ابراهيم الحيـسن
مصطفي بوجمعاوي ـ المولود عام 1952 بأحفير/وجدة ـ واحد من أجود الفنانين الشكيليين المغاربة المعاصرين الذين أثروا الساحة التشكيلية الوطنية والعربية بكثير من التوقد والابداع.. في رصيده العديد من المعارض الوطنية والدولية، فضلا عن تكوينه الأكاديمي المتعدد بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان والأكاديمية الملكية للفنون الجميلة ببروكسيل والمدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة بباريس. يشتغل راهنا أستاذا مؤطرا في شعبة الفنون التشكيلية بالمركز التربوي الجهوي بالرباط.1 ـ كؤوس حياتي:
بعد المرحلة الأكاديمية، التي تعد عتبة أساسية في المسار الفني الذي نحته الفنان بوجمعاوي وما رافقها من انفتاح بصري علي تجارب تشكيلية عالمية رائدة في سياق مراكمة الخبرة، وبعد تجربة الحدائق الخيالية (أو المونوكرونيات الخضراء: 1985 ـ 1988) التي تشهد علي مرحلة بيئية جافة عاشها الفنان بشرق المغرب (مسقط رأسه)، ستنبثق فكرة الاشتغال علي الكأس كتيمة جمالية ستلازم أبحاثه الصباغية لاحقا. وحين تراكمت لديه سلسلة أعمال ملونة علي هذا المستوي، أطلق عليها اسم: كؤوس حياتي، وهي مجموعة من القطع التشكيلية المتسمة بادماج الكأس كشيء /Objet تم عرضها لأول مرة سنة 1990 برواق باب الكبير بالرباط.
وامتدادا لهذه المغامرة الجمالية الجديدة، قدم الفنان بوجمعاوي صيغة أخري لعرض كؤوس حياته حية ضمن تجربة روح الأمكنة ـ Esprit Lieux التي احتضنها المعهد الثقافي الفرنسي بالرباط في شباط (فبراير) 1997. فهذه الكؤوس (الشفافة) مثلت قطعا فنية (50 X 50سم) برزت ضمن ارساءات تشكيلية، أو الرسم بالأشياء، تم عرضها كشكل من أشكال الاشتغال علي الهنا و الهناك التي تروم تكسير نمطية المشاهدة لدي المتلقي المغربي، أو خلق نوع من التدخل الفرجوي في الفضاء بتعبير الفنان.. أليست هذه الكؤوس دليلا علي أننا دائما في مكان ما.. ومن مكان ما كما كتبت الناقدة رين برات ـ R. Prat، مقدمة الدليل علي ان كل المفردات والأشياء الجمالية والتعبيرية التي يوظفها الفنان بوجمعاوي في ابداعاته التشكيلية تحمل في داخلها (وخارجها) هوية زمانية ومكانية تكشف عن كثرة رحلاته وتنقلاته، وتمنح العمل الفني لديه أبعادا مرئية كثيرة ومتنوعة.
وبلجوئه الي توظيف الكؤوس وأشياء أخري استعمالاتية مستمدة من الواقع (الكأس، الحقيبة، مجسم للكرة الأرضية، الجريدة..)، واعادة صياغتها وتشكيلها وفق توليفة ابداعية حداثية موحدة في بنائها المفاهيمي والذهنوي (لكنها متنوعة من الداخل)، يكون الفنان بوجمعاوي قد نجح كثيرا في منح المتلقي جواز سفر افتراضي ينطلق عبر خرائط جغرافية وهمية تتداخل فيها المسافات والأزمنة بمعناهما الفضائي والتاريخي.. الجريدة كمكون للوحةعقب ذلك، سينخرط الفنان مصطفي بوجمعاوي، بشكل ابداعي قوي، في احتراف التعبير الصباغي علي الورق، اذ بدأ تألقه واضحا منذ تجربة الاشتغال علي الجريدة كمكون للوحة. في هذه التجربة المسماة بتقنية البيكتوجورنال، حلت الجريدة محل القماشة واستبدلت النصوص بكتـــابات تشكيلية تعتمد اللون الاصطلاحي الخاضع لضربات فرشاة دقيقة ومتجـاورة، وكذلك الرسوم الخطية المختـــــزلة التي تحيل علي عالم السفر عبر قافلة ابل مستعارة من احدي منمنمات الواسطي التي يعود تاريخها الي القرن الثالث عشر الميلادي/بغداد 634هـ (متحف بوردو ـ فرنسا 1993 ورواق ملتم بالبيضاء 1994).. هذا الافتتان بعالم الترحال والسفر، يرسم في عمقه الحس البدوي الذي يميز الفنان بوجمعاوي وتمسكه بثقافته الصحراوية وعفويته وعمق تأملاته، وهو ما جسده أثناء اقامته بحي الفنانين بباريس عام 1995، حيث أنجز كراسة تجوال، تم عرضها في السنة الموالية بالمعاهد الثقافية الفرنسية بكل من البيضاء والرباط وفاس.
يقول الفنان متحدثا: عندما أنتقل الي مكان معين، أجد لي نفسا جديدا وأكون في حالة من حالات الرضي التي تتفجر فيها الأفكار ويلهمني ذلك وكأنني رحالة سعيد.. الابداع يقودني الي غير مكان، أي الي نهاية وحدود العالم الذي نحن فيه، وأبدأ حياة أخري في سياق جديد وقارة جديدة.. وأسير نحو البداية، وألمس استحالة العالم الذي يحتضننا، كما نواصل فيه وجودنا وأذهب نحو التنوع ونحو فن الآخر والمجنون والمتصوف والساذج والبدائي.. ان الروح، لكي تنمي المعارف والعلاقات البشرية، ليس لها مكان محدد، كما ليس للفن وطن، الابداع ليس أيضا حدثا منتظما، مستقلا.. انه يتجلي دائما بآثار السياق، ولم يعد من الممكن أبدا ان يعتبر الانسان والمحيط كنهين مغلقين كلاهما مخالف للآخر.. وتتوطد بينهما علاقة تهيكلها التأثيرات.. لكل عمل حالي جذوره.. فلا يتولد شيء من لا شيء.. في عملي توجد دائما تقاليد تتوزعني، هي التقاليد المغربية التي أحياها والتقاليد الأجنبية التي أعبرها والآخر المتخيل.. ان هناك ذهابا وايابا بين هنا وهناك والي غير مكان.. فتفكيرنا اليوم هو تفكير الرحالة المتنقل، والحدود الجغرافية لم يعد لها وجود والأفكار تنتشر بوتيرة متسارعة. وأنا أرسم هنا في مكان ما والضوء يسري والنظر لا يتوقف… فهذه التجربة الجديدة في المسار الصباغي للفنان بوجمعاوي، تمتد لأبحاثه الجمالية السابقة، وقد عرضت في نيسان (أبريل) 1996 برواق برنانوس بباريس. فهي تميزت بتحول جديد دشنه الفنان، اذ يقوم علي ثنائية الفيزيائي والفكري لدرجة أصبحت فيه العلامات الأيقونية التي كان يوظفها بشكل متكرر تنطفئ تدريجيا داخل الشفوف اللونية التي أمسي يستعملها وفقا لسنـائده الورقية والزجاجية الصلبة والشفافة في آن.. (ان الحركة الفيزيائية والتفكير الذي أستوحيه من أعمالي التشكيلية الجديدة، ليمثلان التصور الجمالي الذي أتساءل انطلاقا منه. اني أتناول التصوير كما الرسم علي ورق حر طائر، وذلك بالتعامل مع علاقة الصلابة بالخفة، حيث تنطبع أشكال ونماذج هي مجرد تنفس للقفز.. ـ الكلام للفنان بوجمعاوي).. ان اللوحات التي نفذها الفنان بوجمعاوي، في هذه التجربة، ظهرت بداية في شكل سلسلة ورقيات متقايسة الأحجام ومتقاربة التيمات، لكنها ظلت، في الآن نفسه، تقوم علي خلق مجموعة من التنويعات التعبيرية (التركيب الخطي، الطي، التغرية والكولاج، التقطير الصباغي..)، الشيء الذي حولها الي قطع تشكيلية منفتحة علي توليفات صباغية جديدة موسومة بايقاعات لونية متنوعة.. بل مكسوة بنوتات طيفية مدروسة في هيئة نقاط لونية مكثفة ومتجاورة تبعا لضربات فرشاة مقدرة ومكتنزة.. ولا شك في ان المتتبع لهذه الابداعات الصباغية، ستشد ابصاره تلك الايماءات التصويرية والتشكيلات التنقيطية الملونة والخيالات الخطية المشخصة المتراكبة بأسلوب التداخل والامتزاج الذي يشي بالحركة (حالات وحركات الجمال/القافلة)، فضلا عن الألوان التي يختارها وفق تقاربها الضوئي، حيث تتحرك وتتفاعل في ما بينها علي مسطح اللوحة، لتسهم في بنـــاء معزوفة لونية بتوازن كبيرـ وانتشار مكثف ومتراص. هكذا تتحول هذه الأعمال الي بكتغرافيا ناطقة بأصوات لونية موسيقية تدعو القارئ الي محاورتها وتكليمها لأنها مفعمة بخاصية انطباعية في صورة حداثية متطورة علي المستوي الزمني.. في هذه الابداعات، غنائية خاصة تري وتسمع علي نبرات عالية من الألوان التي يشع فيها المعني والرمز بين كثافة وشفافية العناصر والمفردات التعبيرية داخل مساحات حرة، حيث تطل العين علي خرائط مساحية.. ومساحات خرائطية للأزمنة والأمكنة.. خرائط ومساحات الذاكرة التي تأخذ حدودها في فضاء تعبيري رمزي محموم باللون، وتخترقه -أحيانا- بعض النصوص الايضاحية المقروءة، مما يعطي للقطع الصباغية أبعادا مرئية كثيرة ومتعددة، لكن بهوية جمالية موحدة.. وبعد فترة ابداعية أخري اتسمت بكثير من البحث والتأمل، سيعاود الفنان مصطفي بوجمعاوي فكرة الاشتغال المفاهيمي ـ conceptuel علي الشاي، لكن هذه المرة كمادة ملموسة يتم ادماجها في بناء القطعة التشكيلية بألوانها وملمسها ورائحتها الطقوسية الجميلة.. تجربة ابداعية حداثية ارتكزت علي فكرة الحدث وادماج الفضاء في التعبير التشكيلي. وقد قدم الفنان في هذا السياق مجموعة من الارساءات الجمالية التي تم عرضها بداية بالشقة 22 بالرباط (شارع محمد الخامس)، ثم عقب ذلك بمتحف مراكش خلال عام 2004 باضافة سيريغرافيات متنوعة تعكس المستوي الابداعي الراقي لهذا الفنان الطلائعي.. ولنا عودة لمقاربة هذه التجربة الجمالية المتفردة في مقال قادم بحول الله.. ناقد تشكيلي من المغرب.