محنة غزة وعبثية السباق بين الشكلي والحقيقي

حجم الخط
2

هناك قضايا حقيقية تواجه الامة وتتحداها واخرى مفتعلة، وكلاهما من موانع ازدهار امة العرب والمسلمين. من القضايا الحقيقية وجود الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، الذي يمثل واحدا من اهم عوامل تفكك الامة وتأخرها. فوجود كيان سياسي غريب يحتل واحدة من أقدس البقاع وأعمقها في وجدان الامة سيظل واحدا من اهم مظاهر مرضها وتعاستها. والواضح ان محاولات التطبيع طوال العقود الاخيرة لم تستطع القفز على حقائق الواقع وان الامة ترفض وجود هذا الكيان. بل ان السلطة الفلسطينية نفسها، بعد عشرين عاما من التفاوض، ادركت عدم جدوى ذلك وان الكيان الاسرائيلي يواصل سياساته التوسعية بدون توقف. ويكفي مراجعة خريطة الكيان الاسرائيلي منذ العام 1948 ليتضح انه يتوسع بشكل مضطرد. وما بناء المستوطنات في الضفة الغربية ومحاولات تهويد مدينة القدس وبناء المستوطنات على اطرافها الا تأكيد لظاهرة التوسع الاسرائيلي. ولقد ابتليت الامة بانظمة حكم استبدادية تخلت عن مشروع تحرير فلسطين منذ عقود، في مقابل الدعم الانكلو ـ أمريكي لبقائها في الحكم. وحتى حين انطلقت ثورات الربيع العربي بهدف كسر الجمود واحداث تغيير في النظام السياسي العربي انبرت قوى الثورة المضادة ومن ضمنها السعودية و»اسرائيل» لمنع ذلك وتم اجهاض كافة الثورات. بل ان الوضع تداعى اكثر فاصبحت الدول التي شهدت الانتفاضات الشعبية واسقطت رؤساءها تعاني اضطرابات امنية وسياسية داخلية غير محدودة. فما يجري في مصر وليبيا وسوريا والعراق واليمن يكشف كيف تمت هندسة اوضاع هذه البلدان لتصبح اكثر اضطرابا وأقل قدرة على ممارسة الدور المتوقع منها في خضم الصراع العربي – الاسرائيلي. وبظهور ظاهرة الارهاب والتطرف اصبحت الظروف مؤاتية للتمزق الذي تشهده الامة والذي يحول دون قيامها بدور فاعل في معركة التحرير والبناء والتنمية.
ثمة قضايا مفتعلة فرضت على الامة في السنوات الاخيرة من قبل القوى المضادة للتغيير او ما اصطلح على تسميته «قوى الثورة المضادة». هذه القوى تضم طرفين اساسيين: قوى الاستبداد العربية (بزعامة السعودية) وقوى الاحتلال والهيمنة (اسرائيل وامريكا وبريطانيا بشكل خاص). هذه القوى تعمل كفريق واحد لاجهاض مشاريع التغيير والتنمية الحقيقية والاستقلال في العالم العربي. فالثورات مضرة بهذه القوى لانها تهدد العروش الملكية البالية، كما تعطي الشعوب دورها في صنع القرارات المصيرية وعلى رأسها قضية فلسطين. فالمصالح المشتركة لهذه القوى دفعتها للعمل الامني والعسكري الممنهج بهدف الحفاظ على الوضع الراهن في العالم العربي وعدم دعم محاولات التغيير التي قد تأتي بانظمة تتناقض مصالحها مع اي من الطرفين او كليهما. بدأ هذا التحالف غير المقدس بعد انطلاق الربيع العربي باسابيع، مستخدما وسائل عديدة فاعلة. فانطلق في بدء الامر باعادة توجيه الاعلام لاستخدامه كسلاح ضد مشاريع التغيير، وساهم هذا الاعلام في غرس بذور الفتنة التي أطلت برأسها لاحقا وأدت الى حمامات الدم التي تجري في اكثر من ارض عربية. المشكلة ان البعض ينظر لكل حالة بانفصال عن الحالات الاخرى، وبالتالي تتشوش الصورة العامة التي تمثل المشهد البانورامي لحقيقة اوضاع العرب والمسلمين. فالصورة العامة تربط ما يجري في العراق من ارهاب وتطرف وطائفية بما جرى في مصر من انقلاب عسكري مقيت. كما تربط بين تمدد مجموعات العنف والتكفير (التي هي الطرف الابرز في مشروع الاسلام الجهادي (الارهابي) وتقلص نفوذ مجموعات الاسلام السياسي. ويربط كذلك بين مشروع قوى الثورة المضادة الذي يتبنى في جوهره القضاء على الاسلام السياسي واستهداف حركة حماس والجهاد الاسلامي. ولا يفصل المشهد البانورامي كذلك بين استهداف حزب الله اللبناني وحماس الفلسطينية او الاخوان المسلمين المصريين. ولذلك لا تبدو الحرب الضارية على غزة هذه الايام مثيرة للمجموعات التي ترى قضيتها الاولى، ليس الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين وما يستتبعه من سياسات النفوذ والهيمنة، بل تروج مقولة «ان علينا مواجهة العدو الاقرب» ويقصدون به مخالفيهم في الفكر والانتماء المذهبي.
النظرة البانورامية للمشهد السياسي غائبة عن اغلب المفكرين ورموز النخبة. ففي الاعم الاغلب تتم قراءة المشهد الواحد ضمن اطره الخاصة، منفصلا عن المشاهد الاخرى. وبالتالي يبدو مصير كل من حركات الاسلامي السياسي غير مرتبط بما يحدث للآخر. هذه النظرة الناقصة لا تقدم قراءة وافية للمشهد السياسي الذي حدث فيه العدوان الاسرائيلي على غزة مستهدفا حركتي حماس والجهاد الاسلامي بهدف القضاء عليهما تماما. ولذلك كان من الاجدر ان يقرأ منظرو المشروع الاسلامي هذه التطورات ضمن سياق التفتيت والتمزيق والاجهاض ومنع التغيير. يحدث ذلك في اجواء يهدف الغربيون فيها لجذب اموال النفط الهائلة من انظمة الاستبداد في شكل صفقات سلاح عملاقة. كما يسعون لضمان تدفق النفط بمعدلات كافية واسعار معقولة من جهة، وضمان امن هذه الانظمة ووجودها من جهة اخرى. وهنا يتم افتعال القضايا الهامشية وتحويلها لدى مجموعات التطرف والعنف، وهي مجموعات ضحلة الثقافة والوعي الديني، الى قضايا جوهرية تتطلب من الامة التصدي لها بحزم. فالشعوب العربية والاسلامية عاشت قرونا في ظل اجواء تفاهم وقبول مشترك بين كافة مكوناتها العربية والدينية والمذهبية، ولم يكن الاختلاف يوما سببا للتناحر والاقتتال او التكفير. كما لم يكن جمهور المسلمين، عبر العصور، متطرفا، بل كان كبقية الشعوب، يتسم بالاعتدال والوعي، وتتوافق مكوناته على العيش المشترك واقتسام لقمة العيش. هذا هو الاسلام، وهذه هي الانسانية، فما بال الوضع ينقلب في الاعوام الاخيرة لتصبح الحرب الداخلية بين ابناء الدين الواحد سيدة الموقف، بينما يتم التخلي عن مقارعة الاستبداد والاحتلال والتدخلات الاجنبية. وفي الدول المحكومة بالقانون والسائرة وفق قيم الحرية والديمقراطية لا يمثل الاختلاف الديني معوقا امام التعاون والعيش المشترك والجهد الموحد من اجل تنمية البلاد وتقوية المجتمع. فالاسلام نفسه احتوى غير المسلمين لبناء حضارته ولم يجبر احدا على تغيير دينه او مذهبه. فصناع الحضارات يترفعون على القضايا الهامشية وينظرون للانسان، بما هو انسان، ولا يمايزون بين الناس وفق الانتماءات العرقية او الدينية او المذهبية. انها قضية هامشية في مقابل المشاريع الحضارية لدى الامم الباحثة عن دور ريادي في قيادة العالم نحو بر الامان والمساهمة في عطاءاتها العلمية.
كم حربا تدور رحاها في بلاد المسلمين، في الوقت الذي تتعرض له غزة وضواحيها لمحاولات إبادة؟ ما ابشع مشهد الطائرات الليبية وهي تحترق في مطار بنغازي، من يفعل ذلك، ولمصلحة من؟ واي فكر او مبدأ يسمح بهذه العبثية؟ من يعبث بماء الفرات ويقطعه عن السكان؟ لماذا تهدم مساجد المسلمين علنا وتدمر اضرحة الاولياء؟ من الذي يقطع الرؤوس ويصلب اجساد الموتى بعد اعدامهم؟ من الذي يسرق النفط من آباره ويبيعه بأسعار هابطة خارج أطر التعامل التجاري المعروفة؟ أليس هذا من مآسي الامة ومحاولات الهائها بقضايا هامشية ليست من الاولويات في شيء؟
لطالما دفع الاسلاميون ضريبة مواقفهم خلال العقود الاربعة الماضية: سجنوا، عذبوا، شردوا، ومع ذلك بقوا هاتفين بالحرية، مطالبين بحق المشاركة في ادارة بلدانهم وانهاء الاستبداد. من الذي انقلب على هؤلاء واستبدلهم بمجموعات لا تعرف الرحمة مع من هم في دائرة الاسلام؟ حين يقتل الاسرائيليون اطفال فلسطين في المدن وعلى السواحل تتفجر قلوب امهاتهم حزنا وغضبا، ولكن الامة استمرأت منظر الاجساد الممزقة بالصواريخ والعمليات الانتحارية، فما عادت تلك المشاهد تحرك فيها الغضب او تبعث فيها النخوة. أليس ذلك تشجيعا للصهاينة للامعان في استهداف الفلسطينيين؟ فها هم شنوا الحرب البرية على غزة، فأين هم اهل السلاح والانتحاريون الذين يستهدفون اخوتهم في الدين في نيجيريا والعراق وسوريا وباكستان وغيرها؟ لقد اصبح مطلوبا القضاء على اي انجاز حقيقي في معركة الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي والهيمنة الغربية، لان من شأن ذلك ان يصنع امة قادرة على الدفاع عن نفسها والثأر لكرامتها. فلا بد من القضاء على ما تم انجازه من انتصارات في 2006 و 2009، واستبدال ذلك بحروب بينية تمزق الامة وتحرفها بعيدا عن مسارات التحرير والتنمية والتلاحم. لقد استعد العدو للحرب ضد اهل غزة باجراءات تجويعية اخرى. فبالاضافة للحصار الجائر المفروض على تلك المنطقة، قطعت كافة المعونات لحركة حماس حتى لم تعد قادرة على دفع رواتب 43 الف موظف في دوائر الخدمات العامة. وحين تصالح الفلسطينيون وتقاربت غزة مع الضفة الغربية، غضب نتنياهو وقرر الانتقام مجددا على طريقته في الاستهداف العسكري وإحكام الحصار والتجويع. اليوم يقف العالم متفرجا على مأساة اهالي غزة، مستنكرا جرائم «اسرائيل» في افضل الاحوال.

٭ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

د. سعيد الشهابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية