الرواية والواقع: دراسة في تحليل الأبعاد والاتجاهات

حجم الخط
0

الرواية والواقع: دراسة في تحليل الأبعاد والاتجاهات

أعمال بلزاك فيها تمثل شمولي لعصر بأكمله أكثر من طبقاته التي لم تكف عن الهرب من وعيها معارك الناصرية مع الرجعية العربية والصهيونية والاستعمار غيرت الخريطة الايديولوجية للساحة العربيةالرواية والواقع: دراسة في تحليل الأبعاد والاتجاهاتد. محمد غرناط لقد اتجهت الفلسفات الحديثة علي تباينها في العصر الحديث نحو الواقع: وضعية، مادية، اشتراكية، وجودية.. هذا القاسم المشترك الذي جمع بين هذه الفلسفات كان له أثره في مجال الأدب. وكان علي الخصوص للفلسفة المادية والوجودية أكبر الأثر في توجيه الأدب نحو الواقع الاجتماعي، فهذان الاتجاهان كلاهما يلزم الكاتب بالاشتراك في المجتمع الحاضر، وكلاهما يهتم بالمضمون وأثره الاجتماعي في الأدب، وكلاهما يجعل من المتعة الفنية في الأدب وسيلة لغايات إنسانية في تحرير الإنسان ، بل إن جميع الفلسفات المذكورة تؤكد علي حقيقة أساسية وهي أن الإبداع الأدبي يرتبط بالحياة الاجتماعية، فالواقعيون كلهم، والوجوديون يقرون الصلة بين الأدب وغايات المجتمع، لا علي أساس الخلق السائد، إذ قد يكون هذا الخلق في بعض مظاهره مواضعات ومزاعم لا أساس لها، بل علي أساس المقاييس الإنسانية، وحرية الإنسان، وحاجات المجتمع في فترة خاصة من تاريخه .. ويؤكد ديمين كرانت علي دور الفلسفة في هذا النطاق في تمييزه بين الواقعية والطبيعية بقوله: تصدر الواقعية عن الفلسفة وتصف غرضا هو بلوغ الحقيقي، وتصدر الطبيعية عن الفلسفة الطبيعـــــية أو العلم وتصـــف طريقة تؤدي إلي بلوغ الحقيقي . وبغض النظر عن رأيه في كون الواقعية مع الواقعيين الأوائل لم تبلغ أهدافها، وقامت الطبيعية بمتابعة إنجازاتها، و تابعت المؤشــــرات في النظرية الواقعية إلي نهايتها وقدمت طريقة علمية لتنفيذ مناهجها فإن الأساسي هو أن الاتجاهين معا ـ كما اتجاهات أخري ـ يرتبطان بفكر فلسفي محدد.ويضاف إلي ما كان للفلسفة من تأثير منذ فلسفة سان سيمون (وأتباعه) ذات النزعة الاجتماعية، فضلا عما حصل في هذا العصر من تطور في المجال العلمي والصناعي، وما عرفته العلاقات الاجتماعية من تحولات، تأثير النقد الأدبي في تكون وبلورة تصور ووعي جديدين بالأدب، ويعتبر الاتجاه الاجتماعي أحد أبرز اتجاهات النقد الأدبي تأثيرا. ويمكن القول إن هذا الاتجاه هو الأب الشرعي للنظرية الواقعية في الأدب، كما أنه بكل ما أسفر عنه من حصاد منهجي وإيديولوجي هو جوهر ما يتبقي منها بعد ذلك . ويتجلي هذا في النظريات التي صاغها مجموعة من النقاد كمدام دي ستال وسانت بوف اللذين يؤكدان علي الصلة القائمة بين الأدب والواقع الاجتماعي، إضافة إلي هيبوليت تين الذي أسس نظريته علي أساس علم الاجتماع، وغير هؤلاء ممن كان لهم أثر في بروز التفكير في ربط الإبداع الأدبي بالواقع الاجتماعي. ولعل هذا ما دفع ر.م ألبيريس إلي القول إن الراوية عرفت تحولا كبيرا خلال القرن التاسع عشر أكد نموها وقوتها، ولذلك غدت وثيقة محولة إلي رواية.ولذلك، وفي ظل هذا التحول فرضت علي أولئك الروائيين الذين سندعوهم الواقعيين دراسة المجتمع وقضاياه وكواليسه، ومظاهره الجديرة بالتصوير. ويعتبر الموقف الذي اتخذه كتاب الرواية الواقعية بالاتجاه نحو الواقع كمادة لأعمالهم رد فعل ضد الحركة الرومانسية التي كانت تستند إلي ما يمكن اعتباره فوق واقع ، أي إلي الخيال، والحلم، والأساطير، والرموز، الشيء الذي يخلق عالما من الأوهام بدعوي أن العصر هو عصر العقل والعلم. وضمن هذا التصور أخذ يتبلور مفهوم الواقعية ويتطور إلي أن أصبح الوصف المفصل لأنماط الحياة المعاصرة عند كل من بلزاك ومورجيه .