هل بدأ المسرح يعود الي سورية أم انها حالة الاضطراب فقط؟
صيد الفئران لعبد القادر منلا تحاول كسر المحرمات:هل بدأ المسرح يعود الي سورية أم انها حالة الاضطراب فقط؟دمشق ـ القدس العربي ـ من يارا بدر: يبدو أنّ حالة الاضطراب السياسي التي تخيّم علي الأجواء السورية، لم تكن سلبية بالمطلق، فالاضطراب من حيث هو في الجوهر اختلال في الوضع الساكن، ليشكل حراكاً ينعكس علي مختلف الصعد، وان انعكس الاضطراب السياسي بشكل سلبي علي الاقتصاد السوري ـ وهذا متوقع ـ فانه قد شكل بعثاً في الركود الانساني والثقافي للمواطن السوري، الذي استسلم لعجزه منذ عقود ٍ مضت، هذا المواطن الذي عاد الي البحث ولو قليلاً عن اهتماماته الانسانية الأعمق من متطلبات الحياة اليومية، هذه الاهتمامات التي همشت طويلاً. وقد تجلت مظاهر هذا البعث الجديد علي خشبة المسرح، فبعد سنوات من المواضيع المكررة والمستهلكة، المتساوية غالباً في مستوي السلبية، عادت الخشبة السورية لتبرز بالدور الذي شهدته في السبعينيات.ربما كانت البداية بعرض جواد الأسدي حمام بغدادي الذي طرح اشكالية المواطن العراقي، ووضعه في الوقت الراهن، في ظل الاحتلال الأمريكي، بمختلف تجلياته، هذا الاحتلال الذي أتي نتيجة ـ ولو ظاهرياً ـ لأزمة حزب البعث العراقي الحاكم. وانطلاقاً من هذه الاشكالية في كل من سورية والعراق، وصولاً الي ظلال الحرب ـ أو التهديد بها ـ التي تخيّم علي سورية، فقد انعكس عرض الأسدي بمستويً أو آخر في نفس ووعي المواطن السوري العادي…. هذا المواطن/ الانسان الذي يبدو وكأنه قد أمسي الهمّ الوجودي الأول للنخبة الثقافية في سورية، فمن عرض الأسدي وعلاقة الانسان بمفاهيم كالوطن والوطنية، الخيانة والاستلاب، التهميش وسيطرة القوة… الي عرض صيد الفئران والبحث عن الجوهر الانساني انطلاقاً من حدود الجسد.برعاية وزارة الثقافة، تقدّم فرقة المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، عرضها صيد الفئران علي خشبة مسرح فواز الساجر الدائري في المعهد العالي للفنون المسرحية، بتوقيع الدكتور عبد القادر منلا. والعرض الذي حافظ علي اسم النص الأصلي، كان أميناً ـ بدرجة أو بأخري ـ علي مضمونه الفكري. الذي يطرح بأسلوب بسيط تساؤلاته حول الحضارة وزيفها، حول النقاء الانساني بمعناه العميق. اذ يتغلغل النص ـ ومعه العرض ـ الي الداخل، حيث أعماق الانسان التي تخفي الانسان البدائي، النقي من كل مفاهيم وأوهام الحضارة وتقنياتها.(هو ـ هي ـ ورجلان) شخصيات بلا هوية، بلا أسماء، تطالعنا في مكان ٍ مُظلم، نكتشف أنه مكب قمامة المدينة، بقذارته ورائحته النتنة، وعلاقة غريبة ترتسم في الأجواء، لتبدأ هذه الشخصيات (هو: جابر جوخدار ـ هي: رغدة شعراني) في لعبة، كما لعب الأطفال، هنا اسمها التفكيك، ولكنها في الحقيقة هي التعرية، فمع كل قطعة تُزال أو شيء يُرمي الي القمامة، ينكشف مستوي آخر في الانسان… وتُزال طبقة جديدة من تعقيدات الحضارة، التي شوهت الانسان وعلاقته بالآخر والمكان.يقوم النص علي لعبة أخري، لا نكتشفها الا في النهاية، لعبة الفئران، الفئران القذرة الضخمة الرمادية اللون بعيونها الوردية… تعبث هنا وهناك، (هو) لا يَشعر بالسعادة الا عندما يَقتل هذه الفئران، ومع مرور لعبة التفكيك/ التحوّل يتناسي وجودها، ويغدو مرتبطاً بالآخر (هي) في علاقة جميلة، علي مستوي انساني يمزج الصداقة بالحب، علاقة تمتلك براءة وعفوية… ولكن في النهاية يأتي من يقتل هذه العلاقة وأبطالها، باعتبارهم فئراناً… فئران قذرة ويجب القضاء عليها، لنتساءل ببساطة: من هي الفئران ؟! من هم القذرون بعيون وردية ؟!انّ المدينة المنظمة الاسمنتية، النظيفة، بعلاقاتها الاجتماعية القائمة علي النفاق والزيف، وتعقيداتها التي قادت الفرد/ الانسان الي عزلة شديدة، قد ألغت عبر أوهام الحضارة والتميّز والرُقي أبسط حاجات البشر، الحب، التواصل مع الآخر في علاقة انسانية، مهما اختلف أو تنوّع مستواها… ان هذه المدينة تغدو زائفة وكأنها هي مكب النفايات. اذ انّ مكب نفايات هذه المدينة، هو مكان للتعرّي من الزيف، وقذارات المدينة، لمواجهة الحقيقة التي قد تبدو جميلة علي بساطتها وتواضعها، فالانسان هنا بين القذارة والأوساخ أنقي مما هو عليه في العالم الخارجي ـ عالم المدينة، وهو هنا ينتهي الي أن يُعَد ويُقتل علي أساس أنه فأر، انّ أوساخ وأوهام الحضارة هي التي أصبحت تعطي الانسان انسانيته، مع الغاء لكل الفرادة والأصالة الانسانية الفطرية، اذ يُقتل هذان الفأران من قبل رجلان، أيضا ً بلا هوية، بلا ملامح، بلا اسم، لا شيء أكثر من البارودة (أحد اختراعات الحضارة، والبذلة الرسمية / عرف الأناقة الاجتماعي ! هذا الذي يُحيل الي حيث ينتميان، الي المكان الخارجي) الآخر، الي المدينة !الدكتور عبد القادر منلا وطاقم العمل، بدءاً بممثليه ومساعده بلال شحادات ينجحون في تطعيم العرض بمختلف التلوينات التي تنجح في كسر ثقل الخطاب الفكري الجامد، بدءاً بعفوية الحوار والمساحة المعطاة للمثل في أثناء العرض للارتجال، وهي مساحة نجح كلا الممثلين في اللعب عليها واستغلالها ببراعة محترفين، الي ثلاث رقصات، قدمها طلبة من قسم البالية في المعهد. لقد أضاف الدكتور عبد القادر الي شخصيات النص الأصلية الأربع، أربع شخصيات تلعب دور الفئران، وهي تتحوّل مع تحوّل بطلي العرض. هذه الفئران تعكس بدورها مُجمل فكر النص، ولكن في رقصات الجسد، التي صممها علاء كريميد وهو بدوره أحد طلبة قسم البالية. رقصات تتصف بالقوة والحيوية، رقصات نجحت في أن تعكس عبر أداء راقصيها حالة النص، ففي البداية هي رقصات مُنكمشة، فيها غضب وتوجه خائف، شرس نحو الآخر، ولكنها في النهاية، عندما تخلع الفئران لونها الرمادي، مُفسحة ً المجال لبياضها الداخلي أن يظهر، تغدو رقصات أكثر حرية و ألفة، وأكثر اشراقاً. انّ هذه الرقصات، اضافة لانسجامها في نسيج العرض وجماليته، تطرح بُعداً آخر للجسد، والجسد حاضر في العرض بأكثر من مستوي. وهنا أعود الي البداية، التي قلت فيها أنّ الاضطراب السياسي قد انعكس في مستويات مختلفة، ففي حين كان الحديث في السياسة والدين والجنس ممنوعاً، فقد أفسح مجال الحديث في السياسة مجال الحديث في الجنس، فواحدة من جماليات العرض، التي يتجاوز فيها النص، حيث يعمل هذا الطاقم علي ابراز الجسد بوضوح اكبر، والعرض لا يقول شيئاً جديداً في هذا السياق، الا أنّ أهميته تتأتي من كونه يقول علانية ً كل ما يُقال في الخفاء، يكشف ويعري سكان المدينة، بألفاظ صريحة وواضحة، دون مواربة. وأظن أنّ الوقت قد حان لخطوة من هذا النوع، خطوة لا تقع في فخ الابتذال، الذي وقعت فيه المحاولات السابقة، التي اعتمدت علي المواربة في أغلب الأحيان، ولكون مثل هذه المحاولات كانت تأتي غالباً مُقحمة في سياق العرض، فتكون النتيجة كلمات أو أفعال فجة تدعو الي النفور.وهذا يقودنا الي الدراماتورجية الجميلة للأستاذ مصطفي عبود، دراماتورجية دقيقة، مزجت مختلف عناصر العرض في تناغم هادئ مع نسيج النص الأصلي، بدءاً بالموسيقي التي أعدّها الدكتور سامر عمران، وهي موسيقي قوية في لحظات وناعمة في لحظات أخري، حسب تقلبات العرض الانفعالية. مروراً بالديكور الذي صممه ونفذه طلبة من قسم السينوغرافيا في المعهد (أنس نصّار ـ محمود الحلبي ـ مريم سمعان) وانتهاءً بالاضاءة التي صممها الأستاذ ماهر هربش، وهي اضاءة تراوحت بين اللون الأزرق في درجات مختلفة، تلونت بين الفاهي والغامق حسب الدلالة التي يعكسها في كل حالة، وحسب الزاوية التي ينطلق منها، مع اللون لأحمر في لحظات قليلة، أو الأصفر الباهت في بعض الأحيان. وان لم تتسع رقعة الألوان التي اعتمدها المصمم ماهر هربش، الا أنّ مساحة الزوايا قد اتسعت بدقة وتوازن مدروسين لتشمل الصالة والمنصة وحتي السقف.والجمهور الذي اعتاد منذ زمن المشاركة في العرض، ولو رغماً عنه، بشكل ٍ أو بآخر من أشكال التغريب البريختي، كان هنا في موقع مختلف نوعاً ما ـ ان صح القول ـ اذ تمتد اليه سينوغرافيا المكان، لتشمله وتجعله ضمن حيز اللعبة، فمن بين مقاعد المتفرّجين السُفلية، تمتد أنابيب المجارير التي تأتي عبرها الفئران، دخول بسيط وهادئ يكسر التقليدية التي أمست لدينا كسوريين في الدخول الصاخب عادة ً للممثل من بين مقاعد الجمهور، هذا الدخول الذي أتي في حالات مسرحية عديدة مُفتعلا وبلا داعي. التوجه الأبرز كان باعتبار الصالة ككل جزء من الامتداد المكاني لمكب القمامة، فالصالة والمنصة هما مكان واحد، والمدينة تقع خارج حدود هذا المكان، وهكذا يمتد مفهوم الفئران ليشمل الجمهور، وان كنت أتساءل هل نحن ـ كأفراد من هذا الجمهور ـ مع نقاء هذه الفئران، أم أننا مع سُكان المدينة التي تهوي قتل الفئران القذرة ؟!وفي النهاية، أنحو أبعدَ قليلا عن العرض الجميل، وأتساءل هل بدأ الثالوث السوري/العربي المحرّم في الانكسار ؟! أم أنها فقط حالة اضطراب، سيعود من بعدها السكون الهادئ للموت ليلفها من جديد؟!!بطاقة العمل: ـ النص: صيد الفئران ـ بيتر توريني. ـ العرض: صيد الفئران ـ د. عبد القادر منلا. ـ دراماتورج: مصطفي عبود. ـ الممثلون: جابر الجوخدار ـ رغدة شعراني ـ سيف أبو أسعد ـ سعد لوستان. ـ الراقصون: حور ملص ـ رونزا الشلاح ـ دارية جميل ـ سالي بيتنجاني ـ رشا سرياني ـ فادي شاهين. ـ تصميم الاضاءة: ماهر هربش. ـ مساعد مخرج: بلال شحادات. ـ اعداد موسيقي: د. سامر عمران. ـ تصميم الرقصات: علاء كريميد. ـ تصميم وتنفيذ الديكور والاكسسوار: انس نصار ـ محمود الحلبي. ـ تنفيذ الصوت: بلال شحادات.2