حماس ومرحلة توازن الرفض: رسالة موجهة إلي المجتمعات الديمقراطية

حجم الخط
0

حماس ومرحلة توازن الرفض: رسالة موجهة إلي المجتمعات الديمقراطية

أ. د. محمد أحمد الزعبيحماس ومرحلة توازن الرفض: رسالة موجهة إلي المجتمعات الديمقراطية فور إعلان نتائج الإنتخابات التشريعية الفلسطينية مساء 26/01/2006، سمعت من علي شاشة إحدي الفضائيات العربية أحد الإخوة القياديين في حركة فتح يشير إلي أن تاريخ القضية الفلسطينية برمتها، سوف ينقسم إلي مرحلتين: مرحلة ماقبل يوم 25/ 01/ 2006، ومرحلة ما بعده. أي أن النجاح الكبير الذي حققته حركة حماس، مقارنة ببقية الفصائل الفلسطينة، بما فيها حركة فتح يعتبر ـ وفق هذا الرأي ـ نقلة مفصلية ونوعية في تاريخ القضية الفلسطينية، ولا سيما منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية استنادا إلي اتفاقيات أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية عام 1993. وأيضا فور إعلان نتائج الإنتخابات التشريعية إياها، قام الكاتب باستطلاع هاتفي لرأي بعض الأصدقاء من السياسيين العرب المهتمين ـ حتي النخاع ـ بالشأن الفلسطيني، ولا سيما بالإشكالات الداخلية والخارجية (الفلسطينية والعربية والدولية) التي واجهتها وتواجهها انتفاضة الأقصي الباسلة منذ اندلاعها قبل خمس سنوات، ولقد كانت مفاجئة للكاتب إن هؤلاء الأصدقاء قد أبدوا تحفظهم حيال هذه النتائج، وذلك من منطلق مفاده: هل يمكن أن تجري إنتخابات ديمقراطية حقيقية في ظل الإحتلال؟ ولماذا أصرّ مهندسا أوسلو (..) علي إجرائها قبل أن تقوم حركة فتح بمعالجة انقساماتها الداخلية، ولماذا يكون الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين مختلفا عن الإحتلال الأمريكي للعراق، حيث كان جورج بوش يشرف بنفسه علي العملية الإنتخابية من ألفها إلي يائها، ويرتب نتائجها بما يخدم المحتلين وعملائهم.أكثر من هذا، فلقد رغب إليّ بعض هؤلاء الرفاق/ الإخوة ألاّ اكتب/ أنشر شيئا الآن، بانتظار الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة، حيث سيتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر. وفي صحيفة دنيا الوطن الإلكترونية التي تصدر من غزة، قرأ الكاتب أن حركة حماس قد عرضت رئاسة مجلس الوزراء علي الدكتور سلام فياض، الذي اشترط لقبولها:1 ـ قبول حماس التفاوض مع إسرائيل.2 ـ حل الكتائب المسلحة وإدخالها في أجهزة الأمن.3 ـ الإعتراف بإسرائيل لضمان دعم مالي دولي. وهي كما يلاحظ القارئ الكريم نفس الشروط الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية، للتعامل مع حماس، والإبقاء علي تقديم السند المالي إليها، والذي بدونه تتوقف عجلة السلطة الفلسطينية الأوسلوية عن الدوران.وانطلاقا من هذا الوضع الإشكالي الجديد، عاد الكاتب إلي دراسة سبق له أن كتبها عام 2001 حول إفرازات مؤتمر مدريد 1992 وقبله قمة فاس العربية عام 1974 التي اعتبرت أن (م ت ف) هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والتي كان أبرزها ـ اي الإفرازات ـ وأكثرها تأثيرا سلبياً بتاريخ القضية الفلسطينية هو اتفاق أوسلو. ورأي الكاتب أن الجزء المتعلق بالقضية الفلسطينية من هذه الدراسة، إنما يجيب علي كثير من التساؤلات التي طرحها أو يمكن أن يطرحها العديد من المهتمين بنتائج انتخابات 25/ 01/ 2006، التي اعتبرها العديد من المحللين السياسيين حدثا ديمقراطيا غير مسبوق في الوطن العربي، ولكنه بنفس الوقت حدث علي درجة من التعقيد والخطورة بحيث يصعب علي من يري النتيجة التي انبثقت عن صندوق الإقتراع اليوم، أن يتصور ماذا يمكن أن يحدث غدا، وخاصة في ظل هذا الوضع العربي والإسلامي الرديء، الذي تمخض جبله الضخم عن اتفاقية أوسلو، التي باتت بعد مرور أكثر من عقد علي فشلها المتواصل والمتراكم، تمثل ـ وهذا مع الأسف الشديد ـ الشر الذي لابد منه، وبتعبير محمود درويش ماأكبر الفكرة، ماأصغر الدولة .1 ـ تمثل نكسة/ هزيمة حزيران 1967 المحطة الكبيرة الثانية في سلسلة هزائم الأنظمة العربية أمام إسرائيل، بعد هزيمتها الأولي عام 1948، والتي ترتب عليها قيام دولة إسرائيل . لقد أفرزت هاتان الهزيمتان، ولا سيما هزيمة حزيران 1967، نتائج سلبية عانت وتعاني وستظل تعاني منها الأمة العربية عامة والشعب الفلسطيني خاصة إلي أمد غير منظور (علما أن انتصار عام 1973 الساداتي الجزئي، لم يقلل من هذه النتائج السلبية إن لم يكن قد فاقمها عمليا) أبرز هذه النتائج السلبية ــ من وجهة نظر الكاتب ــ مايلي : ــ انتعاش القوي الرجعية العربية،وتمتين علاقاتها الظاهرة والمستترة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.ــ ظهور حركة ارتداد واسعة لدي الأنظمة وبعض القوي المجتمعية العربية عن المبادئ القومية عامة وعن القضية الفلسطينية خاصة، حيث تجلّي هذا الإرتداد بظهور الساداتية في مصر بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر 1970 والتي انتهت باتفاقية كامبديفد، وبتطبيع العلاقات السياسية والإقتصادية والثقافية مع إسرائيل، أي عمليا خروج أكبر دولة عربية من معادلة الصراع مع الإحتلال الصهيوني، وبظهورماسمي بالحركة التصحيحية لحافظ الأسد في سورية 1970، والتي انتهت بدورها في تل عنتروجبل الشيخ وحفرالباطن ومدريد وواشنطن وبيروت! والتي تصب كلها ــ عمليا ــ سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة في طاحونة كامب ديفيد.ــ اتساع التيارالتصفوي الداعي إلي الإعتراف بإسرائيل، ليصل إلي حركة فتح، التي تأسست عام 1965 أصلا لتحرير فلسطين المحتلة، وليس لتحرير الضفة الغربية لنهر الأردن التي كانت آنذاك جزءا من الكيان الأردني ولا لتحرير قطاع غزة الذي كان يومها جزءا من مصر، والتي قامت ـ أي حركة فتح ـ بتعديل ميثاقها الوطني ومعه ميثاق منظمة التحريرالفلسطينية، لكي ينسجما مع الموقف الجديد للحركة، بل إن موافقة المرحوم أبو عمارعلي قرارقمة فاس عام 1974 باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، إنما كان في إطارهذا التحول في أيديولوجية قيادة فتح (وبالمعية م ت ف) والذي كان وما يزال يقوده ويرعاه ـ أي التحول في موقف حركة فتح ـ العناصر الأوسلوية المعروفة، ولا سيما بعد وفاة الرئيس المناضل ياسر عرفات علما أن هذا التحول قد أدي إلي انقسام تينك المنظمتين وإضعافهما داخليا وخارجيا، الأمر الذي ظهرت آثاره العملية في نتائج الإنتخابات الأخيرة، التي قال فيها الشعب الفلسطيني بملء الفم (لا) لأوسلو وأتباعها. إن موقف الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع من حركة فتح في هذه الإنتخابات التشريعية، ليس سببه كما يحلو للبعض ان يقول هوالفساد المالي المتفشي داخل مسام السلطة فقط، إنما سببه الأساسي هوالفساد السياسي الذي تمثل في فشل سلطة أوسلو في تحقيق أي مكسب سياسي أو اقتصادي هام للشعب الفلسطيني طوال سني المفاوضات العبثية العشر، اللهم إلا من بناء عشرات المستوطنات الإسرائيلية الجديدة في الضفة والقطاع، وآلاف الشهداء ومئات الألوف من المصابين والمعاقين واليتامي والأرامل، ناهيك عن العشرة آلاف أسيرمن المناضلين من مختلف الفصائل وعن تجريف إسرائيل الهمجي والوحشي للحجر (البيوت السكنية) والشـــجر، علي مدار الساعة. 2 ـ لقد كان وصول أنور السادات إلي سدة الحكم في مصرعام 1970، ووصول حافظ الآسد إلي سدة الحكم في سورية أيضا عام 1970، إيذانا بشروع النظام العربي الرسمي الدخول في عملية التطبيع مع إسرائيل، ولكن عبر سلسلة طويلة ومدروسة جيدا من المناورات السياسية والعسكرية والإقتصادية التي ماتزال مستمرة منذئذ وحتي اليوم والتي جندت (بالضم) لها معظم ـ إن لم نقل كافة ـ وسائل الإعلام العربية والعالمية، من أجل تزييف الوعي والتاريخ العربي والإسلامي والقبول بمماهاة الإحتلال والتطهير العرقي ورفض حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وكسر عظام أطفاله وانتهاك حقوقه (حقوق الإنسان) بكلمة السلام (يا سلام!!).3 ـ إن مقولة الأرض مقابل السلام، التي مثلت وتمثل الغطاء الأيديولوجي لما يسمي بعملية السلام، هي من أكثرشعارات عملية التسوية مغالطة وتضليلا، لأنها تنطوي علي تزوير فاضح للتاريخ والواقع مفاده:ــ القبول الضمني بمقولة أرض الميعاد الصهيونية الزائفة، سواء أ كان ذلك بوعي أو بدونه،ــ تحويل الصراع العربي الإسرائيلي من صراع وجود إلي صراع حدود، أي من صراع قومي من أجل تحرير فلسطين من الإحتلال الإسرائيلي، إلي صراع قطري من أجل تحرير الأرض المحتلة عام 1967 (سيناء، الجولان، مزارع شبعة، الضفة الغربية، قطاع غزة، ولاحقا جنوب لبنان)، بما يعنيه ذلك من التخلي عن البعد القومي للقضية الفلسطينية، وبالتالي عن فكرة الوحدة العربية ذاتها. ــ فرض الإعتراف بإسرائيل علي العرب فرضا بقوة السلاح، وقوةالأمر الواقع، بل وإلزامهم بالتطبيع السياسي والإقتصادي والثقافي معها ومع الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة. ــ إحلال الشكل محل المضمون في مسألة الإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967، من حيث أن الإنسحاب الإسرائلي كان في سيناء (وفق معاهدة كامب ديفيد) وحول ضفتي نهر الأردن (وفق اتفاقية وادي عربة) مشروطا بترتيبات أمنية، تنهي الإحتلال الإسرائيلي من حيث الشكل وتبقيه من حيث المضمون.ــ إنهاء منظمة التحرير الفلسطينية، ووقف المقاومة المسلحة (التي بات مايسمي بالمجتمع الدولي يطلق عليها صفة الإرهاب)، مقابل نوع مخفف أوموسع من الحكم الذاتي الذي يمكن للفلسطينيين أن يطلقوا عليه إسم إمبراطورية إذا شاؤوا، وذلك علي حد تهكم أحد القادة الإسرائيليين الكبار. إن ماتقدمه سلطة أوسلو من قيود ومن شروط علي حركة حماس بعد نجاحها في الإنتخابات الأخيرة، إنما يعني واقعيا وضع حركة حماس، وبالتالي 60 % من الشعب الفلسطيني أمام خيار واحد، وهو إما القبول باتفاقيات اوسلو، وإما العودة إلي مساجدهم صامتين!!. ــ والأهم من هذا كله، أن هذا الشعار ينطوي علي خلف منطقي مفاده أن الأرض التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967، باتت كما لو أنها أرضا إسرائيلية تريد أن تمنحها إسرائيل للدول العربية مقابل الثمن الذي تفرضه عليهم!4 ـ وبدورها فإن مقولة السلام العادل والشامل لاتقل تضليلا وتدليسا عن مقولة الأرض مقابل السلام، ذلك أن السلام العادل والشامل لايقوم إلاّ بين متساويين في القوة المادية والمعنوية، وهو أمر غير قائم الآن لا بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولا حتي بين الإسرائيليين (المدعومين من حلف الأطلسي) والعرب جميعا (المدعومين من أنظمتهم الفاسدة والمتواطئة) إن كافة المؤشرات التي شهدتها وتشهدها الساحة العربية منذ 1967 ـ إن لم نقل منذ 1948 ـ وحتي الآن 2006 تؤكد أن مسيرة كامب ديفيد ووادي عربة ومدريد وأوسلو وواشنطن وشرم الشيخ لم ولن تؤدي إلي أي سلام، حتي ولو أطلقنا عليه تدليسا إسم سلام الشجعان ، وذلك: ــ لأن عملية التسوية الجارية منذ 1967 (القرار 242 والقرار 338) إنما تقوم علي أساس فاسد فرضته الهيمنة الأوروـ أمريكية علي وطننا العربي في الحرب العالمية الأولي (سايكس ـ بيكو) وفي الحرب العالمية الثانية (قيام إسرائيل)، ومن الطبيعي أن يكون كل ما بني علي فاسد هو بالضرورة فاسد أيضا. ــ لأن المهزومين في حروب 1948، 1967، 1973، 1978، 1982، 2003، هم الذين يقودون ويحمون هذه المسيرة السلمية ! بدلا من ان يكونوا أمام القضاء العادل يلقون جزاء ما اقترفت أيديهم من أخطاء وخطايا كانت السبب في هذه الهزائم. ــ لأن الأنظمة التي تقود هذه العملية، هي أنظمة غير منتخبة وبالتالي غير شرعية لاشكلا ولا موضوعا. إنها أنظمة مفروضة بقوة العشيرة أو الطائفة أو الدبابة أو الدولار أو الأجنبي (الغزو الأمريكي للعراق). ــ لأن هذه العملية تتم في ظل اختلال كامل في ميزان القوي العسكري والسياسي والاقتصادي بين طرفي الصراع ومن الطبيعي أن ينعكس هذا الإختلال في ميزان القوي، علي النتيجة العمليه لهذا الصراع .ــ لأن هذه العملية تقوم علي أساس تصور خاطئ لدور محايد للولايات المتحدة وأوروبا في رعاية هذا الصراع (المفاوضات)، وغني عن القول أن مثل هذا التصور لايعدو أن يكون ساذجا أو مشبوها. ــ لأن عملية التفاوض تتم في ظل تعتيم وتضليل وتدليس إعلامي كامل، بحيث لايعلم المواطن العربي عامة والفلسطيني خاصة مايجري في الكواليس، وليس من أحد مستعد لسماع رأيه. ــ لأن هذه العملية التفاوضية تتم في جو تنعدم فيه القيم والأخلاق، حيث أصبح الدفاع عن الوطن إرهابا والتعاون مع الأجهزة الأمنية للعدو دفاعا عن الوطن ضد الإرهاب، حتي أن أحد جهابذة العرب دعا الولايات المتحدة لأن تتعلم طرق مكافحة الإرهاب من نظامه العتيد!!. ــ لأن هذه العملية تتم في ظل التغييب الفعلي لمنظمة التحرير الفلسطينية وللشعب الفلسطيني في الشتات، والذ ين سلبتهم أوسلو حقهم في النضال وفي الإنتخاب وفي العودة. ــ لأن هذه العملية تتم في ظل وضع دولي انتقالي (بعد غياب الإتحاد السوفييتي)، لم تتوضح معالمه وأبعاده بعد، وبالتالي فإن كافة الحلول والتسويات التي تشهدها هذه المرحلة الإنتقالية، علي الساحتين العربية والدولية (البوسنة والهرسك، كوسوفو، الشيشان، تيمور الشرقية، العراق، ليبيا، فلسطين، إيرلندا، السودان..الخ) يمكن ألاّ تصمد أمام أي تحول جدي في الوضع الدولي الراهن، والذي أخاله قادم لامحالة. 5 ـ لقد استجدت علي مدي القرن الماضي، وفي مفتتح هذا القرن وعلي كافة المستويات (الدولي والقومي والقطري والفلسطيني) أمور ووقائع لايمكن تجاهلها أو القفز من فوقها. ولقد طالت هذه المستجدات كافة نواحي الحياة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والسكانية والعسكرية، علي حد سواء، الأمر الذي لابد أن يجد انعكاسه في وعي الناس في الجتمع العربي، ومن ضمنهم الفلسطينيون، ويصبحوا ملزمين علي أن يتغيروا هم أيضا (وعيهم) مع تغير واقعهم وظروفهم، وايضا الوا قع والظروف المحيطة بهم. إننا هنا أمام علاقة جدلية بين الوعي والواقع ولكن دون الوقوع في مطب مسألة الأولوية، الذي قالت به الماركسية، والذي يتعارض عمليا مع مفهوم الديا لكتيك نفسه، ولعل ثمرة هذه العلاقة الجدلية، كانت ـ بالنسبة لموضوعنا ـ هو الموقف الجديد المطلوب من حركة حماس قيادة وقواعد، بسبب ماذكرناه من مستجدات لابد وأن تجد انعكاسها الموضوعي في موقف جديد وخلاّق للشعب الفلسطيني بكل مكوناته السياسية والاجتماعية، بما في ذلك حركة المقاومة الإسلامية (حماس) حيال القضية الفلسطينية.والذي يمكن أن يتمثل ــ علي مانعتقد ونأمل ــ بمفاوض فلسطيني من طراز جديد يجلس علي طاولة المفاوضات واضعا في إحدي جعبتية كلمة ( نعم ) وفي الجعبة الأخري كلمة (لا)، ومصمما علي الاّ يقدم أية تنازلات مجانية لإسرائيل، كما كانت عليه الحال في ظل سلطة أوسلو طوال المرحلة الماضية. إن ما أطلقنا عليه في عنوان هذه المقالة توازن الرفض بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي إنما يشير بصورة أساسية إلي رفض التنازل قوة الحق مقابل عدم تنازل الطرف الآخر عن حق القوة، لأن مثل هذا التوازن في القوة هو الذي سيؤدي إلي قيام دولة فلسطينية كاملة السيادة، سواء علي أساس قرار الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947 ( قرار تقسيم فلسطين)، أو علي أساس قرار مجلس الأمن 242 لعام 1967، وإلي عودة فلسطينيي الشتات والمخيمات إلي بيوتهم التي طردوا منها عام النكبة، اعتمادا علي القرار 194 الصادرعن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948. إن قوة الحق عندما تكون مستندة إلي شعب شجاع ومضحّ، رجالا ونساء وأطفالا، وإلي قيادة حكيمة وجسورة ونزيهة ونظيفة اليد والجيب، وأيضا قادرة علي إدارة الصراع بنوعيه: السلمي والمسلح، وعلي المستويين الاستراتيجي والتكتيكي مع إسرائيل بكفاءة عالية واقتدار، وثقة بالنفس وبالشعب، فلابد أن يكتب النصر لها إن عاجلا أو آجلا.6 ـ سيتوجه الكاتب في هذه الفقرة، إلي إخوتنا الأوروبيين، الذين نرضع وإياهم من ذات الحليب والذي هو ماء البحر الأبيض المتوسط، والذين نتوقع ألا تكون مواقفهم من قضايانا العادلة متطابقة مع المواقف الإسرائيلية والأمريكية