الواقعية كنظرية أدبية متميزةواستمر هذا التطور عبر الكتابات النقدية والنظرية التي واكبت الإبداع الروائي حتي أخذت الواقعية صفة مذهب أدبي يتميز بخصائص محددة من أبرزها الارتباط بالواقع بمختلف مظاهره. وهذا ما نلمسه في قول جورج لوكاش: المجتمع هو الموضوع الرئيسي للرواية، أي حياة الناس الاجتماعية في تفاعلها الأبدي مع الطبيعة المحيطة بها التي تؤلف أساس النشاط الاجتماعي، وتتوسط العلاقات بين الأفراد في الحياة الاجتماعية بمختلف المؤسسات أو العادات الاجتماعية . وهذا التصور يؤكد عليه لوكاش في كل كتاباته، فموضوع الرواية عنده هو تمثيل واقع اجتماعي معين في وقت معين. مع كل ألوان ذلك الوقت وجوه الخاص . والملاحظ أن معني الواقعية ارتبط في الغالب بالواقع الاجتماعي. تقول يمني العيد: تعني واقعية الأدب انتماءه للواقع الاجتماعي، أو نسبته إليه. . وكما يبدو، تقصد رد الإنتاج الأدبي إلي مجتمعه لنراه في سياق بنية هذا المجتمع وفي نظامه الذي يحكمه. ومن ثم نلاحظ الإلحاح علي هذا العنصر لدي الواقعيين كتابا ونقادا ومنظرين، علي عكس الحركة الرومانسية التي يرون أنها ارتبطت بالحلم والخيال، وهما عنصران مناقضان للواقع. ولهذا تعرضت هذه الحركة لنقد عنيف من قبلهم، وأساسا لكونها تتجاهل الواقع وتلجأ إلي الخيال. يقول إميل زولا: إن أفضل مدح نصف به الروائي في السابق هو أن نقول: إنه يمتلك الخيال. أما اليوم فإن هذا المدح هو بمثابة نقد، وذلك لأن شروط الرواية قد تغيرت. إن الخيال لم يعد تماما الصفة المميزة للروائي . وهكذا يري أن الخيال فقد مكانته، وأنه من مخلفات الماضي كما كان عند ألكسندر دوما، ويوجين سو، وفيكتور هيغو. ويؤكد أن هذا النوع من الخيال لا نجده عند بلزاك وستندال. يؤكد ذلك علي الرغم من اختلافه معهما في الأسلوب والرؤية. فهذان الروائيان، وآخرون أمثال فلوبير وألفونس دوديه والأخوان كونكور انتقلوا بالأدب الروائي من الخيال إلي الملاحظة والتحليل، و بما أن الخيال لم يعد الخاصية الأساسية للروائي. فما الذي عوضها؟ لا بد دائما من خاصية مميزة. هذه الخاصية اليوم هي معني الواقع . ومعني الواقع بالنسبة لزولا هو الاحساس بالطبيعة والتعامل معها كما هي. هذه رؤيته الخاصة للواقع، وليس ما يهم الآن هو رؤية كل كاتب إلي الواقع، ولكن ما يهم هو التأكيد علي جوهر هذه المسألة، وهو أن الواقع (الاجتماعي) شكل أحد أبرز المبادئ التي نهض عليها المذهب الواقعي. ولذلك اتجه الروائيون (الواقعيون) إلي معالجة قضاياه وتصوير مظاهره. ويعتبر أرنولد هاوزر أن الرواية الروسية، مقارنة مع الرواية الغربية خلال القرن التاسع عشر اهتمت بصورة أعمق بالواقع، ذلك لأن المشكلات الاجتماعية تحتل فيها مكانا أكبر، وموقعا أهم بكثير، فضلا عن أنها ظلت محتفظة بمركز الصدارة مدة أطول ودون منافس ، إلي حد يزيد عما كان حادثا في الأدب الغربي . ويذكر لوكاش أن طرح هذه المسألة في روسيا بدأ مع حركة النقد الأدبي الديمقراطي، وهو النقد الذي يصنف عادة تحت اسم النقد الجماهيري ، علي يد نقادها المرموقين : بلنسكي، تشرنشفسكي، دبرولوبوف، الذين دافعوا عن العلاقة بين الأدب والواقع الاجتماعي، معتبرين أن الأدب ينبثق من الحياة ويعبر عنها، فإذا ما صورت بعمق، وعبر عنها بإخلاص من خلال الأدب، فهي أكثر الوسائل فاعلية في إلقاء الضوء علي مشكلات الحياة الاجتماعية، فضلا عن أنها سلاح ممتاز في عملية الإعداد الإيديولوجي للثورة الديمقراطية التي كانوا يأملون فيها ويتوقون إليها . وبذلك أسس النقاد المذكورون الأسس النظرية للواقعية الحديثة في الأدب الروسي، بناء علي فكرة أن كل عمل فني هو تصوير وإنتاج للحياة الاجتماعية بما فيها من صراع وتناقضات. وتقوم المنهجية التي اتبعوها علي اعتبار كل عمل من أعمال الفن انعكاسا للحياة الاجتماعية، ولذلك فإن جوهر المنهج النقدي عند بلنسكي وتشرنشفسكي ودبرو لوبوف هو الربط بين الحياة والأدب، بين الأصل والصورة التي تنعكس عنه . غير أن هذا التصور، المبني علي فلسفة مادية، والذي يقول بانعكاس الواقع الموضوعي بشكل ميكانيكي عرف تطورا مع ظهور الفلسفة الماركسية التي نقلته إلي مجال الديالكتيك الذي وضع مفهوم الأدب وعلاقته بالمجتمع في إطار تعمقت فيه الأسس النظرية والتاريخية لهذه العلاقة، أي علاقة الأدب، ومن ثم الرواية بالواقع، التي تبقي المبدأ الأساسي في هذا النطاق، مهما اختلفت التصورات والرؤي، الذي يقوم عليه المذهب الواقعي. وفي نفس السياق نشير الي أن هناك مجموعة عناصر أخري ترتبط بهذا المبدأ، إن لم نقل أنها تشكل بحد ذاتها مبادئ دعا المذهب الواقعي إلي الالتزام بها..التصوير الموضوعيمن هذه المبادئ، دعوة الواقعيين إلي تصوير الواقع بطريقة موضوعية، ويتحدد ذلك بشكل عام في ضرورة قيام الروائي بوصف وتحليل الواقع الاجتماعي بصورة يتم فيها إبعاد الذات التي شكلت إحدي دعائم الحركة الرومانسية. وبتعبير آخر، فإن تمثيل الواقع يقتضي رؤية موضوعية تتعامل مع الواقع بطريقة تقوم علي التصوير الموضوعي الذي لا تتدخل فيه ذات الكاتب، أو شخصيته حتي يكون الأدب أدب حقيقة . فإذا كانت الواقعية لا تختلف عن الرومانسية من حيث كونهما معا حركة احتجاج، الأولي ضد الكلاسيكية وطبقة النبلاء، وضد القواعد والأنماط، وضد الأشكال الأرستقراطية ، والثانية حركة احتجاج ضد المجتمع الرأسمالي، فإنهما من هذه الناحية ليستا ضدين، ولا تنفي إحداهما الأخري، ولذلك فالرومانطيقية هي بالأحري مرحلة أولي من الواقعية النقدية، ولم يتغير هذا الوضع بشكل أساسي، وإنما تغير المنهج وأصبح أكثر برودة وأكثر موضوعية، وأبعد نظرا . إن إشارة فيشر هذه إلي الموضوعية وبعد النظر تكتسي أهمية قصوي ، ذلك أن الحركة الرومانسية في محاولتها التمرد علي النموذج الكلاسيكي، والتحرر من قيوده، وإعادة الاعتبار للفرد ومكانته الاجتماعية .. أعطت في تمثيلها لهذه القيم (وغيرها) مكانة هامة للخيال (كما نظر إليه الواقعيون)، وخضعت في تعبيرها للانفعالات التلقائية الرامية إلي التحرر من القواعد ومن كل ما يقيد الخيال. ولهذا جاء رد فعل الواقعيين لإعادة الاعتبار إلي الواقع الملموس وتمثيله بطريقة موضوعية. وهكذا نجد بلزاك في تأكيده علي ضرورة الاهتمام بـ التفاصيل أثناء تصوير الواقع، يقول إن هذه التفاصيل تؤخذ من الحقيقة المعاصرة أو من العالم الخارجي بكل مظاهره. وينحصر عمل الروائي في إعدادها وتنظيمها أدبيا بطريقة موضوعية بعيدا عن مثاليات النوع الخيالي الرومانسي. ويؤكد فيليب فان تيغيم أن غاية الرواية كما يراها بلزاك: هي قريبة من غاية التاريخ كما يراها فولتير، وكما حققها ميشيليه. إن بلزاك يود أن يصنع تاريخ العادات في عصره. . وفي نفس المجال يري فلوبير أن بلوغ الكمال الفني لن يتحقق إلا إذا أبعد الروائي أفكاره إلي اعتبارات أخري في ما يختص بالمسائل المتنوعة التي يمكن أن تستهويه، وعليه أن يبعد أيضا انفعالات قلبه، وتأثيراته الشخصية، إن الروائي يصنع عملا لا شخصيا بالنسبة لهذه النقطة ويبقي عديم الإحساس أمام موضوع وصفه . إن إبعاد الانفعالات والأحاسيس الذاتية هو العامل الذي تتحقق معه الموضوعية، وهذا ما يجعل من الروائي في نظر فلوبير فنانا حقيقيا. والفن بالنسبة إليه ـ كما يري ف. تيغيم ـ قريب من العلم من حيث الشروط التي يجب أن تتوفر فيه، من قبيل عدم الإحساس، ودقة الملاحظة، والوفاء للحقيقة، والتجرد في وصف الحقائق علي شاكلة العالم.الواقعية الطبيعيةونجد عند زولا تجسيدا أوضح لهذا المبدأ ضمن ما يسمي بالواقعية الطبيعية التي يعتبر رائدا ومنظرا أساسيا لها. وقد تأثر في منهجه تأثرا واسعا بالروح العلمية التي طبعت عصره، والتي يري أنها يجب أن تسود في مجال الأدب عامة والأدب الروائي بشكل خاص. وقد كان بالأساس لكتاب كلود برنار مدخل لدراسة الطب التجريبي أثر بالغ في صياغة آرائه وأفكاره. فانطلاقا من المبادئ التي وضعها كلود برنار أسس زولا نظريته، وتتلخص في اعتقاده بأن الطريقة التجريبية القائمة علي الملاحظة والتجربة، التي تطبق علي الأجسام الخام يصح تطبيقها علي الحياة العاطفية والفكرية للإنسان، التي تخضع بدورها للحتمية التي تخضع لها الظواهر الطبيعية. يقول : عندما نثبت أن جسم الإنسان عبارة عن آلة، يمكننا يوما أن نقوم بتفكيك هياكلها وتركيبها وفق إرادة المجرب، يجب الانتقال إلي الأفعال العاطفية والفكرية للإنسان . ويتم ذلك عن طريق المنهج المبني علي الملاحظة والتجربة. ولهذا، يري أن الروائيين الطبيعيين يجب ألا ينشغلوا بالتساؤل المثالي لماذا ، ولكن بالبحث عن كيف تحدث الظواهر. فالإنسان موضوع الرواية هو الإنسان الفيزيولوجي وليس الإنسان الميتافيزيقي، ذلك أن الإنسان الميتافيزيقي انتهي، ومجال عملنا تحول إلي الإنسان الفزيولوجي . وبهذا يكون المنهج التجريبي في الآداب كما في العلوم منهجا يتوخي إبراز الظواهر الطبيعية، والفردية، والاجتماعية التي لم تقدم الميتافيزيقا بشأنها سوي تفسيرات لا عقلانية . وهكذا يبدو من وجهة النظر هذه أن عمل الروائي يصبح معادلا لعمل العالم، أو بالتحديد لعمل الطبيب. وهذا من أشد المآخذ التي استغلها معارضو زولا حتي من الكتاب الرومانسيين، فزولا كما يقول ف. تيغيم كان يعتقد أن فتوحات العلم هي حقائق نهائية، وهذا بدون شك خطأه الكبير . ويري ج لوكاش هذا الموضوع من جانب آخر، ويتلخص رأيه في كون المدرسة الطبيعية عموما لا تصل في تصويرها للواقع إلي معالجة قضاياه الأساسية العميقة، بل تقف عند السطح وما يقع تحت البصر مباشرة دون أن تقوم بالنظر إلي الواقع الاجتماعي في كليته والربط بين عناصره. ولذلك فإن براعة الكاتب بالنسبة إليه لا تتأتي إلا عن طريق شيء واحد هو تصوير بيئة معينة بكل الظواهر التي تتعلق بها تصويرا كاملا. . ومهما اختلفت الرؤي وزوايا النظر إلي هذا الموضوع، فإن العنصر الأساسي المشترك الذي يجمع بين اتجاهات الواقعية هو التأكيد علي العلاقة الترابطية بين الأدب عامة، والرواية بصورة خاصة، والواقع الاجتماعي الذي اتخذه الكتاب الواقعيون مادة لأعمالهم، ودعوا إلي التزام الموضوعية في تصويره، وهي كما قلنا أحد المبادئ الهامة التي تأسست عليها الواقعية بمختلف أشكالها.وهناك قضية أخري ترتبط بتصوير الواقع، وهي قضية الأسلوب، التي كما يبدو لها ارتباط بمسائل الشكل. والملاحظ أن الشكل حظي بدوره باهتمام خاص من قبل الواقعيين إلي جانب المضمون. فبلزاك مثلا ـ كما يؤكد الباحثون ـ انتبه مبكرا إلي قيمة العلاقة القائمة بين الشكل والمضمون، وذلك بتأثير من الروائي ولترسكوت، هذا الكاتب الذي يقول عنه ميشال ريمون إنه إلي حدود سنة 1830 لم يحقق أي كاتب في فرنسا التفوق (الانتصار) الذي حققه… فروايته التاريخية ظهرت بسرعة كرواية أعادت تجديد الجنس الروائي بصورة كاملة .(26) ويقول إن بلزاك اكتسب صنعة الرواية من أعمال ولترسكوت. ولا يعتبر الوحيد الذي استلهمه، بل إن جيلا بكامله اتجه نحو الرواية التاريخية. فقد فرض سكوت نفسه كنموذج يقتدي به . ويري بيير ماشيري أن بلزاك تأثر في هذا النطاق ببوفون إلي جانب تأثره بولترسكوت، وشكل هذان الكاتبان مرجعيتين مختلفتين تكاملتا في ربط الشكل بالمضمون عند بلزاك، المرجعية الأولي (التاريخ الطبيعيٍٍٍ) قدمت للكاتب موضوعه (تمثيل النماذج البشرية) والمرجعية الثانية (الرواية التاريخية) قدمت الوسائل لإنجازها، وهكذا تم خلق التوازن بين الشكل والمضمون، وفي نفس الوقت تأكد مبدئيا الجمع بين الأدب (الرواية) والواقع. .ومن المسائل المرتبطة بالشكل عند بلزاك إيمانه بفكرة أن علي الكاتب أن يكتب بأسلوب يكون مفهوما من الناس الأقل ثقافة واطلاعا. ولذلك ـ كما لاحظ ف. تيغيم ـ فإن بلزاك أدرك بعمق ما يوحد ذاتية العقل المجرد والأسلوب المعقول، الجيد والوسطي والشامل. وفي هذا السياق يقول بلزاك: يتوجب علي الناثر أن يرذل الزخرف الذي من شأنه أن يضفي علي أسلوبه صفة النثر الشعري، والذي من شأنه أن يسيء إلي الوضوح، في شيء من اللذة، بعيدا كل البعد عن الفكرة . ولتحقيق هذا الغرض يجب أولا التخلي عن جميع الألفاظ التي لا يقرها الاستعمال، من عبارات قديمة، وعبارات مستحدثة، وعبارات محلية … كذلك ينبغي التقيد بقواعد اللغة بدقة، عندما تكون هذه القواعد راسخة، وإن لم تكن كذلك، فما علينا إلا أن نخلقها معتمدين علي التناغم والتشابه. كما لا يجوز استعمال الكلمات إلا في معناها الحقيقي والدقيق . ومما تقدم يظهر أن النظام والوضوح من الصفات الأساسية التي أكد عليها بلزاك. ويري مع ذلك أن الوضوح وحده ليس كافيا، فلا بد من أن نضيف إليه بعض الزخرف ولكن بدون إسراف، إذ لا بد من المحافظة علي اللياقة الأدبية و إيقاع الجملة .. إلي غير ذلك من العناصر التي تعطي للأسلوب شاعرية خاصة دون أن تبعده عما يجب أن يتصف به من البساطة والوضوح.ويري الدارسون أن فلوبير كان اهتمامه بالشكل كبيرا، وخاصة أسلوب الكتابة. فقد قال عنه جان بيير ريشارد أن كل ما لديه يتكامل، وهذا من أبرز مظاهر عبقريته، حيث التماسك التام الذي يجمع فيه دائما بين التجربة الداخلية والتجربة الملموسة والأسلوب البلاغي . وبخصوص قضية الأسلوب يؤكد رولان بارت أن اللغة الكلاسيكية، لغة الزخرف والحذلقة كانت أداة اجتماعية استعملها الكتاب دون أن يجددوا فيها. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر أخذت منحي جديدا مع تجديد الكتابة حيث صارت حسب تعبيره كتابة حرفية. ويقول : إن فلوبير هو الذي أسس هذه الكتابة الحرفية بأكبر قدر من النظام . آنذاك، اكتسب الأسلوب قيمة أساسية بالنسبة للشكل، فأسس فلوبير كتابة قائمة علي قواعد تقنية لكلام يثير العواطف، وبالعناصر التي أدخلها في هذا المجال، شيد إيقاعا مكتوبا يخلق نوعا من السحر يستطيع بعيدا عن معيارية اللغة الفصيحة أن يمس حاسة سادسة أدبية بداخل منتجي الأدب ومستهلكيه . ويري فلوبير بهذا الشأن أن في فن النثر صعوبات تواجه الناثر أكبر من الصعوبات التي تواجه الشاعر الذي يتوفر علي مجموعة من القواعد التي تسنده في عمله، بينما في النثر يلزم إحساس عميق بالإيقاع، الإيقاع التائه بدون قواعد، بدون يقين، وتلزم صفات فطرية، وقوة في التفكير وحس فني أكثر دقة وأكثر رهافة، لتغيير الحركة في كل لحظة، وتغيير اللون، ولهجة الأسلوب بحسب ما يراد قوله . ويري إلي جانب ذلك أن الأسلوب النثري يمتلك القدرات التي يمتلكها الشعر في التعبير. يقول ج. هولبرن إن فلوبير كان يشعر أن النثر يمتلك القدرة في أن يكون موسيقيا ومتناغما شأن الشعر برغم موضوعيته اللازمة . وعلي العموم فإن قضية الأسلوب رغم أهميتها البالغة ليست إلا قضية من قضايا أخري مرتبطة بالشكل. فهناك مسائل أخري تتعلق بمكونات الشكل الروائي تناولها النقاد والمنظرون من خلال أعمال الروائيين الواقعيين علي اختلاف اتجاهاتهم سنعود إليها لاحقا. وننظر الآن في مبدأ آخر لا يقل أهمية عن المبادئ الأخري للواقعية وهو مبدأ، أو قضية تدخل في إطار وظيفة الأدب وتتعلق بوظيفة تصوير الواقع. إن كتاب الرواية الواقعية يهدفون من خلال تناولهم للواقع إلي تحقيق غايات محددة، فكتاب الواقعية النقدية يسعون إلي تحقيق غايات اجتماعية من خلال تحليل طبيعة المجتمع ونقدها وإبراز مكامن الخلل فيها، علما بأن الواقعية كانت من هذه الناحية رد فعل لما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية من تدهور في ظل النظام الرأسمالي. ومن أبرز النقاد الذين تتبعوا هذا الموضوع جورج لوكاش الذي بين دور الواقعيين في هذا النطاق في كتابات عديدة. فبلزاك علي وجه الخصوص هو في نظره كاتب ينطلق في تصويره للمجتمع من رؤية اجتماعية قائمة علي فهم الصراع الدائر في مجتمعه، وهو يدرك الأهواء ويكشف عنها بمنهج نقدي في سياق العلاقة القائمة بينها وبين الطبيعة الاجتماعية. يقول : لم يتقن بلزاك وصف الأهواء البشرية وتحليلها سيكولوجيا فحسب، بل عرف كيف يقبض عليها في ماهيتها، بل في علاقاتها مع مجمل الحياة الاجتماعية في تفاعلها وتداخلها . وبناء علي ذلك يري أن أعمال بلزاك يتجسد فيها تمثل شمولي لعصر بأكمله أكثر مما فعلت طبقته الخاصة التي لم تكف عن الهرب من وعيها لنفسها . ونفهم من هذا أن بلزاك يمتلك رؤية مكنته من تحقيق غاية تتمثل في الكشف عن طبيعة المجتمع والصراع القائم فيه. وعلي الرغم من التأكيد علي أن الروائي هو فنان في المقام الأول، وأن عليه أن يبعد ذاته من عمله، فإن العنصر الأخلاقي مع ذلك له حضور ملموس. فإذا كان فلوبير ينتقد أي عمل فني يمجد قضية سياسية، أو اجتماعية، أو أدبية، فإن هذا لا يعني أن العمل الروائي ليس له غاية يتوخي تحقيقها، إذ إن الكاتب إذا بلغ الكمال الفني بلغ بهذا نفسه الجمال الأخلاقي، وكان هذا نافعا وفعالا.. .وفي تعليقه علي أفكار إميل زولا، يقول ف. تيغيم : إنه يؤمن بالتقدم الاجتماعي ويريد أن يعد له السبل. إن له غاية أخلاقية باهظة وصارمة . وهذا ما نلمسه عند زولا عندما يقارن بين منهج الروائي (كما يتصوره) ومنهج العلوم الفزيولوجية والطبية، إذ يري أن هذه الأخيرة تهدف إلي التحكم في الظواهر التي تدرسها، وهذا الهدف هو نفسه الذي يسعي إليه الروائيون التجريبيون، يقول : إننا نريد نحن كذلك أن نتحكم في الظواهر الفكرية والشخصية كي نستطيع توجيهها… وعندما نمتلك قوانينها لا يبقي سوي أن نؤثر علي الأفراد والبيئات إذا أردنا أن نصل إلي تحقيق حالة اجتماعية أفضل . فهذا العمل، من زاوية النظر هذه، يساعد العلوم الأخري ، سياسية واقتصادية.. من أجل تنظيم الحياة، وتنظيم المجتمع وحل مشاكله. وقد ذهب أ. هاوزر إلي القول إن زولا كما يدعي هو من أنصار الحتمية، ولكنه ليس قدريا، أي أنه مدرك تماما لاعتماد الناس الظروف المادية لحياتهم في كل سلوك لهم. ولكنه لا يؤمن بأن هذه الظروف غير قابلة للتغيير. وهو يقبل نظرية البيئة عند تين بلا تحفظ، بل إنه يمضي أبعد منه في هذا الصدد، ولكنه يري أن المهمة الحقيقية والهدف الذي يتعين علي العلوم الاجتماعية بلوغه هو تغيير الظروف الخارجية للحياة البشرية وتحسينها .