محاولة للتذكير بتراث التسامح الغائب عربيا

حجم الخط
0

محاولة للتذكير بتراث التسامح الغائب عربيا

فقه التسامح في الفكر العربي والاسلامي: الثقافة والدولة لعبد الحسين شعبان:غصون رحالمحاولة للتذكير بتراث التسامح الغائب عربيايرمي المؤلِّف الدكتور عبد الحسين شعبان في هذا الكتاب الي تتبع آثار الانحراف الذي طرأ علي مسار فقه التسامح وجنح به الي نهج قائم علي الجهل والتعصب والتحيز وإقصاء الآخر، وذلك لأجل ان يعود به ثانية الي سياقه المتأصل في الجذور التاريخية والفلسفية. ويحتكم الدكتور شعبان في تتبّع هذا الانحراف الي: الراهن والتاريخي في مسألة التسامح، الأديان والفكر الإسلامي والسيرة المحمدية، كما الي الفقه الدولي المعاصر. ولعل ما يميز هذا الكتاب، هو استعراضه لفكر التسامح في مواثيق الأمم المتحدة وتأكيده علي ان مفهوم التسامح ليس مبدأ تاريخيا مستمدا مما هو ديني وتاريخي فحسب، بل هو نتاج فكر أممي جماعي معاصر أيضا. وكما الديمقراطية بحاجة الي اشتراطات مسبقة لتحقيقها من قبيل: حق الانتخاب، وحرية الرأي، والتعبير والبيئة التشريعية المنفتحة علي احترام حقوق الانسان، فإن الكاتب يري ان نشر ثقافة التسامح تحتاج أيضا الي مثل هذه الاشتراطات المسبقة، ويحددها علي سبيل المثال لا الحصر بضرورة توفير جو من الانفتاح، وبيئة مناسبة تتَّسم بفضاء الحرية وحقِّ التعبير وحقِّ الاختلاف دون خوف من العقاب، ومجتمع مدني يكون شريكًا فاعلاً مع الدولة التي لا بدَّ لها أن تعمل وفقًا لسيادة القانون والمساواة بين المواطنين، من دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو القومية أو الخلفية الاجتماعية أو الاتجاه السياسي أو أيِّ سبب آخر. (ص 37).ويخلص الكاتب الي أن المشكلة ليست في الماضي بقدر ما هي مشكلة الحاضر، فالعديد من الإسلاميين يقيمون في الماضي وليس لديهم اي رغبة في الخروج منه والتطلع الي ما يواجه الحاضر من قضايا ملحة وراهنة. ويقترح لأجل الخروج من هذا المأزق عدداً من الحلول تتمثل في الاعتراف بنسبية المعرفة وعدم امتلاك الحقيقة، والإيمان بالحقوق والحرية والكرامة للجميع، والإقرار بحق الاختلاف، وتبنِّي الفكر النقدي، واعتماد مناهج تعليمية كفيلة بتحقيق هذه الخطوات (ص 165 ـ 168). فالمطلوب تعليم نقدي خلاَّق، ذو علاقة بالعصر والعلوم ، بعيدًا عن التلقين وحفظ التنزيل الحكيم عن ظهر قلب والاهتمام ببعض الشكليات (ص 21 ـ 22). ولئن كان شيءٌ من إصلاح التربية شرطًا لإصلاح الدولة، فإن صلاح التربية لا يكتمل إلا بصلاح الدولة.ورغم حرص الكاتب علي شمولية المعالجة، وتعدد مرجعياته الدينية والفكرية والفلسفية من ناحية، ورغم إثارته لإشكاليات التسامح ووضعها موضع تساؤل واستفهام من ناحية أخري، الا ان هناك بعض الملاحظات التي لا بد من إثارتها: اولا: كان من الضروري توضيح مفهوم التسامح في الفصل التمهيدي من حيث: 1- التعريف ونطاق التطبيق عوضا عن تشتيت التعريفات ونطاق التطبيق علي فصول الكتاب، كما في الصفحات (ص: 18 ومن 58 الي 62 – ومن 88 الي 90). 