فلسطين: هل المقدسات اهم من الارض؟
د. عبد الكريم الغرايبةفلسطين: هل المقدسات اهم من الارض؟ لاول مرة وللمرة الوحيدة في التاريخ كله يقرر المجتمع الدولي ممثلا بالمؤتمرات الدولية وعصبة الامم ومنظمة الامم المتحدة وهيآتها المختلفة منح ارض لشعب لا وجود له علي حساب شعب آخر مقيم علي تلك الارض لآلاف السنين. وبدأت عملية تجميع جديد رافقتها اجراءات لتشتيت الشعب المقيم. وكانت اكثر دول العالم تمسكا بالفكرة العجيبة هي تلك الدول الارقي حضارة والأكثر ديمقراطية والاشد دعوة لحماية حقوق الانسان والطفل والمرأة. وترددت بعض الدول المتأخرة في سلم الحضارة والديمقراطية ولم تتقبل هذا الاتجاه. ثم عادت هذه الدول وسارت مع الركب لتثبت للرأي العام العالمي انها متحضرة وانسانية وديمقراطية وداعية للحرية. فلماذا يحدث هذا في عصر الاعلام القوي الذي حول العالم الي بلد او قرية واحدة؟وليس اضطهاد شعب وابادته وتشريد ابنائه امرا عجيبا او غريبا او نادرا في التاريخ. ولو جاء فلسطين جيش فاتح وشتت اهلها واحتلها وأباد وقتل وهجر لما كان ذلك امرا غريبا واعتبرناه امرا عاديا في التاريخ. وقد تم في القرن الماضي تشتيت وقتل الملايين واجبر الملايين علي مغادرة وطنهم. ونال مثل هذا المصير ملايين من الألمان والشيشان والجراكسة وسكان القرم والهند وباكستان. ولكن شعوب العالم واكثر دوله ووسائل الاعلام استنكرت ما حدث ولم تعتبره عدلا وان لم تفعل شيئا لمنعه او تصحيح الاوضاع. وما زال سكان القرم الاصليون ممنوعين من العودة الي بلادهم رغم الثورة البرتقالية في اوكرانيا. وتملك الولايات المتحدة الامريكية الامكانيات العسكرية التي تجعلها قادرة علي احتلال اي قطر وتشتيت اهله حتي ولو كان هذا البلد رفيع المستوي حضاريا مثل المانيا او انكلترا او فرنسا. بل ان احدهم وضع ملحمة صغيرة، اوبريت، تصف دخول القوات الحليفة المؤلفة من قوات امريكية وقوات امبراطورية مونتي كارلو الديمقراطية الي مدينة نيس لتخليص البلاد من دكتاتورية جاك شيراك. واستقبلها اهل نيس بالورد والزهور والاهازيج واختفت آثار شيراك واستمرت الجهود لمعرفة الحفرة التي اختبأ فيها.فلماذا يقف العالم هذا الموقف الغريب من القضية الفلسطينية؟ بل ان الدول المتحضرة خططت للمأساة. فقد اصر تشرشل عام 1921 علي استثناء شرقي الاردن من وعد بلفور لتكون المنطقة محمية بشرية لمن يتم اجلاؤهم عن فلسطين عند قيام الدولة اليهودية. اي ان بريطانيا خططت للاجلاء والتشريد. وكان تشرشل قد حذر في كانون الثاني (يناير) 1920 من خطر الارهابي الكبير اسامة بن لادن في عصره وكان اسمه آنذاك رمضان شلاش. وقال انه يهدد السلام والاستقرار في المنطقة ويضر بمصالح الغرب. وقد يزداد خطره اذا ما تعاون مع الارهابي مصطفي كمال والارهابي لينين. واطلق تشرشل هذا التحذير وايدته الصحف البريطانية بمقالات طنانة. واصر رسول الانسانية الحائز علي جائزة نوبل للسلام وصاحب المبادئ الانسانية الرئيس الامريكي ولسن علي وضع صيغة وعد بلفور بيده الكريمة في البيت الأبيض قبل ارسال النص الي بلفور للتوقيع والاعلان. فهل فعل ذلك اكراما لزوجته ذات الدم اليهودي؟ ورفضت فرنسا وبريطانيا وضع دستور واجراء انتخابات في العراق وسورية ولبنان قبل عقد صلح مع تركيا. ولكن بريطانيا اصدرت دستورا وسنّت بموجبه قانونا للأرض في فلسطين قبل ابرام معاهدة لوزان متنكرة للشرعية الدولية.وتحالفت امريكا والاتحاد السوفييتي وفرنسا ومن يسير معهم علي تأييد التقسيم عام 1947. ولم يعارض القرار الا ثلاث عشرة دولة اعتبرت متخلفة او رجعية اكثرها مسلمة لا تحترم المرأة ولا تهتم بحقوقها ولا تحارب العبودية مثل افغانستان، ايران، باكستان، المملكة العربية السعودية، سورية، العراق، لبنان، مصر. بالاضافة الي الصين (الوطنية، اي تايوان)، والهند واليونان. فلماذا يقف العــــالم هذا الموقف؟وبقينا نحن نتحدث عن العدالة وسرنا في استعراضات ملأت الشوارع وصحنا وهتفنا. وركزنا علي المقدسات والقدس. وما زلنا نتناسي يافا وحيفا وعكا وصفد والناصرة علي أنها لا شيء بالنسبة للقدس. وضاعت كل فلسطين، فلم نرتعب كما ارتعبنا عندما احرق يهودي بالأمر منبر نور الدين الذي ســـــميناه منبر صلاح الدين؟ وبرروا الحرق بأن الفاعل مجنون. وحزنّا علي المقدسات لا علي الأرض ولا علي ما هو اهم من الجميع ومن كل شيء، اي الانسان الفلسطيني.فلماذا يحدث لنا كل هذا؟ وينبري كثيرون للدفاع عن الاسلام معتقدين ان العداء ديني. وقد يشكل الدين بعض جذوره. ولكن تركيا تجربة فريدة في العالم الاسلامي. فقد تخلت عن الدين ونادت بالعلمانية قبل اكثر من ثمانين سنة. ولكن الغرب تردد في قبولها في حلف الاطلسي رغم حاجته لجيشها الكبير. وهي تسعي لدخول الاتحاد الاوروبي ولكن مستشار المانيا الغربية السابق قال ان الاتحاد ناد مسيحي. اي لا مكان فيه لألبانيا والبوسنة وتركيا. ولكن هذا المستشار العتيد جاء الي اسطنبول ليحضر مراسم تحول ابنه الاسلام ومباركته. ويخترع الغرب كل يوم سببا لابعاد تركيا. والغريب ان اكثر الدول الاوروبية تشنجا ضد تركيا هي الدولة الاوروبية العلمانية الاولي (فرنسا). اي انها علمانية مثل تركيا ولكنها لا تريدها. وأبدي الغرب كراهية شديدة خاصة ضد الدول العلمانية العربية الثلاث وهي اليمن الجنوبي والعراق وسورية. وتخلص من الاولي واجتاح الثانية وقضي علي حكومتها العلمانية ساعيا لاخضاع الدولتين لحكم طائفي. ويسعي الان للقضاء علي الدولة العلمانية الوحيدة الباقية. واشد الناس اصرارا علي ذلك هي الدولة العلمانية الوحيدة في اوروبا. اما الدول العربية الطائفية المذهبية فقد نالت رضا الغرب. وقد لاحظنا ان الغرب قد تدخل في كل بلد حاول اجراء انتخابات واقامة حكم تمثيلي يختاره الشعب. وبدأ بمصر ثم تونس فالمغرب. وبدا له ان نظام حكم ديمقراطيا بدأ يستقر في العراق وسورية ومصر وليبيا والجزائر وتونس فشجع الذين دربهم في معاهده العسكرية علي القيام بانقلابات عسكرية لوقف المسيرة الديمقراطية. وطرب الغرب لان عشرة علي الاقل من حكام الدول العربية هم عسكريون.لا بد من اعادة الامور الي نصابها في فلسطين. ولا يمكن ان يتم هذا علي يد عسكريين او مجاهدين او حملة سلاح. ولا يجوز تلطيخ حركة التحرر بالدم. ندعو لانسان حر في وطن حر لا يؤمن بالعنف ويشجب القتل ويقدس الحياة الانسانية. نحن مسلمون نعتز بديننا لانه الدين الوحيد الذي جاء للانسانية جمعاء. نؤمن بحق واحد هو رب الجميع لا يفرق بين انسان وانسان علي اساس من اللون والعرق واللغة والثقافة علي ان يحب كل لغيره ما يحبه لنفسه.ہ مؤرخ واكاديمي أردني8