عن صور تخفي صورا أخري…

حجم الخط
0

عن صور تخفي صورا أخري…

خميس الخياطيعن صور تخفي صورا أخري…هناك صور وجوه الشبه بينها وبين القطارات عديدة. فالقطارات، حيثما وجدت ومهما كانت الثقافة والنظام السياسي والتوجه الاقتصادي المحيطة بها، لو سارت علي سكتها المعروفة والمخطط لها لكانت السلامة لها وللمسافرين وللناس أجمعين. أما ولو لسبب طارئ، حدث أن خرجت عن السكة، فانه الهلاك المبين… ثم ان السكك الحديدية عادة ما يسير بعضها جنبا لجنب. وكل مرة تلتقي فيها سكك حديدية بطريق زراعية أو سيارة، فان جانبا واحدا يظهر للعين فيما يختفي الثاني. وحينما يختفي جانب عن جانب، فذلك لا يلغي الجانب المخفي بقدر ما يوليه قوة فجائية مضاعفة… ولذلك، نري بعض الدول التي تحترم مواطنيها وفي بقاع تتشابك فيها السكك الحديدية بالطرق السيارة تعلم المارة محذرة أنه بامكان قطار أن يخفي قطارا آخر… هذا عن القطارات.الصور ولأنها تجسيد ان ماديا أو مجازيا، تعلن هي الأخري عن المعني الظاهري في حين قد تكون مبنية علي المعني الباطني وهو الأمر الذي يؤشر علي ثرائها وبالتالي يؤكد علي مستويات قراءتها. وان لعبت الصورة بالأمس وتلعب اليوم دور التواصل بين الناس مهما اختلفت مللهم ونحلهم، فانها من الجانب الآخر قد تؤدي الي القطيعة بين الناس كذلك مؤكدة علي الملل والنحل… فهي مثل القطارات، ان خرجت عن خطها، قد تؤدي الي مصائب كبري وبالتالي تظهر معانيها المخفية… والأزمة الواقعة بين جناح من الدانماركيين والمسلمين حاليا ما هي الا المثال الحي علي تعددية مستويات قراءة الصورة. كذلك ما حصل من قبل في مجلس الأمن حينما قدمت مجموعة من الصور علي أنها حقيقة تسلح العراق نوويا وتبين بعد ذلك أن الصور هي صور حقيقية لكنها لا تتضمن ما دفعت الي قوله دفعا…في المقابل، الحوار الدائر حاليا بأوروبا وخاصة بفرنسا حول ايجابية الاستعمار بدأت مفرداته تتحول نحو وجهة أخري بفعل ما سمتهم مجلة لو نوفيل أوبسرفاتور بالـ نيو محافظين (نفس منهج من هم في البنتاغون والبيت الأبيض) ومنهم الشهير آلان فنكلكروت الذي طلع علينا بنظرية هزيمة الفكر (من قبل نفخونا بنظرية نهاية التاريخ ) لا لشيء الا لأن موازين القوي في أوروبا (خاصة فرنسا التي قيل لنا دائما أنها موالية للعرب والمسلمين) وفي اسرائيل تحديدا لن تكون كما كانت. نظرية صاحب اليهودي المتخيل و مستقبل الانكار و نبذ اسرائيل وغيرها من الكتب الموالية قلبا وقالبا للكيان الصهيوني والذي ترعاه وسائل الاعلام عندهم وحتي بعض نوادي النخبة عندنا تحت اسم التفتح علي الآخر هي نظرية صهيونية ـ عنصرية قائمة علي قلب الآية، بمعني دس طبقات من المعاني في الصور لتقول بأن هناك أنواعا ثلاثة من كراهية اليهود أولها كراهية مسيحية لليهود ، ثانيها كراهية كونية لليهود وثالثها كراهية عربية ـ اسلامية لليهود وحينما نعرف أن الاساس والعمود الفقري لاسرائيل هو يهوديتها التي بدونها تفقد اسرائيل صهيونيتها… الصهيونية التي كان عليها أن تكون حلا للمسألة اليهودية أصبحت استمرارا لها في اطار الدولة . هكذا كتب فنكلكروت… ونجد أنفسنا أمام قضية تحول فيها عنصرها الأساسي المستعمر (بفتح التاء) الي مستعمر (بكسرها) ونسي فنكلكروت ما قاله جورج بيريك من أن اليهودية (مثل كل الانتماءات العقائدية ـ الايمانية) لا علاقة لها بالايمان، ولا بالدين، ولا بالممارسة، ولا بالفولكلور ولا باللغة. قد تكون لها علاقة بالصمت، بالغياب، بالسؤال … وهي حالة يجسدها خيط الكوميديا من شابلين حتي وودي آلن مرورا بالـ ماركس براذار والسلسلة طويلة…كل شيء لتفادي السلم. من مقومات النظرية الصهيونية كما أرادها هرتزل وما أتي من بعده واحدة تقول بأن الأرض اليهودية ملك لكل يهودي أن كل يهودي موجود في أي بقعة من بقاع العالم وباسم يهوديته له الحق في أرض اسرائيل مقابل واجب حب اسرائيل والدفاع عن اسرائيل اجباريا حتي ولو رفض ذلك… هي مقولة معروفة تحت قناع عنصري شعب الله المختار التي هي أساس العنصرية و أرض بلا شعب الي شعب بلا أرض وقد دعمتهما حالة قائلة أنه من غير الممكن أن تكون أوروبيا ويهوديا في ذات الوقت جراء المحارق وما خلفته. قناة ARTE الفرنسية/الألمانية بثت منذ فترة فيلما روائيا فرنسيا بعنوان الوطنيون Les patriote من اخراج ايريك روشان ومن تمثيل سيمون عتال وآخرين. يبدأ الفيلم بصورة لنجمة داود تغطي مساحة الشاشة ثم جماعة من الشباب يحاولون سرقة سيارة فتتبعهم الشرطة المدنية لتقبض عليهم وتؤنبهم وتهينهم الي أن ينشأ لدي المشاهد الشعور بالغيظ… ونعلم حينها أن كل ذلك ليس الا مسرحا وتدريبا من تدريبات الـ موساد (الاستخبارات الخارجية الاسرائيلية المقابلة للـ شين بيت الاستخبارات الاسرائيلية الداخلية) و أن اسرائيل، مثل كل بلدان العالم، لها وجه مخفي تماما مثل القطارات التي نعرف مخلفاتها… مجموعة من التدريبات تتوالي حتي تمس المستشار الثقافي للسفارة الأمريكية. وهنا تظهر حدود التدريبات اذ يمثل ذاك التمرين الدرجة القصوي في الدفاع عن المصالح حتي ولو تطلب المس بالحليف الأكبر. بالمقابل، يصبح الفريق المتدرب نواة المخابرات الاسرائيلية وبالتالي يدمج في الوحدة 238 تلك التي تولدت عنها خرافات وأسست عليها ملاحم… ونعلم أن المدرب هو يوسي الذي أدار فريق ميونيخ (الموجود في فيلم سبيلبرغ) وتنزل احدي المقولات الاسرائيلية المعاصرة: يجب أن نقوم بكل شيء لتفادي حلول السلم .الجهاز والفرد اضافة لاسرائيل، تتجسد المواقف في بلدين هما فرنسا وأمريكا. في فرنسا تتمثل مهمة عميل الموساد وفريقه في الاقتراب من أحد العلماء (تمثيل جان فرانسوا ستيفنان) الذي يخطط لمفاعل نووي فرنسي موجه لبلد من الشرق الأوسط وتحويله لعميل اسرائيلي. وان كانت الحيثيات بليدة وتقليدية مثل أن يكون العالم الفرنسي من احباء رياضة التنس ويمكن استدراجه بسهولة فائقة في شباك امرأة جميلة هي في ذات الوقت صديقة رئيس الفرقة الاسرائيلية كما لو كان العلماء ـ ونحن في بداية الثمانينات ـ علي تلك الدرجة من الغباء والفقر السياسيين، فانها صبت في مقولة أن اليهودي الاسرائيلي لا يجب بأي حال أن يؤذي يهود فرنسا حتي ولو تطلب ذلك الدوس علي المشاعر الخاصة (رئيس الفريق آرئيل له طفلة لم يرها من يوم سفره الي اسرائيل). وفي عديد المواقف الدرامية، يهدف الفيلم الي اظهار أن الفرد في هيكل المخابرات الاسرائيلية لا أهمية له أمام المصلحة العليا وهي مصلحة الكيان الصهيوني مثل القول لقد اخترناك رئيسا للفريق لأنك ضعيف، ويمكن التلاعب بك مثل الطين أو أعترف بأنك ظريف لأنك صادق وتلك خطيئتك وتتمادي مواقف الضغط علي الفرد اليهودي من الجهاز الصهيوني لحد القول بأن خسارة الله تظهر من خسارة اليهود . وما ينحدر عن هذه المقولة وتبعاتها أن الفرد اليهودي اليوم حيثما يوجد هو مسؤول عما يحدث في اسرائيل ليس فقط بمساندته سياسة هذا البلد (كما كان يقول نحوم غولدمان)، بل لأن هذا البلد ونظرية الصهيونية يدفعان به الي واجهة الصدام… وهو ما سيجسده الفيلم في الجانب الأمريكي منه، جانب تدور أحداثه في العام 1987.نري هنا الاستجابة من طرف الجهاز لطلب أحد اليهود الأمريكان في مد المعلومات لاسرائيل في حين يؤكد مسؤول الموساد علي عدم تخطي خطين أحمرين هما: التجسس علي أمريكا واستعمال يهودي ضد بلده . المعلومات تركز علي تسلح البلدان العربية المعتدلة وتحديدا الصواريخ الليبية، التسلح التونسي ونظيره الجزائري… ذلك أن تقديم هذه الخدمة ليست شرفا، بل واجبا … ورويدا رويدا يصبح العميل يعمل ضد بلده أمريكا حتي أن رئيس خلية الموساد يقول مع كل المعلومات التي مدنا بها زوجك، نحن متأكدون من أننا سنربح الحرب المقبلة . وكما هو متوقع، تنكشف اللعبة ويحاول الاف بي آي وضع اليد علي العميل الذي يهرب الي سفارة اسرائيل… الا أن الآية تنقلب وأمام المصلحة العظمي، يطرد العميل من السفارة (رغم أوراقه الاسرائيلية) فيقبض عليه… علي حد معرفتي، أن نري صورا لمسؤول اسرائيلي وللمحافظة علي أهداف أخري، يطرد يهوديا قدم خدمات للكيان الصهيوني، فتلك ثورة علي مقولات الصهيونية التي ذكرنا سالفا. الا أن الثورة هذه لها مستويات مخفية تؤكد عكس ما نري. ويتأكد الأمر حينما يعود أرئيل (بطل الفيلم) الي اسرائيل ثم يترك الموساد واسرائيل ويعود الي فرنسا مسقط رأسه وحيث توجد ابنته ووالدتها ليستقر فيها قائلا: أعرف أني الوحيد الذي يعمل لصالح بلدي اسرائيل . وينتهي الفيلم علي هذا الولاء الثنائي الباطني بعد أن عرض طيلة ساعة ونصف الساعة عكس النتيجة التي ذهب اليها وكأنه قائم علي خطين، خط ظاهري يقول بالفصل بين الصهيونية واليهودية وخط باطني يحمل الجهاز الاسرائيلي أي الدولة نتائج سياسة البحث عن المصالح الثانوية واسقاط المصالح الرئيسية المتمثلة في الرباط العضوي بين اليهودية والصهيونية. أن تحب اسرائيل هو أن تصبح الشتيمة محل افتخار مثل أن تقول: أنا صهيوني. ليس ذلك ايمانا وانما انفعالا ورفضا فطريا ومتشنجا للتقليل من شأن الصهيونية . هكذا كتب فنكلكروت وهو الأرضية التي تبني عليها عديد الخطابات المصورة التي تتناول الشأن اليهودي اليوم. صورة تظهر شيئا وتقول شيئا آخر… وبين المظهر والقول مسافات. جملة مفيدة: بعد ثلاثين سنة من دراسة السلوك الانساني، لم يتمكن فرويد من الرد علي هذا السؤال: لماذا لا تعرف النساء التمسك بموقف واحد؟ من فيلم Gun للمخرج الأمريكي روبرت آلتمان.ناقد واعلامي من تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية