هل يصنع الحنين وحده عملا روائيا؟
سواقي القلوب لإنعام كجه جي:أحمدالمدينيهل يصنع الحنين وحده عملا روائيا؟يحتاج كل من يضع قدميه علي أرض كتابة الرواية الي حساب المسافة التي سيقطعها برفقة الشخصية أو مجموع الشخصيات، معها وبها يصنع الرحلة ـ فلا بد في الرحلة من الحركة أفقيا وعموديا ـ ليصل الي النقطة التي سيجعل، ينبغي أن يجعل، منها بؤرة لتصريف سبل الحكاية، أي تنظيم مجال ـ محافل ـ السرد وتحديد المسؤوليات فيه. كل من لا يفكر بهذه الطريقة، وفق رصد أساتذة هذا الفن، والباحثين الراسخين في نظامه، سيخبط خبط عشواء، ويشبك، من غيرأن يحبك، الحكايات أو الخط المحكي الموصول بوهم صنع عالم، ما يلبث أن تنسل خيوطه في ذاكرة القارئ، ليتهافت مرامه في حدود مقوله أوأقل.واذا كانت البؤرة عند دارسي السرديات تتشخص مركزيا بالموقع الذي يتخذه السارد، سواء من ناحية الضمائر، أو ما يسمي عموما بالمنظور، زاوية النظر، فاننا نحب أن نضيف اليها وظيفة استبطان واستنباط ما في دواخل الفاعلين في العمل الروائي، فهي، اذن، مناط توجيه وصنع المعني والانفعال وضبط ايقاع الأفعال، المؤدية جميعا الي بناء رؤية العمل. وما هو قرار بيد الكاتب أن يختارهذه البؤرة أو تلك، وان لم يملك الا الانصياع غالبا الي جاذبية، هي ما يشده أكثر نحو وجهة معينة لبناء عالم رؤيته وصوغ خطابها، وعليه منذئذ أن يتحمل كل التبعات، فلا يلومنّ القارئَ ان ضاع منه المعني في الطريق، مثلا، أو ُترك خاوي الوفاض، وقد يشغف هو بحصد عزيز المنال، وفي الحالتين كلتيهما فان فعل التلقي، مذ أسسه الألماني آيزر منهجيا، جدّ في جدّ، صاحبه شريك في الكتاب أو شارد عنه طريد.بعبارة أهون، فالِكتاب، ليكن سواقي القلوب للسيدة انعام كجه جي (المؤسسسة العربية بيروت، 2005) انما يتأسس بقراءته التي لا مناص لها من الخضوع لدليل وجاذبية. في ُعرفنا، وبتجربتنا القرائية يتبادل هذان العاملان التأثير، وهما اثنان في واحد. الأول (= الدليل) كناية عن الجنس الأدبي، يشير اليك بما ستقرأ، ينبهك لما تقرأ طواعية أو عنوة، ويحفز لديك قابليات ومؤهلات التلقي. أما الثاني (= الجاذبية) فهي الخزان يحوي طاقته ومصدرها، نوعا ما معتقد الكتاب، وليس الكاتب ضرورة. الجنس المعلن علي الغلاف رواية ، سواء كان نية المؤلف، أو وَضَعه الناشر ـ أعني بالنسبة لأي اصدار ـ يخلق لديّ استعدادا يختلف كلية عن ذاك الذي يثيره شعر أو سيرة فأتهيأ له بكيفية ما، ونجاحه كاخفاقه رهن بتحقق أفق الانتظار عندي أو تخييبه. هكذا فان المؤلف هو من يرسم من البداية قواعد اللعب ـ اذا قدّر طبعا! ـ ولذا قلنا انه يتحمل أكثر التبعات. غير أن الجنس أو النوع الأدبي الصريح علي الغلاف، عند العراقية انعام كجه جي، وعند سواها، أيضا، قد لا يقبل هذا التأويل المسبق أو جلّه، بمعني أن واضعه، في حدود وضعه، يتخذه تعلة ـ أوَليس مضطرا لذلك في ميثاق القراءة المبرم ضمنا مع القارئ من خلال التجنيس؟! ـ ليصنع الكتاب الذي يريد، من المادة المتوفرة لديه، وبالأحاسيس والأفكارالمعتملة في النفس والذهن، وتراه مثل صياد علي الشط ـ ليكن شط دجلة الحزين اليوم، لا شط زهور حسين الفرح ـ وقد ألقي شباكه يعول علي ما يأتي، وان هفا قلبه الي لؤلؤة تصعد وحدها أو تومئ من القاع أن انزل اصطدني؛ أو ليس بحر الأدب في أحشائه الدرّ (= الرواية) كامن، فلنسأل السابحة الجديدة، اذن، عن َصَدفاته ومصادفاتها، ان لم تكن قد اصطادتنا بشهية سمك الزبيدي، وهو بعد في القاع، وأي قاع، وهي تدق فرحا بأصبعين؟!