2- التأكيد علي مبدأ افتراضي هام هو تبادلية فكر التسامح بين جميع الأمم كشرط أساسي لتعميم ونشر ثقافة التسامح في هذا العالم، وعدم جدوي قصره علي فئة معينة او فكر محدد دون آخر.3- وضع الخطوط الفاصلة بين ما هو من قبيل التسامح وما هو من قبيل الخضوع والضعف، وشرح اشكالية التفريق بين التسامح وبين الحق في تقرير المصير، او النضال والمقاومة، منذ البداية حسما لأي إشكالية قد يثيرها القارئ لاحقا.ثانيا: أصّل الكاتب لمفهوم اللاعنف في كل من الدين المسيحي والاسلامي، واستشهد بالعديد من أقوال السيد المسيح والآيات القرآنية التي تدعو الي صحة الاختلاف وحرية التفكير، وتقبل واحترام الآخر بغض النظر عن خلفية هذا الآخر العقائدية والفكرية والعرقية. ورغم انه ليس بالمستطاع التشكيك في رسالة الأديان السماوية السمحة، وما تدعو اليه من القيم المثلي، الا ان النصوص الدينية، وكما تحمل في ثناياها من بذور التعايش السلمي بين الشعوب، تحمل أيضا بذورا من عدم التسامح. وهو ما تحدث عنه الكاتب في الفصل الخامس حيث أشار الي ان النصوص الداعية الي التسامح في القرآن تبعتها نصوص أخري تدعو الي عدم التسامح وهي، وفقا للكاتب، آيات السيف (ص 151) او النصوص الناسخة التي تلغي ما قبلها مثل: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم..) و (اعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم). صحيح ان الكاتب تناول الآية بحرص واوصي بألا تفسر بمعزل عن سياقها التاريخي الذي نزلت من أجله وهو نكث اليهود لعهودهم مع المسلمين، الا ان القراءة التفسيرية لهذه الآيات من قبل بعض المجتهدين انتجت كل هذا الكم من فتاوي التكفير، وكمّ أكبر من فكر الجهاد المنفلت عن ضوابطه الشرعية. باختصار، بقيت هذه النصوص في متن القرآن الكريم، لكن السياق التاريخي الذي اتت من أجل تنظيمه اختفي، مما دفع بالعديد من المسلمين الي الإيمان بها علي إطلاقها دون الالتفات الي سياقها التاريخي الذي تلاشي علي مر السنين. وينطبق هذا التحليل علي الكثير من المسلمات الأخري التي يحظر طرحها ابتداء مثل حرية العقيدة وارتباطها بمفوم الردة، حرمة زواج المرأة المسلمة من غير المسلم، أهل الذمة في الدولة الاسلامية ومبدأ المواطنة الكاملة!.وكذلك الأمر بالنسبة للديانة المسيحية التي اوجدت ما يسمي الكهنوت او رجال الدين الذين يقعون في مرتبة وسطي ما بين الناس العاديين والخالق. وبمرور الزمن، تنامي دور هؤلاء فأوجدوا صكوك الغفران، ومحاكم التفتيش، وما يسمي بالحرب باسم الصليب او الحرب العادلة . وحسنا فعل الدكتور شعبان بعدم تعرضه للديانة اليهودية التي تزخر أسفارها بصنوف القتل والدمار بحق الشعوب غير اليهودية الغوييم ، منها علي سبيل المثال: ومن يسفك دم غير يهودي كأنما يقدم قربانا للرب و اليهود بشر لهم انسانيتهم، اما الشعوب الأخري فهي عبارة عن حيوانات و وبيوت غير اليهود حظائر بهائم نجسة لأنهم جميعا كلاب وخنازير .ثالثا: تعرّض الكاتب في الفصل الثاني الي التسامح في الفقه الدولي المعاصر، واستشهد بميثاق الأمم المتحدة ودستور اليونسكو. كما أشار الي سلطة خامسة هي سلطة حقوق الانسان واستند الي معايير فريدريكو ماريو وغيره من دعاة مبدأ التدخل الانساني، ولكن بشرط ضمان عدم انتقائية او ازدواجية التنفيذ انما بتطبيقات سليمة تنسجم مع الميثاق الدولي وقواعد القانون الدولي الانساني (ص:67). وكما في النصوص الدينية، فإن الأمر ذاته ينطبق علي ميثاق الامم المتحدة الذي يحمل بين طياته أسباب فشله وعجزه عن تحقيق العدالة ما بين الأمم. فالميثاق يتضمن نصوصا اشكالية قائمة علي التمييز والكيل بمكيال الدول القوية صانعة هذا الميثاق. وربما يجدر التذكير بانه وفي ظل الميثاق الحالي الذي لا تتساوي فيه أصوات الدول، والذي تتفوق من خلاله الدول القوية -حاملة حق الفيتو – وتعطي فيه اليد العليا فوق سائر الدول، لن يكون هناك تسامح او عدالة في التطبيق. هذا بالاضافة الي ما تقوم به الدول العظمي من جهود جبارة للوقوف في وجه المحاولات المطوحة حاليا لتعديل او إصلاح ميثاق الأمم المتحدة علي نحو يهدف الي إعادة التوازن ما بين الدول أطراف هذا الميثاق.رابعا: ثم اذا كانت الأديان بدأت نقية متسامحة وعادلة كيف ومتي ولماذا انحرف اتباع هذه الأديان عن تعاليمها السمحة ؟ وإذا كان فلاسفة عصر التنوير توصلوا بحكم التفكير المنطقي والعقلاني الي حتمية التسامح كسبب رئيسي لاستمرار البشرية، فلماذا حصلت الردة علي هذا النهج العقلاني؟ هناك باعتقادي فصل آخر ينقص الكتاب، ربما لاستعراض الأسباب التي أدت الي استخدام الأديان كوسيلة لتحقيق مصالح سياسية او اقتصادية او اجتماعية او حتي ثقافية. او لتتبع المفاصل التاريخية، التي أدت الي القضاء علي طموحات نخبة من المثقفين المستنيرين ورجال الفكر في صنع عصر تنوير عربي جديد، ومحاولاتهم التي دعت إلي سيادة روح التسامح والانفتاح علي الفكر العالمي، من خلال إعادة صياغة الموروث العربي والإسلامي بما ينسجم مع متطلبات النهضة. ثم ما اعترض مشروع الاستقلال جراء تنفيذ اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور ، وزرع اسرائيل في قلب الأمة العربية بمساعدة الدول العظمي. وأخيرا، ما لحق بالحكومات والأحزاب العربية من فساد وتشوهات تجلت في استثمارها للنزاع العربي الاسرائيلي في فرض الأحكام العرفية وتعطيل الحياة النيابية والتقييد علي الحريات وغيرها من ممارسات الأنظمة الشموليه، مما دفع بفئة من المنتفعين الي التدثر بعباءة الاسلام لغايات تحقيق أهداف سياسية خاصة أدت الي تعميم الحكم علي المسلمين جميعا بوصفهم ارهابيين.ختاما، يعد كتاب عبد الحسين شعبان فقه التسامح في الفكر العربي الإسلامي الصادر عن دار النهار – بيروت 2005، عملاً تذكيريا بكل ما ورد في المصادر الدينية والفكرية السابقة، ومحاولة متجددة لإعادة العمل بما جاء في هذه المصادر من فكر جدير بالاستذكار والتطبيق علي نحو سواء في زمن عزّ به التسامح. كاتبة من الاردن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية