نهاية العمر الافتراضي لجامعة الدول العربية
د. يوسف نور عوضنهاية العمر الافتراضي لجامعة الدول العربيةما قاله الرئيس جورج بوش أخيرا هو أن علي حماس أن تعترف بإسرائيل وتلقي سلاحها، ولكن من أجل ماذا؟من أجل أن تتفاوض مع إسرائيل، ولم يتحدث الرئيس بوش عن الموضوع الذي تتحدث فيه حماس مع إسرائيل، فليس ذلك مهما.موقف الرئيس بوش تكرر أيضا في الاتحاد الأوروبي حيث أوضحت المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل أن دول الاتحاد قد تفكر في عدم تقديم العون للسلطة الفلسطينية إذا لم تستجب حماس لنداء الاعتراف بإسرائيل وإلقاء أسلحتها.ولم يتوقف انحياز الدول الغربية عند ذلك بل رأينا ضغطا قويا علي سورية من أجل أن تبرئ نفسها من تهمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري. وضغطا مماثلا علي إيران من أجل التخلي عن برنامجها النووي.وفي المقابل صمتت الدول الغربية مجتمعة عن امتلاك إسرائيل لمئتي رأس نووية وعن تمسكها بنظرية الخيار شمشون التي فحواها أن إسرائيل ستستخدم هذا السلاح إذا وجدت كيانها معرضا للخطر وهو تهديد يعني مسح العالم العربي بأسره إذا أحست إسرائيل بمجرد التهديد لوجودها.ولا تصمت الدول الغربية في هذا الأمر وحده بل نجدها في الوقت الذي توجه فيه الإهانات للعرب والمسلمين وتصفهم بأنهم إرهابيون يتجرأ البعض في الدنمارك بتوجيه الإساءة إلي نبي الإسلام، وتعتبرالدول الغربية أن مجرد نشر معلومات تشكك في الهولوكست جريمة يعاقب عليها القانون، بل وتحصر قانون معاداة السامية علي اليهود وحدهم دون أن تعترف أن العرب هم اكبر مجموعة سامية في العالم وهي مجموعة لا يطبق القانون في حقها في حال الإساءة إليها.وفي إطار هذا الواقع نلمح تراجعا في المواقف العربية، بل وصمتا مطبقا من جامعة الدول العربية التي يخرج أمينها العام من وقت لآخر ليعلق علي بعض قضايا شؤون الساعة تعليقا يعكس مواقفه الشخصية التي لا تمثل مواقف الدول العربية مجتمعة، ذلك أن الجامعة المشلولة بسبب تكوينها لا تستطيع أن تتحدث بلسان واحد وهو ما يجعلنا نتوقف عند حقيقة هذه المؤسسة التي يتجاوز البعض كل الحدود عندما يطلقون عليها بيت العرب.يعرف الكثيرون أن الجامعة العربية التي ظهرت في عام 1945 جاءت في وقت أحكمت فيه قوي الاستعمار سيطرتها علي العالم العربي، وكانت تريد مؤسسة تقف في وجه النفوذ التركي الذي سيطر علي هذه المنطقة ردحا طويلا من الزمن. حقا لم تكن الدولة العثمانية من القوة بحيث تفرض سطوتها علي العالم العربي، ولكن في ضوء المخططات الدولية لإنشاء دولة إسرائيل في ذلك الوقت، كان هناك تفكير جدي في قفل كل المنافذ التي تدفع العرب نحو طريق القوة، ولا شك أن التوجه الاسلامي كان يمثل تحديا حقيقا أمام دولة إسرائيل المقبلة، أما التوجه العربي نحو الجامعة العربية في ظل أنظمة ترتبط بالنفوذ الغربي فلم يكن فيه خطر بسبب غياب التوجه الثوري، وبالتالي فلم يكن في توجه الدول العربية نحو الجامعة العربية أي خطر علي المشروع الصهيوني خاصة أن الدول التي أسست الجامعة كانت ملكيات لها مصالح مباشرة مع الاستعمار والمصالح الغربية.وكان مشروع الجامعة العربية ممكنا لأنه لم يكن يوجد في ذلك الوقت اتحاد أوروبي أو منظمة دول آسيا والمحيط الهادي أو منظمة دول الأمريكيتين وهي نماذج تضع مثالا لما ينبغي أن يكون عليه الوضع في الاتحاد بين الدول، وكان كل ما يجمع الدول العربية في ذلك الوقت هو أن الذي يسيطر عليها بعض الأسر التي ترتبط بولاء خاص لقوي الاستعمار الغربي. وبالتالي افتقرت الجامعة العربية منذ نشأتها إلي الأرضية التي يمكن أن تقف عليها دول متناقضة في مصالحها.وإذا تركنا الجامعة العربية قليلا وجدنا أن النماذج الحديثة للاتحادات بين الدول والتي قد يمثلها الاتحاد الاوروبي مثلا تقوم علي أسس أخري، ذلك أن الاتحاد الأوروبي يفرض في البداية أن تكون الدول المنتمية إليه دولا ديمقراطية تحكم بواسطة مؤسسات حقيقية وتراعي متطلبات حقوق الإنسان وأن تكون من الجانب الآخر ذات اقتصاد متطور يمكن ان يتكامل مع غيره من الاقتصادات، وبالطبع لا نغفل بعض الجوانب السياسية كتلك التي تشكل خلافا بين تركيا ودول الاتحاد، ولكن مثل هذه الخلافات لا تؤثر علي النظرية العامة بالنسبة لدول ترتبط مصالحها مع بعضها بعضا. وهذا بكل تأكيد جانب غائب بشكل كامل في العالم العربي الذي تسيطر عليه أنظمة حكم متباينة في تكوينها.وعلي الرغم من هذا التباين فليس هناك أساس ديمقراطي تقوم عليه أي دولة عربية وكما يختفي النظام الديمقراطي في العالم العربي تختفي أيضا المؤسسات القانونية علي الرغم من أنه يحلو للكثيرين أن يرددوا أن دولهم هي دول مؤسسات حتي لكأن هذه التسمية يمكن أن تطلق أيضا علي المؤسسات الدكتاتورية أو تلك التي تخدم أغراض النخب الحاكمة، وليس غياب الديمقراطية وحده الذي يؤثر علي وحدة العالم العربي بل أيضا عدم تكامل المصالح الاقتصادية، وذلك بكون العالم العربي يتكون من أغنياء يملكون ثروات نفطية هائلة يعيشون علي ريعها دون وجود مشروعات تكاملية مع دول عربية أخري، إلي جانب فقراء يعيشون علي منتجات الزراعة والسياحة وأمور ضعيفة الدخل. ولا توجد في العالم العربي أي نظرية في التكامل وبالتالي نجد العالم العربي منقسما إلي عالمين متناقضين.ولا تستطيع الجامعة العربية في ظل هذا الواقع أن تقدم عملا مشتركا، فهي لا تستطيع أن توحد أنظمة تشارك في مفهوم الديمقراطية كما لا توحد أنظمة لها مصالح اقتصادية متداخلة، وذلك هو سبب العجز الحقيقي الذي يجعل هذه المؤسسة تشبه الجثة الهامدة، وتجعل الكثيرين يتساءلون ماذا يقول موظفوها لأنفسهم وهم يتوجهون لعملهم كل يوم؟وما عساهم أن يفعلوا؟وعلي الرغم من ذلك فنحن نسمع بين الحين والآخر دعوات تطالب بإصلاح الجامعة العربية مع أن الأمر لا يتعلق بإصلاح المؤسسة بقدر ما هو يتعلق بتغيير النظام العربي الذي تقوم عليه المؤسسة، وكم كان من السخرية أن خرجت علينا الجامعة العربية قبل حين بفكرة البرلمان العربي الذي تشارك فيه دول ليس فيها برلمانات أو فيها برلمانات مزيفة، والحقيقة التي لم تعد تقبل جدلا هي أن الجامعة العربية لم تعد ـ كما لم تكن ـ مؤسسة تخدم المصالح العربية، بل هي علي العكس تلحق ضررا كبيرا بالقضايا العربية، وذلك انه حين يواجه العالم العربي هجمات وتحديا من الدول التي تعادي الأمة العربية ولا تستطيع هذه الدول أن تتخذ موقفا فإن ذلك مؤشر خطير، وقد يكون موجها للدول المعادية للأمة العربية كي تستمر في طغيانها وظلمها لهذه الأمة، ويظهر هذا الواقع في قصور الجامعة العربية في مساندة سورية بل ومساندة إيران في هجمة غربية لا تستهدف السلام والأمن العالمي بقدر استهدافها المصالح العربية ودعم الكيان الاسرائيلي.لقد كان تحرك المملكة العربية السعودية أخيرا نحو الصين والهند تحركا محمودا ويؤكد أن الأمة العربية تمتلك في الداخل من مصادر القوة ما يمكنها من مواجهة التغول الخارجي، ولكن هذه الأمة تنصرف عن هذا النهج لتتيح للدول الغربية أن تحقق مصالح إسرائيل علي حساب مصالح الشعب الفلسطيني والأمة العربية.الجامعة العربية بشكلها الحالي قد أنهت عمرها الافتراضي وهي ليست ذات قيمة بالنسبة للشعب العربي، وإذا كان هناك اتجاه للاستفادة من منظمة شبيهة فيجب أن تكون علي غرار الاتحاد الأوروبي حيث تكون منظمة لديمقراطيات ترتبط بمصالح اقتصادية وتكامل واضح. ولكن ذلك هدف يصعب تحقيقه في ظل حكومات عشائرية تفتقر إلي الخيال السياسي وستنتهي جميعها في لحظة واحدة عندما تفقد القدرة علي الاستمرار ولا شك أن فوز حماس في فلسطين يشكل رهانا صعبا لأن الجميع يتصورون أن حماس في مأزق وستبدأ التفكير سياسيا، ولكنهم ينسون أن الجانب الآخر ليس علي استعداد لأن يقدم أي شيء لحماس كما لم يقدم أي شيء للفلسطينيين في عهد سلطة فتح. وهنا سيكون الخيار الوحيد المفتوح أمام حماس هو المواجهة وسياسة الأرض المحروقة التي ربما أعادت الرشد إلي الإدارة الأمريكية التي تصر علي تحقيق المكاسب دون أن تقدم التنازلات.9