعض الفرح والكثير من الإنكسار.إنها تمطر الآن، وإني أنظر من النافذة ذاتها الآن، لكني لن أتكلّم علي هذا. فهذا لطالما كتبتُ عنه في الماضي. إنها تمطر، والليل والنافذة والطاولة هي هي، لكني تبدّلتُ ولم أكبر بل تكدّستُ.كثرٌ هم الذين قالوا لي أنه “لا يصح سوي الصحيح”، لكن لكلٍّ صحيحه، والأعوج بالتالي يصبح صحيحاً في نظر صاحبه، وليس لكل صحيح ثوابه ولكل أعوج عقابه. إني أعرف ذلك منذ زمن طويل، ولا ينقص العالم سوي العمق. ولا تأتي الأذية سوي من الضعفاء. أعرف أن الفوضي كبيرة ولا نزال نتساءل.في ذلك اليوم من أيام صيف 1992، مشيتُ علي أرصفة المدن ومشيتُ تحت الشمس الأزلية، وفي الزرقة رأيتُ جسدي انعكاسات لامتناهية لِما هو الجسد. بقيتْ أجزاء منه في الشمس الزرقاء، وأجزاء أخري لا تزال تتناثر في أنحاء السماء، لكني هنا، فأخرج من قعر مرآتي إلي سطحها، إلي زئبقها وأتدحرج نحو الماضي البعيد جداً. أتوقّف فجأة عند عتبة البيت.فيه الرطوبة وفيه العتمة ورائحة حيوات كانت ولم تعد، وفيه النوافـــذ المغلقة وأنسجة العنكبوت في الزوايا وأثاث ينضح بما فيه من أسرارِ أشخاصٍ كانوا هنا، وفيه من أصواتهم وبصماتهم وأنفاسهم وأرواحهم.لا، ليس بيت الحجر القديم، البيت الذي سطحه من القرميد والذي تفيِّئه عريشة، ليس البيت الذي يطلّ علي الجبال والمبلول بسحر الندي صباحاً وبنور القمر مساءً. هذا لطالما كتبت عنه.أكتبُ اليوم عن بيت الماضي الأقدم، عن بيت الذاكرة المزدوجة، حيث كان لا يزال جميعهم عزّاباً، كانوا إخوة وأخوات ووالدة وخدم. كانوا ثلاثة إخوة وأختان والأرملة والدتهم. يضحكون ويمزحون ويلهون إلي أن قرّرت الأقدار لكل واحد مصيره، وأتت إحدي الأختين إلي الجبال قاطعةً المحيطات والأميال لتستقر في الوديان، تاركةً وراءها وإلي الأبد، البيتَ والوجوه والصور والأصوات الحميمة.ولدتُ من كل هذا، ولدتُ من أرصفة المدن ومن جغرافيات مختلفة ومتعدّدة.إني أمام النافذة، لكني لم أعد أري الزوارق الصغيرة تنام علي سطح الماء الهادئ، ولا صيّادي السمك المتناثرين في لوحة خلاّبة بيني وبين الأفق. ما أراه هو تراكم أوقات الأمكنة العديدة، أري البيوت المهجورة والمغلقة، أقف عند عتبتها وأري تلك الشمس ورائي. دارت دورتها الطبيعية وتركت علي كتفَيَّ شعاعاً لا يفتر، وغرست في كفيَّ نوراً لا ينضب، نور هائل كتبتُ به الموت والحياة، نور سكبْتُه كلماتٍ لا تفني، نقشتُها علي حجر البيوت وفي أنحاء السماء بأحرف من ذهب، وعيني لا تزال في حركة حيّة لإلتقاط الصور وتأطيرها في عدسة شغوفة بالمشهد.ما إسم الشيء الذي نفعله، ما إسم الكلمة التي لا نستطيع قولها، وما حجم الصورة التي تلتقطها عيني وهي أكبر مما يستطيعه حجم الورقة؟!شاعرة من لبنان0