حتي لا تُنسي الأحداث بعضها…

حجم الخط
0

حتي لا تُنسي الأحداث بعضها…

ربيع الحافظحتي لا تُنسي الأحداث بعضها… لكل احتلال ثلاثة أطوار: فكرة تعد له، وأخري تقطف ثمرته، وما بين الفكرتين حرب. أي أن التخطيط يشكل ثلثي مشروع الاحتلال، والثلث المتبقي هو المجهود الحربي، وهو مجرد وسيلة، والتعامل معه فقط لا يكفي. يصنّف الطور الأخير من الاحتلال بأنه الطور المدني، الذي يختفي فيه اللون الخاكي، وتتواري في الدبابة، وترتفع فيه قبة البرلمان، وتفتح فيه السفارات، وتنطلق فيه الأحزاب، ويسُد فيه الدستور والصحيفة والأغنية مسد الدبابة. هذا الطور هو الأخطر بالنسبة للشعب وقوي الاحتلال علي حد سواء، وكم مشروع احتلال فشل في هذا الطور، حيث مقولة كسب الحرب وخسر السلام؟ الشعارات وخطب المساجد والمظاهرات وأعمال المقاومة والاضرابات ستستمر في هذا الطور، ولكن في الطرف الآخر من المشهد ستتشكل الحكومة الوطنية بمقاييس الاحتلال، وتنشأ الأحزاب والصحافة والانتخابات، وتمهر الحكومة الوطنية علي التحولات العميقة المقدمة لها.وينشأ جهاز أمني جديد من متواطئين محليين مع المحتل علي غرار الحال في فلسطين، وسيكون ضعاف النفوس الذين حرقوا التراث والمؤسسات آذاناً وعيوناً للمحتل، وربما اختير يوم سقوط بغداد يوماً وطنياً في العراق (ہ).سيشهد العراقيون في هذا الطور تغير مناهج التعليم، وإغلاق ملجأ العامرية، ومنع أنموذج متاحف هيروشيما وناغازاكي في اليابان التي تؤسس للذاكرة الجماعية الجديدة، وسيغلق ملف اليورانيوم، وستبتلع الشركات متعددة الجنسيات الحِرف الصغيرة ويتحول أربابها إلي رعايا للشركة قبل الدولة، وسيكون إعلان الخطط التنموية للحكومة كشفاً لعدد الوظائف التي ستستحدثها الشركات متعدد الجنسيات التي ستكون وزارة التشغيل الحقيقية.هذا الطور بحاجة إلي إدارة تحقق الغاية التي أتي من أجلها المحتل. حقيقة تنسحب علي المحتل النازي لفرنسا وحكومة فيشي الدمية، وعلي المحتل الصهيوني، واتفاقيات أوسلو التي أرادت لمنظمة التحرير ذات الدور، وقد سد وضوح الرؤية لدي الشعب الفلسطيني مسد جيوش الحلفاء التي هبت لإسقاط حكومة فيشي وتحرير فرنسا.لابد لهذا الطور الجراحي من عنوان، ولا زال يعلق في الذاكرة عنوان تعلمناه ونحن صبية في المدارس وهو العصملي (أي العثماني) الذي كان نعتاً لكل ما يراد وصفه بالتخلف والتخلص منه لمآرب مستترة. سيختار المحتل لهذه العملية عنواناً ذكياًً، لن يكون هذا العــــنوان De-Arabification إجتثاث العـــــروبة أو De-Islamification إجتثاث الإســــلام ، وإنما عـــــنواناً سهــلاً مشتقاً من مواجع الناس ومشاعرهم الملتهبة، ولن يكون هذا العنوان إلا De-Bathification، (اجتثاث البعث) لتكون كلمة بعثي عنواناً لخيانة عظمي مستتر معناها الحقيقي، وغاية يبرر استئصالها كل وسيلة، وتهمة لكل ناشط يعمل في الاتجاه المعاكس (ہ).وها هم علماء العراق وأدمغته يصطادهم رصاص الموساد وإطلاعات (المخابرات الإيرانية )، والمليشيات المتحالفة مع إيران بشكل منظم الواحد تلو الآخر تحت هذه اللافتة وهم منها برآء. وقد ثُبّت الجرم المعنون اجتثاث البعث في الدستور، ليحدث عقدة ذنب وندب ثقافية مزمنة، وشخصية جماعية اعتذارية لدي المعنيين بهذه المقاصصة وهم العرب السنة، وقد آتي هذا الأسلوب السيكولوجي في التعامل مع الشعوب ثماره مع أجيال الشعب الألماني، التي لم تعد تفرق بين أمجاده وتفوقه وفروسيته وبين جرائم هتلر.الاحتلال الأمريكي وباتفاق الجميع غارق في هذا الطور إلي شحمة أذنيه، ومشتتة امكانياته بين التعامل مع المقاومة التي أنهكته عسكرياً وأحرجته محلياًً، وبين العثور علي صيغة سياسية تحقق له مبتغاه، أو ما أمكنه إلي ذلك سبيلا.لابد هنا من التأكيد علي أن الواقع الذي انطلقت منه الإجراءات الأخيرة لهذا الطور المسماة الانتخابات لتشكيل الحكومة الدائمة، هذا الواقع جاء محاطاً بجملة من الحقائق الميدانية، منها: أنه جاء مسبوقاً بشهرين فقط بأكبر عملية تزوير استفتاء علي دستور، ومع ذلك مُرّر الدستور وأهملت الطعونات ? أنه ظرف يبحث فيه الاحتلال بشكل يئوس عن صيغة وطنية تنوب عنه في تصريف شؤون البلاد وفقاً لتشريعات الحاكم الأمريكي المدني المنصرف بريمر? أنها انتخابات محدد فيها وبشكل مسبق سقف المقاعد التي تحصل عليها كل طائفة بغض النظر عن عدد الأصوات التي تحصدها ? أن انعقادها باشتراك جميع فئات المجتمع هو إسباغ صفة الشرعية لاحتلال اتهم حتي اللحظة التي سبقت المشاركة الجماعية في الانتخابات بتمزيقه لنسيج المجتمع وإقصائه لكبري فئاته السياسية ? اضفاء صفة الشرعية علي القوانين التي سنها الاحتلال وضمنها في الدستور وغير القابلة للتعديل ? أن الانتخابات لا يمكن أن تتمخض عن أكثر من حكومة ائتلافية هشة يمكن إسقاطها في التوقيت المناسب.مهما كانت طبيعة حكومة الوحدة الوطنية التي يدفع باتجاهها الاحتلال، ومهما كانت نسب الطوائف الممثلة فيها، فإنها لن تكون سوي الآلية التي ستنجز السيناريو القاتم أعلاه.لكن السنة العرب شاركوا في الانتخابات الأخيرة، لا أملاً في أن تستعيد لهم نتائج الانتخابات الدولة المدنية التي أذهبتها المشاريع الانشطارية المذهبية والقومية، ولا لبث الروح من جديد في المفاهيم الحضارية العربية الإسلامية التي داست عليها أقدام الصفويين، وحرق تراثها، وإنما محاولة لاختزال الهيمنة المطلقة لحكومة الحوزة علي الوزارات والأجهزة الأمنية وكف الأذي والتطهير العرقي والمذهبي الذي تمارسه أجنحة هذه الحكومة باسم الدولة والقانون.إن أفضل سيناريو لدي المحتل هو الإبقاء علي خريطة العراق كما تظهر في أطالس الجغرافية، لكنه علي أرض الواقع جثة هامدة لا حراك فيها، تعجز عن اتخاذ أتفه القرارات، وهو أنموذج لدول مشروع الشرق الأوسط الكبير المتعثرة دواليبه بعصي المقاومة العراقية.عند فراغ العراقي العربي السني ـ أو من يشترك معه بالمفاهيم من العرب الآخرين والأكراد ـ من قراءة هذه الأسطر، سيتمثّله القول الشعبي القائل: الذي يتلقي العصي ليس كمن يحصي عددها ، وهو عين الحكمة.لكن ما تُقدم عليه النخب السياسية للسنة من قبول لفتات الموائد، لا يمكن أن يكون خيار الفئة التي أطلقت واحتضنت أشرس مقاومة ضد أعتي احتلال، وتمسكت ولا تزال بخيار عراق موحد مستقل. هذه الفئة التي أظهر مقاطعتها للانتخابات الأولي أنها الكتلة السياسية الكبري وبنسبة 42% ـ وأنها سليلة النظام السياسي التاريخي الذي حكم المنطقة وصاغ هويتها السياسية، ورسم شكل علاقاتها مع أمم الأرض الأخري، هذه الفئة لا يمكن أن تصدق أن وصفة يضعها المحتل يمكن أن تفضي إلي التحرير المنشود.ما تلجأ إليه هذه النخب ـ باعترافها ـ هو تضميد لجراحات نازفة، ولا يمكن اعتباره رؤية استراتيجية. إذا كان شح الأوراق السياسية هو العذر، وهو صحيح، فما الذي يمنع السنّة من البحث في عمقهم الجغرافي الإقليمي والتاريخي عن أوراق جديدة، بعد أن هتف الآخرون بأعلي الصوت من معاقلهم في الفيدرالية الصفوية الجنوبية وفيدرالية كردستان، وبشكل رسمي بنبأ وفاة الدولة الوطنية، وبحثوا عن أوراق لهم عند أمريكا وهندراوس وبولندا وإيطاليا وكوريا وبلغاريا واشتركوا معهم في هدم المدن العراقية فوق رؤوس ساكنيها؟!ہ كاتب من العراق يقيم في لندن(ہ) أي احتلال نرفض؟! ( مقال للكاتب 6/6/2003)[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية