■ صحيح ان العنف هو مضخة التاريخ الانساني اجمالا.. وصحيح أكثر من ان العنف سمة طبعت تاريخ العراق كله منذ الازل، الا ان العنف الحاصل فيه الان ربما ينهي وجود العراق، اذ مع تصاعد العنف اتسعت خطوط التصدع في كيان العراق وشعبه، فيما يحرز تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» مزيداً من التقدم. وبينما تحاول حكومة المالكي باسم الاغلبية الشيعية في العراق ترسيخ أقدامها، فإن السنة في البلد يفقدون ثقتهم في الإبقاء على دولة واحدة، ويتطلع الأكراد إلى الاستقلال بدورهم.
اذ تشي مرحلة «ما بعد الموصل»، وبخلاف «ما بعد بغداد 9 نيسان/ابريـــل 2003» لما حُكمت بلاد الرافدين بثنائية أمريكية – إيرانية، بان هناك استقطابا رباعيا يحكم ما سماه مسعود بارزاني «عراقاً جديداً»، مختلفا عن عراق صدام حسين وعراق بول بريمر، من حيث إن الثنائية الاستقطابية بين واشنطن وطهران أصبحت رباعية بانضمام أنقرة والرياض.
غير ان عراق ما بعد صدام حسين غير منعزل عن عراق ما بعد الموصل، اذ ان الجسر الواصل بين عراق ما بعد صدام حسين أفرز سلطوية مقنعة تحت مسميات ديمقراطية قادها رئيس الوزراء نوري المالكي، وصولا لمرحلة ما بعد الموصل، وتلك السلطوية الجديدة استعارت منهج صدام حسين وانشأت مرحلة «فدائيي المالكي» على غرار «فدائيي صدام»، ومثلما قادت مرحلة فدائيي صدام الى احتلاله في 9 ابريل 2003، فان مرحلة فدائيي المالكي قادت الى احتلال داعش للموصل في 9 حزيران/يونيو 2014.
هذا الادراك هو ما يتوصل له من يقرأ كتاب الباحث والخبير في الشؤون العراقية الاكاديمي البريطاني توبي دودج في كتابه المنشور بداية عام 2013 الذي حمل عنوان (Iraq: From War to a New Authoritarianism). يحدد الاكاديمي البريطاني في الكتاب ثلاثة مصادر من شأنها ان تزيد من العنف في العراق وتقوده الى الهاوية:
– المصدر الأول هو من دون شك السياسة الطائفية في العراق. تلك السياسة التي اسهم في تأجيجها السياسيون المنفيون لحوالي ثلاثة عقود خارج العراق، والذين عادوا الى العراق بعد عام 2003، والذين استخدموا الهويات الطائفية والاثنية لتعبئة الجماهير للمشاركة في الانتخابات الأخيرة التي جرت عام 2005 وفي كتابة الدستور والاستفتاء عليه.
– المصدر الثاني، هو انهيار الدولة العراقية في أعقاب الاحتلال. وليس المقصود بانهيار الدولة هو فقط انهيار وحل الجيش والقوى الأمنية وأجهزة الأمن والمخابرات، وليس فقط طرد مسؤولي البعث السابقين من قطاعات الخدمة العامة والدولة فحسب، انما تقطيع أوصال الدولة. فقد دُمّر 18 مبنى حكوميا عراقيا اساسيا عام 2008 وحده. وقد سرقت المواد المعدنية من داخلها لدرجة أن سعر الحديد المستعمل انخفض في تركيا وايران جارتي العراق بعد أعمال النهب والتصدير التي جرت ابتداء من عام 2003.
– المصدر الثالث هو النظام السياسي الذي وُضع بعد عام 2003. فقد وضع السياسيون العراقيون الذين كانوا منفيين سابقًا نظامًا سياسيًا بدعم من الولايات المتحدة، استثنى عمدًا ليس فقط فئة كبيرة من السياسيين العراقيين، ومنهم من كانوا على علاقة بالنظام السابق، في محاولة لاعادة ترتيب السياسة العراقية، وانما اكثر من ذلك رتب النظام السياسي على اسس محاصصة طائفية والغي بموجبه مفهوم المواطنة.
والتطور الاهم الذي يلفت الاهتمام له دودج هو المتعلق بالعودة للسياسة الامنية التي اعتمدها صدام من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي بعد عام 2010، على اثر فوز القائمة العراقية في الانتخابات التي جرت ذلك العام، اذ عمد المالكي الى تضخيم حجم المؤسسة العسكرية والامنية في البلاد، حتى بلغ عددها ما يعادل 8 في المئة من القوى العاملة، واخضعها ليس فقط لسيطرته الشخصية، وانما فرض عليها اجندته وحولها لتكون اداته في تحقيق اهدافه السياسية الخاصة. في الوقت الذي استعاد فيه المالكي الخطاب الطائفي لشحذ وتعبئة قاعدته الانتخابية، في حين ابقى قدرة المؤسسات المدنية متراجعة، وبحسب تقديرات الأمم المتحدة عام 2011، 83 في المئة من مياه الصرف في العراق تذهب بدون معالجة و25 في المئة من العراقيين لا تتوافر لديهم مياه نظيفة. وفي عام 2011 قُدر أن كل بيت عراقي يحصل على معدل سبع ساعات ونصف الساعة من الكهرباء يوميًا، وقد لا يكون هذا بالأمر المهم شتاء، لكن في الصيف يتحوّل العراق الى جحيم، نظرا للطقس الحار ولموجات الجفاف التي تضربه في السنوات الأخيرة. لكن رغم هذا كلّه، أنفقت الولايات المتحدة والحكومة العراقية 200 مليار دولار في محاولة لبناء مؤسسات الدولة العراقية، اهدرت معظمها في اطار عمليات فساد منظم قوت منظومة السلطة والقابضين عليها.
وقد أحال دودج بناء جيش ومؤسسة امنية خاضعة لسلطة المالكي واجندته، الى اخضاع او تصفية الخصوم، ويشير بهذا الصدد الى كيفية تصفية عدد من قياديي القائمة العراقية مثل، نائب الرئيس السابق طارق الهاشمي، الذي حكم بالاعدام بتهم الارهاب، وكذلك وزير المالية رافع العيساوي ومحاولة القبض عليه بتهم الارهاب ايضا.
واعتبر الاكاديمي البريطاني ان ممارساته ازاء منافسيه السياسيين، لم تكن سوى مظاهر لما سماه في الكتاب، نشوء سلطوية جديدة يقودها نوري المالكي، الذي عمد في ولايته الاولى الى حصر هيمنته على حزب الدعوة في شخصه، ثم قام باضعاف منافسيه الشيعة مثل، التيار الصدري وكذلك تيار الحكيم، ثم شرع في بناء مجموعة صغيرة من الأشخاص معظمهم من عائلته كابنه وصهره وعينهم في المواقع الرئيسة في الدولة، في محاولة للسيطرة على المؤسسات العراقية كافة. وقد نجح في ذلك نجاحا باهرا، خاصة أن منافسيه انشغلوا منذ عام 2010 في الصراع حول الطريقة الفضلى لتقويض سلطات المالكي. في تعبير آخر سعى المالكي الى تأليف دولة ظلّ، فقد عين ابنه أحمد المالكي في منصب المسؤول عن مكتب رئيس الوزراء، ما جعله مسؤولا ليس عن أمن والده وحسب، بل امتدت سلطته لتشمل الأمن في العراق ككل.
وكان المالكي قبل ذلك ـ كما يشير دودج ـ قد أنشأ مكتبا لمكافحة الارهاب، لإدارة قوات العمليات الخاصة التي استخدمها وكأنها وحدات خاصة به، حتى إن قسما من العراقيين أطلق عليها اسم «فدائيي المالكي» في أشارة الى «فدائيي صدام «، والى الخوف الذي تثيره هذه القوات في قلوب العراقيين. وقد أعاد المالكي الكرّة مع الاستخبارات العراقية، حين أقال القادة الذين دربتهم الولايات المتحدة واستبدلهم بموظفين من حزب الدعوة أو بمقربين منه.
وفي ولايته الثانية، كما يؤشر دودج، لم يعين وزراء للوزارات الامنية، كما للمخابرات، بل اخضعها لهيمنته المباشرة، وبالتالي اضحى يطيح بكل محاولة من محاولات الحد من سلطته. سعى الى تسييس القضاء لاضعاف مؤسسات الدولة كافة. في كانون الثاني/ يناير 2011 ، أصدر رئيس مجلس القضاء الأعلى مدحت المحمود سلسلة من القرارات في شأن هيئات عراقية مستقلة شكلتها الادارة الامــــريكية لمراقــــبة السياسة العراقية، منها المفوضية العليا للانتخابات والبنك المركزي والمفوضية العليا لحقوق الانســـان، وضعتها تحت إمرة المالكي.
وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2010 ، وبعد حادثة العيساوي، اتُهم محافظ البنك المركزي العراقي المهني والمتخصص المعروف دوليا سنان الشبيبي مع نائبه بقضايا فساد. وقد غادر الشبيبي البلاد بدون أن يسمح له بدخولها مجددا والا يتم توقيفه، حتى أنه لم يعطَ الفرصة للاجابة على هذه الاتهامات. وفي أبريل 2012، أوقف رئيس المفوضية العليا للانتخابات الذي يلومه المالكي لخسارته الانتخابات عام 2010، ووضع في السجن لمدة ثلاثة أيام بتهمة الفساد بمبلغ يقل عن الف دولار، وقد تلقى اتصالا في اليوم التالي لدخوله السجن من رئيس الوزراء نوري المالكي الذي قال له الا يد له في توقيفه وسجنه، وانه سيسعى جاهدا الى اخلائه في محاولة لتصوير الافراج عنه على انه هدية من المالكي.
ويشير دودج الى ان السلطوية الجديدة للمالكي أدت الى تركز العنف في خمس محافظات هي، بغداد وصلاح الدين وديالى والأنبار ونينوى، ومن ضمن هذه المحافظات الخمس يتركز العنف تحديدا في الموصل وبغداد وبعقوبة والفلوجة والرمادي، وما لم يقله دودج هو ان السلطوية الجديدة للمالكي وتركز العنف هو الذي قاد الى مرحلة ما بعد الموصل. وبالاجمال فان جذر العنف المتزايد هو سياسي، وان استمرار السياسات ذاتها التي قادت الى تفاقم العنف واحتلال داعش الى الموصل واخواتها هي ذاتها التي ستقود الى زوال العراق وتفككه.
٭ كاتب وصحافي عراقي
عصام فاهم العامري