الواقعية الاشتراكيةونجد عند الكتاب والنقاد الذين ينتمون إلي تيار الواقعية الاشتراكية وضوحا أكبر في التعبير عن غاياتهم من خلال تحديدهم لمفهوم الأدب ووظيفته. لقد ارتكزت الواقعية الاشتراكية إلي المفاهيم المادية التي أسستها الفلسفة الماركسية، ومن أبرز هذه المفاهيم مفهوم الالتزام الذي يحدد وظيفة الأدب في الالتزام بقضايا المجتمع ومشاكله، وتبني وجهة النظر التاريخية للطبقة العاملة. فإذا كانت الواقعية النقدية تتضمن نقدا للواقع الاجتماعي، فإن الواقعية الاشتراكية، وتحديدا الأدب والفن الاشتراكيين يتضمنان موافقة الفنان والكاتب الأساسية علي أهداف الطبقة العاملة والعالم الاشتراكي.. وهذه النزعة تفصل الواقعية الغربية ذات الأساس البورجوازي عن الواقعية الاشتراكية ذات الأساس الشعبي العمالي النضالي، كما تعكس وجها من وجوه الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية. ولا يقف هذا التصور عند حدود الارتباط بواقع الطبقة العاملة، بل يتجاوزه إلي تصوير المستقبل الذي يقتضيه بناء الاشتراكية مما أعطي للكتابات التي تندرج في هذا الإطار ـ وهي عديدة ـ طابع الأمل والتفاؤل في التنبؤ بالمستقبل الذي تحول إلي مكون من مكونات الإبداع في الواقعية الاشتراكية. وعلي هذا الأساس، وكما يظهر من خلال ما عرضنا، أن الواقعية بوصفها مذهبا أدبيا، وإن دعت إلي الموضوعية في تصوير الواقع الاجتماعي، وإلي إبعاد ذات الكاتب وشخصيته، فإنها مع ذلك، وفي كل الاتجاهات التي عرفتها، خاصة البارزة منها، تهدف إلي تحقيق غاية معينة : أخلاقية، أو اجتماعية، أو سياسية وما إلي ذلك من الغايات التي تحصر وظيفة تصوير الواقع في أهداف محددة.هذه المبادئ والأسس العامة (وأخري) المكونة للواقعية أخذت تنتشر وتتبلور في المغرب، وتمارس تأثيرها الملحوظ منذ أوائل الستينيات من خلال ظهور مفاهيم وتصورات جديدة حول الأدب، بدأ ذلك سنوات قليلة بعد الاستقلال، وتحديدا منذ سنة 1959، التاريخ الذي عرف انشقاق الحركة الوطنية الذي ترتبت عنه نتائج كان لها انعكاسات علي مختلف ميادين الحياة، بحيث برزت بشكل واضح الصراعات والتناقضات التي كانت ـ كما يقول م.ع. الجابري ـ داخل الحركة الوطنية قبل الاستقلال، ولكن لم يكن لها أثر علي النشاط العام لهذه الحركة، غير أنها أخذت تبرز مع بداية الخمسينيات لتستفحل و لتنفجر بعد إعلان الاستقلال بثلاث سنوات فقط هذه الفترة، ستشهد بداية الصراع الفعلي بين الأحزاب المنبثقة من الحركة الوطنية، ومن الصراعات التي تعنينا الصراعات الفكرية والإيديولوجية التي قادتها الطبقات الاجتماعية المنبثقة عن هذه الوضعية: البورجوازية (الكبري) التي سيطرت علي الحياة السياسية والاقتصادية، والبورجوازية الصغيرة التي تابعت نضالها من أجل تصحيح الأوضاع ونشر ثقافة جديدة قائمة علي مبادئ التحرر والديمقراطية وبناء مجتمع حديث. وستعرف الطبقة البورجوازية الصغري نموا مطردا قادها مع أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات إلي الظهور في تنظيمات يسارية، تبنت أطروحات الفكر الماركسي وقضايا الطبقة العاملة، فقامت بدور أساسي في بلورة تصورات جديدة في المجال الثقافي، والأدبي بصورة خاصة، فضلا عن الأطروحات السياسية التي كانت تدافع عنها من أجل بناء مجتمع ديمقراطي عادل، معارضة بذلك أشكال الاستغلال والهيمنة في ظل نظام سياسي وصفه عبد الله العروي بأنه عودة إلي نظام ما قبل الحماية، يقول : ليس أسلوب الحكم الحالي انبثاقا من نظام استعماري سابق، ولكنه استمرار لنظام الحماية. وعليه فإن نظام الحماية كان قد قرأ القرن التاسع عشر المغربي واستخلص منه سياسة التزام بالإبقاء علي مطابقتها مع الواقع . وفي هذا السياق قام عدد من النقاد بدور هام علي المستوي الأدبي في صياغة مشاريع نظرية ترتبط بـ المنهج الواقعي ، نذكر منهم علي الخصوص محمد برادة، إبراهيم الخطيب، إدريس الناقوري، نجيب العوفي.. وآخرون. وقد شكل هذا المنهج (أو المذهب الأدبي)، خاصة في صيغته الماركسية الدعامة المركزية في هذا التوجه الذي تحتل فيه قضية ربط الأدب بالواقع مكانة محورية، وقد كان للبورجوازية الصغيرة دور أساسي في هذه الانجازات التي تدعو إلي خلق أدب مسؤول وملتزم بإبراز طبيعة المجتمع ونقدها في أفق تغييرها وتجديدها. وعن هذا النقد الذي مارسته هذه الطبقة (العربية بصورة عامة) يقول ع. العروي إنه وقد أصبح أكثر وعيا وأشد لدغا وتأثيرا بعد الحرب العالمية الثانية هو الذي سيشجع الحركة الواقعية ويتيح لها شيئا فشيئا أن تصبح هي الأكثر وزنا وتفوقا وفي نفس الإطار يؤكد محمود أمين العالم علي أن أواخر الثلاثينات والأربعينات كانت مرحلة من أخصب المراحل في تاريخ الفكر الأدبي في مصر والشرق العربي عامة وكانت تمهيدا للازدهار الثقافي عامة في الخمسينات والستينات . ويقصد هنا انتشار الواقعية التي ـ كما يقول ـ أخذت تبرز مع بداية احتدام الصراع الوطني الاجتماعي، ولهذا فإن تاريخ التيار الواقعي ونضج مفاهيمه وتنوع اتجاهاته مرتبط بتاريخ هذا الصراع الوطني الاجتماعي ومدي نضجه علي مستوي الوطن العربي .الناصرية والتحولات الفكريةوتجدر الإشارة هنا إلي أن تجربة المشرق العربي، وخاصة مصر، كان لها تأثير واضح في هذا النطاق، وبالخصوص في ما بعد الخمسينيات (فترة الازدهار الثقافي)، إذ ـ كما يري م.ع. الجابري ـ أنه لا أحد يستطيع أن ينكر ما أحدثته التجربة الناصرية من تحولات في الساحة السياسية والفكرية، فالمعارك التي خاضتها الثورة المصرية مع الرجعية المحلية والعربية ومع الاستعمار والصهيونية والامبريالية، وتفتحها المتزايد علي الفكر التقدمي العالمي، جعل الخريطة الإيديولوجية في الساحة العربية تتغير تغيرا أساسيا وعميقا. ، وقد كان لذلك أثره في انتشار أفكار التحرير والاشتراكية والوحدة في العالم العربي. ساهم في ذلك ـ كما يوضح م.ع. الجابري ـ التطور العام الذي حصل في الفكر الاشتراكي العالمي ابتداء من الخمسينيات، حيث أصبحت الاشتراكية في منظور أقطار العالم الثالث هي السبيل الوحيد الذي يؤدي إلي بناء المجتمع علي أسس عادلة باستقلاله السياسي والاقتصادي والثقافي. وقد جاء ذلك نتيجة الوعي بأن الطريق الرأسمالي لن يؤدي إلا إلي تركيز التبعية للمعسكر الامبريالي، ومن ثمة تكريس التخلف وتعميقه، الشيء الذي يجعل الطريق الاشتراكي للخروج من التخلف، هو الطريق الوحيد الممكن، الطريق الحتمي الذي تفرضه معطيات العصر . وقد كان لهذا كله دور هام في تبلور الواقعية، وخاصة الواقعية ذات المنحي الاشتراكي في النقد والأدب العربيين بصفة عامة.ولا بد من التذكير في هذا الصدد بأن بوادر هذا التيار بدأت بالمشرق منذ أوائل العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، كما يظهر في كتابات طه حسين وسلامة موسي ومحمود تيمور ويحيي حقي وغيرهم. ويعتبر حنا عبود أن الواقعية في المجال السياسي التي انطلقت بعد الحرب العالمية الأولي هي التي هيأت شروط ظهور المدرسة الواقعية في النقد والأدب، وظهور نزعة لدي فئة من الطبقة الوسطي دعت إلي ربط الأدب والنقد بالواقع الاجتماعي، وهكذا عرفت فترة الثلاثينات قيام مدرسة واقعية في النقد والأدب واضحة المعالم وإن لم تكن متكاملة النضج. وقد غدا لهذه المدرسة أعلامها وكتابها برز منهم في فترة الثلاثينات رئيف خوري وهو من أغزرهم إنتاجا وأعمقهم بحثا في شؤون الأدب والنقد. والواقع أنه إذا كان من غير الممكن الحديث عن مدرسة واقعية محددة ومتكاملة، فإن المؤكد أن الواقعية بمفهومها العام الذي يربط الأدب بالواقع شهدت تطورات هامة خلال الأربعينيات مع ظهور الدراسات السياسية والإيديولوجية التي قامت بدور أساسي في توسيع وتعميق الإطار الفكري لها. غير أن التحول الحاسم في تاريخ الواقعية بالمشرق العربي كان في فترة الخمسينيات، وهذا ما يؤكده حنا عبود بقوله : إن إنتاج الخمسينيات الأدبي والنقدي كان في أغلبه نتاجا واقعيا. فقد شغلت هذه الواقعية المجلات والصحف وكتب النقد. إن هذا العقد هو الفترة الذهبية للإنتاج الواقعي الاشتراكي . ومن أعلام هذه الفترة لويس عوض، محمود أمين العالم، عبد العظيم أنيس، حسين مروة .. وتدور أطروحات هؤلاء حول تحديد الواقعية من خلال علاقة الكاتب بالواقع الاجتماعي في ضوء الفلسفة الماركسية. يقول مثلا حسين مروة إن عصرنا الحاضر هو عصر الواقعية الجديدة، أي العصر الذي يتطلب من مثل مجتمعنا العربي وهو ما يزال يخوض معركة التحرر الوطني والاجتماعي، أن يري الأدب أو الفن أو العلم، لا من حيث كونه نشاطا فرديا محضا، بل من حيث هو نشاط اجتماعي إنساني ينبع من الفرد بوصفه كائنا اجتماعيا يمارس الحياة الاجتماعية، وينفعل بأحداثها ويتأثر وجدانه بحقائقها الموضوعية ويؤثر هو بدوره فيها علي قدر وعيه لقوانين تطورها وعلي قدر فهمه لضروراتها الاجتماعية . وبناء علي هذا التصور يحدد عملية الخلق الأدبي في أنها عملية اتصال وجداني واع بين ذات الكاتب والواقع الاجتماعي . وبذلك يكتسب الواقع من خلال عملية الخلق صورته الفنية التي تمارس تأثيرها الجمالي والاجتماعي علي الناس. وقد شغلت ـ كما أشرنا إلي ذلك ـ هذه الاهتمامات نقاد المغرب الذين ألحوا علي مسألة ربط الأدب بالواقع الاجتماعي. وإذا كنا نلاحظ بعض الاختلافات في المصطلحات أو المرجعيات الفكرية والنظرية في بعض القضايا، فإن الأطروحة الأساسية التي توحدهم هي علاقة الأدب بالواقع، وشروطه التاريخية والسياسية والاجتماعية، وهذا ـ كما يري إ. الناقوري ـ هو ما يحقق الواقعية في الأدب والنقد، أي الواقعية بمفهومها العلمي الذي يربط الحقيقة بالواقع ويفهمها علي أساس أنها دائما ذات صلة حميمة بحركته . وفي دفاعه عن هذا المنهج (الاجتماعي، العلمي، الجدلي) ودعوته إلي ربط الانتاج الفكري والأدبي بالواقع الاجتماعي يقول: ودافعت عن هذا الاتجاه علي اعتقاد مني بأنه أقرب إلي الروح العلمية أو المبدأ العلمي الذي يربط كل إنتاج فكري أو أدبي بواقعه الاجتماعي، وخاصة بالقوي الاجتماعية التي تعتبر المهاد الحقيقي لكل أدب ، هذا الدفاع عن وظيفة الأدب الهادفة إلي التغيير والتجديد، يمكن فهمها علي أنها رد فعل ضد الأطروحة النقدية التي تسعي إلي تكريس المفاهيم التقليدية المرتبطة بمظاهر الهيمنة والاستغلال. وللإشارة فإن هذه القضية وردت في شكل إشارات موجزة ضمن خطابات النقاد المغاربة التي هيمن فيها الهاجس النقدي، أي الحديث عن المنهج الذي بدا ملائما بالنسبة لهذه الفترة، وهي الفترة التي أخذت الرواية تحتل فيها حيزا مهما في الحركة الأدبية، وكان لها الفضل في امتصاص وبلورة بعض من اهتماماتنا التاريخية، وتجلية مجموعة من مشاكلنا الاجتماعية والثقافية الراهنة، أي أنها حاولت أن تعبر عن إشكالية الواقع المغربي منذ الاستقلال .غير أن هذه الإشكالية لم تستثمر كموضوع متعدد الأبعاد والعناصر لبناء تصور نظري متكامل، ولهذا وردت الأفكار المرتبطة بها متناثرة في ثنايا الخطابات النظرية، إلا أنه علي مستوي الممارسة النقدية يتجلي هذا التوجه بوضوح، ويكشف عن تصور عملي لربط الأدب بالواقع الاجتماعي. فنجيب العوفي مثلا، وهو يحدد الهدف من دراساته في كتابه درجة الوعي في الكتابة يبين أنه يسعي إلي أن يكشف مدي القدرة علي فهم واستيعاب إشكالية التاريخ وإشكالية الكتابة معا، مدي السيطرة الفكرية علي الإشكالية الأولي ومدي السيطرة الإجرائية علي الإشكالية الثانية، احتكاما إلي قوانين التاريخ ذاته وإلي قوانين الكتابة ذاتها وانطلاقا من تاريخية التاريخ وتاريخية الكتابة في آن . وتظل مع ذلك إشكالية المنهج هي التي تحتل مكان الصدارة، حيث يؤكد أن المنهج المتبع في هذا الكتاب هو المنهج الواقعي الجدلي. هذا المنهج الذي أثبت وما يفتأ يثبت، عبر أهم وألمع الممارسات التي تجلي عبرها قدرته الفائقة علي احتواء النص والواقع. . وينبه العوفي إلي أنه لا يستخدم هذا المنهج استخداما ارثوذوكسيا صارما بل يستعين بمنجزات مناهج أخري دون المساس بالجوهر العلمي للمنهج الواقعي الجدلي. وتبقي في جميع الأحوال المسألة الأساسية التي أشرنا إليها قائمة، وهي التركيز في الحديث النظري علي إشكالية المنهج ولا تتجاوزها إلا قليلا إلي إشكالية الكتابة، ما عدا ما يتبدي من خلال دراسة وتحليل النصوص (الروائية والقصصية) حيث تبحث وفق المنهج المتبع من زاوية علاقتها بالواقع التاريخي والاجتماعي الذي ترتبط به. والحال أن المذهب الواقعي الذي يمثله كتاب الرواية في هذه الفترة كانت له آثار مختلفة علي البناء الفني في إطار عملية استلهام هذا النموذج (الواقعي) وتوظيف آلياته في تصوير الواقع الاجتماعي، وهذا الموضوع يقتضي دراسة يتركز فيها الاهتمام علي الأثر الفني في إنتاج نص يملك وعيا محددا بمكونات الخطاب الروائي.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية