احتجاجاً علي الرسومات المسيئة للرسول الأعظم (ص): بطرس الناسك مرة أخري
د. المتوكل طهاحتجاجاً علي الرسومات المسيئة للرسول الأعظم (ص): بطرس الناسك مرة أخريها نحن نعود إلي الكاريكاتير مرة أخري، فقبل ألف عام تقريباً حمل الناسك بطرس رسماً يظهر فيه التركي الفظ وهو يضرب المسيح ، كان الناسك هذا، القصير والغليظ والمسطح، يلوب في المدن والقري يثير الناس ويستفز مشاعرهم، ويحرضهم لتخليص قبر المسيح من الاتراك الملاحدة أو من المحمديين الوثنيين . ونجح ذلك الراهب في أن يشعل حربا ضروساً دامت حوالي 300 سنة، بين عالمين وعقيدتين وثقافتين، كانت حرباً طويلة ومريرة وكئيبة. لم يستطع الغرب فيها أن يلغي الشرق أو يمحوه، ولم يستطع الشرق أن يلغي الغرب أو يدمره . كانت حرباً كافرية خاطئة وظالمة لم يستطع قداسة البابا ان يعتذر عنها عندما زار بلادنا قبل سنوات. الآن، وبعد الف عام، يجب الاعتراف ان محرك هذه الحرب كان دينياً إلي حد كبير، ومن يقرأ أدبيات تلك الحرب من منظور غربي سيكتشف سريعا أن ملوك الغرب وباروناته وأمراءه كانوا يأتون بلادنا للتطهر و للنذور و خدمة المسيح . يجب أن لا نخجل من الحقائق، ويجب أن لا نجمّل الأشياء لأن الموضة الثقافية تستدعي ذلك منّا!ها نحن نعود إلي رسوم أخري وبطرس آخر.الرسوم الاثنا عشر التي نشرتها صحيفة دنماركية تصور هي الأخري سيّد الأكوان والجهات كلّها، سيد الأسياد وأكرم الخلق، نبينا العظيم محمد عليه الصلاة والسلام، وكأنه مصدر الشرور والآفات والارهاب، تماماً كما حدث قبل ألف عام تقريباً. المسلم هو الباديء بالشر، والمسلم هو الذي يمارس الظلم. وإذا كان بطرس قد قضي بضعة أشهر وهو يطوف في انحاء أوروبا، فإن الرسوم الدنماركية انتشرت في أرجاء الأرض في أقل من أسبوع واحد من خلال معظم الوسائل الغربية التي هبّت لنجدة الدنمارك. تلك البلاد الباردة التي يحب أهلها تربية الخنازير وزراعة البطاطا، ويريدوننا أن نحبّ زبدة لورباك والشوكولا الدسمة! وإذا كانت الحروب القديمة قد بدأت برسوم استفزازية، فإن الصور والرسوم الحالية هي ذروة ما يجري في وقتنا الحاضر. وإذا كان شعار الحروب القديمة هو الله أراد هذه الحرب ، فإن شعار ما يجري حالياً هو انتظار لمعركة هارمجدون . الغرب يتوهم المعارك ويتوهم الأهداف وعلي الشرق أن يدفع ثمن هذه الأوهام ـ استعمل هنا كلمة الشرق بمعني الشرق العربي الإسلامي وليس كما قصده محمد أركون مثلاً ـ هذه الرسوم التي جاءت لترصد مدي حرية التعبير وقدرة تأثيرها كما برر ذلك راسموها وناشروها والمدافعون عنها، لم تأت عفواً ولا صدفة ولا عبثاً.لقد جاءت تتويجاً وتأجيجاً لما يجري علي الساحة العربية الإسلامية بلغة أخري، أبسط وأكثر شعبوية، لقد جاءت لترصد ردة الفعل علي إهانة مقصودة ومباشرة وفي الصميم.فماذا بعد نهب الثروات العربية والإسلامية، وماذا بعد تطويع الحكومات وتدجين الشعوب؟!وماذا بعد الاحتلال المباشر؟! وماذا بعد الاطاحة بالانظمة المارقة والعاصية والتحالف مع قوي متخارجة ومتغربنة!! وماذا بعد فرض اسرائيل بالقوة في المنطقة؟! وماذا بعد تغيير المناهج وتعديل البرامج واطلاق فضائيات الوحوحة و العري !!وماذا بعد تغيير شكل الأسرة ومراكز القوة والسلطة فيها!! وماذا بعد التشكيك في الثوابت والمسلمات من خلال مناهج البحث العلمي واخضاع النصوص للهوي العقلي؟! وماذا بعد الشرق الأوسط الكبير واتفاقيات التجارة الحرة والتبادل الثقافي والتطبيع؟!لم يبق إلا أن يُساء إلي شخص الرسول العظيم عيناً وقصداً ووجاهيا، والدخول إلي ذلك من باب حرية التعبير ومدي قدرتها علي التأثير. أي، بكلمات أبسط، فإن أصحاب القرار في ذلك أرادوا من وراء نشر تلك الصور معرفة وقياس تصرف الشعوب العربية والمسلمة علي هذه الاهانة بعد كل الاهانات التي وجهت إليهم. بكلمات أكثر صراحة، ماذا سيفعل العرب والمسلمون في حالة إهانة آخر رموزهم المقدسة، وانتهاك آخر قلاعهم الثقافية والروحية، فالمعارك الأشد هي المعارك التي تدور حول المعابد عادة. سيقول قائل بليغ مصقول إن هذا الكلام يفترض مؤامرة وراء كل ذلك!وأقول لهذا البليغ المصقول أنْ يضم الأحداث إلي بعضها البعض ليري بأم عينه جبهة عريضة تتشكل، قوامها الحكومات التي هددت والصحف التي نشرت والمفكرون الذين دافعوا والهيئات التي دعمت.المسألة ليست مسألة معرفة أو عدم معرفة بالإسلام.والمسألة ليست مسألة حرية تعبير، فنحن نعرف كذب ونفاق ودجل الديمقراطية الغربية في التعامل مع الشعوب الضعيفة وخاصة أهل فلسطين الذين يطلب منهم الاعتراف بإسرائيل وعدم مقاومتها والتعايش مع احتلال عنصري بغيض لا مثيل له.ليس هناك من مثال أكثر ظلماً للحقيقة من ذلك القرار الذي اتخذه مجلس الأمن قبل فترة بعدم التشكيك بالمحرقة اليهودية كليّاً أو جزئياً، بمعني آخر، ان مجلس الأمن تحول إلي إله يعرف كل الحقائق وهو ـ للمرة الأولي في تاريخه ـ يفرض حقيقة تاريخية علي البشر يعاقَب مَنْ ينكرها، إن الأديان السماوية الثلاثة لم تفعل ذلك، ولكن مجلس الأمن فعلها!هذا القرار نفاق كبير، لأن التاريخ ووقائعه مثار جدل ونقاش، التاريخ مثله مثل كل العلوم، قابل للطعن، ولكن مجلس الأمن كان فوق العلم وفوق البشر، ومنع بذلك ليس حرية التعبير فقط وإنما حرية التفكير أيضا، وهذا لم يحدث ابداً. أما إذا تعلّق الأمر بأقدس شخصية اسلامية وتخص عشرات الملايين من البشر فإن ذلك يوضع تحت لافتة حرية التعبير.إذن المسألة أكبر وأعمق من حرية التعبير. وحرية التعبير هذه أفرزت حركـة حماس في فلسطين، ولكن العالم الغربي الذي يقدّس هذه الحرية لم يعترف بنتائجها، وها هو يرغب بمعاقبة كل الشعب الفلسطيني من خلال تجفيف المساعدات والمعونات، ولا يخفي علي طفل أن ذلك كلّه من أجل اسرائيل وهي القوة المحتلة والمتعصبة والمتطرفة والتي تشارك في حكوماتها أحزاب دينية غاية في الغلوّ والعنصرية وهي دولة نووية، ولكن الغرب يغمض عينيه عن كل ذلك، ثم لا يجد سوانا، نحن الشعب الأضعف الذي لا يملك غواصات ولا دبابات ولا جرافات ليطلب منا أن نحمي الاحتلال والاستيطان. وهذا أمر لم يحدث من قبل!لم يعد هناك أكثر وضوحاً من هذا الوضوح.المستشارة الألمانية انجيلا ميركل مثلا، تقف في حشد من الأوروبيين والامريكيين قبل عدة أيام لتكيل الاتهامات للشعب الفلسطيني وكأنه هو الذي يمارس الظلم والشر والقتل علي الشعب الاسرائيلي، ومن يستمع اليها يعتقد جازماً أننا نحن القوة العظمي الشريرة التي تطارد الاسرائيلي في طرقاته وتضيّق عليه رزقه ومصادره وماءه وهواءه.هناك حلقات متعددة ولكنها ذات مركز واحد. هذا المركز هو هذه المنطقة وشعوبها. ولا أشير هنا إلي نفط هذه البلاد أو ثرواتها الأخري، ولا أشير إلي موقعها الاستراتيجي، ولكني أشير إلي ما كان يفكر به ذلك الراهب الأصلع القصير الغليظ والمسطّح وهو يطوف قري أوروبا ومدنها في الثلج والبرد والمطر، من أجل أن يستفزّ شعوباً لمحاربة الأتراك الكفار .وبالمناسبة، فإن أهل الدنمارك الذين رفض 67% منهم الاعتذار إلينا، جاءوا إلي بلادنا قبل ألف سنة علي متن سفينتين كبيرتين كان علي احداهما الملك نفسه، وقد أطلق عليهم مؤرّخونا الأفاضل القدماء الدنمرقة . أما أنا شخصياً فإني لا أطلب الاعتذار من الدنمرقة الجدد، ولا أطلب الاعتذار من أحد، إنني أنظر إلي الأمام، لأن في الوراء الجواب.ہ شاعر من فلسطين8