مثل من في عداد الموهوبين علي الأرض تملك كجه جي حكاية، وتتوق لأن تحكيها لمن حولها، وللشغوفين حقا بالخبر ونبعه ومائه. ان المغترب ـ شأنها ـ زادُه الحكايات والأشواق، وهذان عماد سردها أو ما يصب في السواقي. طبعا ان ما يجدر أن يميزها في وضع خصوصي هو ماذا ستصب، وبالأخص كيف، وهذا ما سيجمعنا نحن القراء اليها، وأتمني أن لا يفرقنا. تهدينا قصة طريفة حقا بأبطال متعددين ومتعالقي المصائربشكل أو بآخر، تجمعهم حلقة الغربة (العيش كعراقيين في باريس، منفي وملاذا وعبورا) التي تمتلئ وتفرغ حسب الوضع الشخصي والبحث المنشود أو المصير المفقود لكل منهم: الطالب الشيوعي الذي انتقل من المعارضة الي معانقة ذاته والانغماس في المتاح الباريسي؛ صديقته الشيوعية معانقة غربة قسرية ستقودها الي حتفها بقسوة فظة؛ طالب البعثة البعثي، الساعي الي نيل الدكتوراه بنار ذاتٍ تحترق بحطب تناقضاتها وبالمسلكية الانتهازية لمناضلي الأحزاب الواحدية؛ الكاشانية (الخاتون) العراقية من أصل أرمني، حياة مركّبة لم يعضلها حكم البعث بل الحقد التاريخي علي الأتراك الذين قتلوا زوجها وأبناءها؛ الجندي ممثل الشخصية الخلاسية باعتبار التحويل الجنسي الذي سينقله من وضع الذكرـ كما كان ـ الي الأنثي الملائمة لحسه وتطلعه، اضافة الي شخصيات أخري محيطية. جميعا يلتقون في باريس ليعيشوا حياة عهدناها لدي آخرين من قبلهم، سواء في المعيش أو في الرواية، بمعني أنها نمطية وقائمة علي مبدأ المستنسخ، وحيث يصطدم الواقع بالوهم، وغالبا ما ينقشع هذا الأخير أمام ضراوة الأول. تحاول انعام كجه جي أن تصنع من التسلط بؤرة أولي عليا تلتقي تحت وطأتها الشخصيات سواء وهي ضحية أو مخدوعة. ان السلطة العربية مولد أساس لخنق الحريات ومحرض أساس، بالتالي، علي الهرب والنفي الذي يصبح وطنا بديلا، أي مجالا للعيش الممكن، وفضاء لكتابة الرواية بصيغة المحتمل وعلي أجنحة التخييل لا الاستنساخ والتنميط. والكاشانية بؤرة ثانية، وان مركزية، سواء في شقتها ملتقي الشخصيات الممزقة بين لذاتها الهاربة أو بين لوك خيباتها في الثورة وسكينة الضمير والحب. وباريس بؤرة ثالثة تحوي المكان والزمان، مأوي الفعل ومصهرالاحساس في الحاضر الذي تشتغل السردية بزمنيته لتكوين النص الحدثي وتنضيد طبقته المادية كبنية سطحية، أي خارجية موادها مصنوعة من سنادات الواقع تارة، ومن المخزون النفسي العالق به كالصدأ، تارة أخري. فيما البنية العميقة هي المطلب ولب التكوين في كل رواية لا تريد أن تتحول بعد انسراب خيط الحكاية الي أمشاج أو أحاسيس مائعة من قبيل الآهات والحسرات علي ما فات، من غير أن نتحقق فعلا ما هي الأطلال التي يذرف عليها الحزاني والخاسرون دمعهم الهتون. بيد أن البنية بتعريفها سياق مادي وتعالقي العناصر في تواشجها السببي والعميق، لا يرسب فيها الثانوي ولا يمكن أن تتشيّد الا بما ينهض عليه أساس الرواية، خاصة الرواية. وذلك ببساطة لأنها، ومنذ التعريف اللوكاتشي لها كنثر مبتذل للحياة، محركها هو الجدل لا الوجدان، ورؤيتها بحكم انضوائها في عالم الميميزيس بأولوياته البويطيقية تنهض علي بناء علائق الصراع وتحبيك المصائر، وتخصيص المواقف، وتشخيص الأحداث، ومشهدة العالم المحكي في قرائن هي البؤر الدقيقة للسرد والمداميك المثبتة لأرض يمشي فوقها ناس الرواية ويحيون ويموتون، أيضا، أو يضيعون. الابتذال هو ايقاع اليومي، أي غير مرمي القدح المعطي سلفا، وهذا ما سماه مرة فيلسوف مغربي (م. ع. لحبابي) العض علي الحديد ولذلك كان ايقاع جنس أدبي خارج من رحم العلاقات الرأسمالية الجديدة والتبدلات الطبقية حاملة ذهنية وقيما تكسرالمثُل القديمة، منظورا وأفعالا وفاعلين ولغة وأسلوبا، وأفق انتظار. بعبارة أهون، أقل اصطلاحية، فاذا كان العراق في سرد كجه جي يمثل الاطارالأشمل والمرآة المتنقلة لمعيش الشخصيات العراقية في اغترابها، وخلفية الوجع لمختلف ما تعاني فانه انما يتسمّي عندها ولا يتجسد، أوانه كلما أوشك أن يتحدد من خلالهم بطريقة روائية عاد ليتبدد، أي ليميع فلا يتكوّن. ما من شك أن كل كتابة في السرد خاصة تأتي علي مقاس مزاج من تسرد أو تصبح تسلطا اضافيا علي سلطة تناهضها الشخصية قبلا، وناس كجه جي محمولون علي الأهواء في ظاهرهم المختزل، ولا نكاد نعرف ان كانت هي التي انقادت اليهم أو هم من أسلس لها القياد، أم بين هذا وذاك تهافت السبب، وان كنا نعرف. ذلك أن الأصل في السرد العين لا القلب، أو هي أول وهو في المحل الثاني، والاختيار بينهما ـ لو جاز لناشئ أن يختار ـ ما يرسم، كما ذكرنا في البداية، الدليل والجاذبية، فما بينهما من طور. عليك أن تصل الي الصفحة 153 لتقرأ كلاما ليس محدد القائل، قل انه خطابي النبرة موجهه، آتيه: اذ مع تمدد سنوات الحرب (العراقية الايرانية). واستمرار طاحونة الشهداء تملكنا (من نحن؟) اليقين بأن الوطن يضمحل ويتسرب من بين الأصابع كقبضة دم، وأن المسافة بيننا وبينه صارت برزخا يتعسر عبوره. أما بغداد التي في القلب فكم كنت أخشي أن أراها تسكن مدارج الذكري، مثل الصور الصفراء القديمة نطالعها في هجمات الحنين ونحن نبتسم بدَعَة، ونمسح عنها الغبار، ولا نملك اليها سبيلا . انه علاوة علي أن هذه الفقرة تفصح بجلاء تام عن أسلوب صاحبتها، وتصورها البدئي للكيفية التي تنتج بها كتابة ذات مسحة سردية ما خطابها، فانها تشير مباشرة الي محفز الخطاب فتسميه أو تعيد تسميته بلفظة قصدها تعيينٌ لا يفضي الا الي التجريد، نقيض كتابة التخييل، وان بدا أحيانا أفقا مضللا هو بعض علاقة المتلقي في فعل التلقي؛ نعني الحنين كما سيدرك القارئ الفطن. تنتمي هذه المفردة الي حقل الوجدان الذي هو محفل الأحاسيس أو الشعور باختصار. هذا الذي هو ذاته نسغ الشعر، بمقوماته الجدية طبعا، ولا نقول التعبير الشعري تجنبا للخلط. وهو خلط مزدوج وُمْربكٌ حقا حينما نكون في موقع التلقي للرواية سواء بتجنيس جاهز أو علي سبيل الافتراض. لنقرأ الآتي، ومثله كثير: تخلع عنا الغربة أهالينا وتكسونا من غير دمائنا واخوة لم تلدهم أمهاتنا. تحرث الغربة ألسنتنا المزروعة باللغة الأم وتشتل فيها لغات جديدة نجاهد لكي نتفوه بها (…) تنفض الغربة قلوبنا (…) تحررنا الغربة من غبار الذكريات (…) لكنها الغربة اذ تشفق علينا من هجمات الحنين … . (ص27). و حمّامات الحنين هي ما يجمع الرفيق الخائب، والبعثي المرتد أو العابث، والجندي ساري/سارة المتحول، وسوزان ونجوي وسراب في بيت الكاشانية سماقيان. لكل واحد من هؤلاء قصته وقصة كاشانية خاتون وحدها في كفّة (ص127) وهي فعلا كذلك، ولا يكفي تقرير هذا من المؤلف بعد فوات الأوان أي عقب توزيع الأدوار والمسارات، وخاصة تحديد السارد المركزي بؤرة الحكي حين لا يفلت زمامه. شقة الكاشانية في باريس كأنها الي حين تعويض عن وطن مفقود، فيها تصب سواقي القلوب العراقية، وبعد أن يتعتع روادها بالسكر يعودون أو ساردهم الي مواصلة استحلاب الأحلام ورمي صواعق الشتيمة والشماتة بسلطة أمست اليوم في خبر كان، برواية تريد أن تكون، ولا يقين الا رفات (نص) منقول الي وطن ـ مقبرة! كاتب من المغرب0