المكشوفة العداء لهذه القضايا. إن مانأخذه علي جيراننا الأوروبيين، هو تقارب مواقفهم من المواقف الإسرا ـ أمريكية في مسألة الكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي. إنهم عادة ما يفاخروننا، بوصفنا بلدانا نامية بالحياة الديمقراطية والحرية في مجتمعاتهم، ويطالبوننا بإلحاح بأن نحذو حذوهم في هذه المسألة الجوهرية والحساسة ولكن إذا ماجاءت نتائج تطبيق هذه الديمقراطية (الإنتخابات/ صندوق الإقتراع) ليست علي هواهم، فسرعان مايقلبون لهذه الديمقراطية والحرية ظهر المجن، ويطالبون خلاياهم النائمة في القوات المسلحة بالإنقلاب العسكري علي هذه النتائج، وبطبيعة الحال فإنه لن تنقصهم الحنكة ولا الحكمة في بسط الذرائع الموجبة لهذا الموقف الجديد.لقد حدث هذا في إيران مع محمد مصدق (لقد قام مصدق بالسجود أمام أحد صناديق الإقتراع، فلما سأله الحاضرون عن السبب، أجاب: إنه صندوق مقدس، تدخل ورقة الإقتراع فيه باسم محمد مصدق ولكنها تخرج منه باسم آخر) وحدث هذا في الجزائر مع جبهة الإنقاذ، وها هو يحصل اليوم في فلسطين المحتلة مع حركة حماس، وهذا علي سبيل المثال لا الحصر.دعنا نسأل هنا إخوتنا الأوروبيين، ماهي مصلحتهم في أن يقفوا ضد رغبات الشعوب العربية والإسلامية، وينحازوا بمواقفهم من جهة إلي الحلف الإسرائيلي ـ الأمريكي (نثمن هنا الموقف الألماني من الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق الشقيق، الذي كان مضادا لهذا الغزو)، ومن جهة ثانية إلي الأنظمة الإستبدادية والوراثية العربية، علما أن وقوفهم مع الجماهير والشعوب، وبـــــناء علاقات إيجابية معها، سوف يعود عليهم بفوائد مادية ومعنوية، تفوق بما لايقاس تلك التي يمكن أن يجنونها من دعمهم للــولايات المتحدة وإسرائيل وأيضا للأنظمة العربية الإستبدادية.لقد أسفرت الإنتخابات الفلسطينية التشريعية التي جرت فعليا بصوره نظيفة ونزيهة (يشكر الرئيس أبو مازن عليها) يوم 25/ 01/ 06، بفوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بما يقارب الـ60 % من مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني الـ132. ومن المؤسف هنا أنه ماإن ظهرت هذه النتيجة رسميا، حتي رأينا زعماء أمريكا وإسرائيل وأوربا يتبارون في انتقاداتهم لحركة حماس، ومطالبتهم إياها بأن تفعل كذا، وتلتزم بكذا، وتعترف بكذا.. (وإلا) إن الإشكالية التي نراها هنا، لا تكمن في أن يطالب الأوروبيون أو غيرهم حماس بكذا وكذا، فقد يكون هذا من حقهم ولكن الإشكالية تكمن في هذه الـ(وإلاّ) التي تعتبر تغريدا خارج سرب الديمقراطية والحرية.لقد دخلت الفصائل الفلسطينية المختلفة الإنتخابات بموجب برامج إنتخابية محددة، ومن الطبيعي أن يكون من ينجح في هذه الإنتخابات ملزما أمام ناخبيه بتنفيذ هذه البرامج، بما هي عقود إجتماعية بين المرشح والناخب. فإذا كان من ينجح في هذه الإنتخابات ملازما بتنفيذ رغبات أوربا وأمريكا وإسرائيل، عل حساب ناخبيه وبرامجه، فماذا يكون قد بقي من الديمقراطية؟!. إن علي شركائنا وجيراننا الأوروبيين أن يتخلوا عن هذه الـ(وإلا) التي يشهرونها في وجه الشعب الفلسطيني.. وإلا.ہ كاتب من سورية8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية