وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (2)

حجم الخط
0

وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (2)

قاسم وعارف كانا متفقين في التوجه السياسي وهناك من تحدث عن ارتباطهما بالاجهزة المصرية والسوريةخرج عارف من السجن مشتاقا لمعرفة وضع الشارع العراقي وحزينا لفتور العلاقة بين الحزب وعبدالناصر وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (2) بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، خاصة ان ذكراها تحل اليوم، 8 شباط (فبراير) ووضع النقاط علي الحروف، وكان السيد جواد قد اطلع علي ما كتبه العسكري نعمة فارس في العام الماضي في صحيفة القدس العربي ، وقرر كتابة روايته عن تلك الاحداث نظرا للاغلاط والتحريفات التي وردت في رواية فارس، والتي يعتقد جواد ان نعمة فارس يحاول تضخيم دوره، بعد ان كان مرضيا عنه في النظام السابق ليلحق بالعربة الجديدة في العراق، خاصة انه كان المرشح رقم (60) علي قائمة اياد علاوي، رئيس الوزراء المؤقت السابق. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. القدس العربي ما يدفعني لهذا القول هو، اني كنت اتمني لو تحلّي السيد نعمة فارس ببعض ـ ولو بجزء صغير ـ من شجاعته في تنفيذ دوره المكلف به في حركة 8 شباط 1963، وان يتحلّي بالامانة، التي تلزمه بها بعض ألقابه الرسمية التي ذكرها ـ فريق ركن، سفير سابق ـ والتي اغدقها عليه نظام البكر ـ صدام، وان يذكر لقراء القدس العربي الغراء ومحرريها الكرام، انه رغم كل تلك الالقاب التي تؤشر علي ولائه للنظام، والثقة المطلقة للنظام بهذا الولاء بانه شارك في الانتخابات تحت اسم القائمة العراقية ـ قائمة الدكتور اياد علاوي ـ تحت رقم 60 في تسلسل المرشحين. لعل هذا الترشيح جاء تكريما للجهود القيـّمة التي قدمها في خدمة وزارة الدفاع الامريكية، التي كان احد مشاوريها النشطاء خلال التحضير لضرب العراق، كما ورد ذلك في مقال نشرته مؤخراً جريدة نيويورك تايمز ، في احد اعدادها في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2004. أي انه كان شاهدا ولاعباً ومنفذاً ومخططاً فاعلاً في المؤامرة الكبري علي العراق والامة العربية، والتي لا زلنا في صفحاتها الاولي، ويبدو ان الفريق الركن نعمة يستعجل الاسياد في البنتاغون، ليحسبوا حسابه في الصفحات القادمة، فهو يريد أن يعلمهم علي ما يبدو حجم التضحيات التي قدمها في سبيل الحزب، والتي عاد فقدمها لاسياد البنتاغون علي طبق من صفر رغم انهم مهما قدموا له من المكافآت سوف لن تفوق ما حصل عليه من نظام البكر ـ صدام. مع العلم، والفريق نعمة فارس، كان يوما ما آمر كلية الاركان العراقية، ذات السمعة الاكاديمية الحسنة في مجال الدراسات العسكرية والاستراتيجية، فهو يعرف جيدا ان قانون خدمة الضباط العراقي لسنة 1937،الذي ظل ساري المفعول حتي في زمن البكر ـ صدام، يعتبر احد اهم اركان الخيانة التي تعرض الضابط للمحاسبة، هو تقديم معلومات عسكرية عن الجيش العراقي لاي طرف خارجي خاصة اذا كان بحالة حرب او الاعداد للحرب مع العراق. وهو يشبه بذلك تعريفات الخيانة في القانون العسكري البريطاني وحتي الامريكي، واغلب دول العالم، وتصل عقوبتها بالقانون العسكري الامريكي وكذلك البريطاني للحكم بالسجن المؤبد، وبالاعدام في بلدان اخري. وكذلك قانون رقم 7 لسنة 1958 بشأن معاقبة المتآمرين علي سلامة الوطن ومفسدي نظام الحكم، والذي شكلت علي أساسه المحكمة العليا الخاصة ولم يصدر ما يلغيه من القوانين، أي أنه لا زال ساري المفعول أيضاً وكذلك الباب الثاني عشر من قانون العقوبات البغدادي الذي لا لبس ولاالتباس في مواده الخاصة بتجريم كل من دس الدسائس ضد الجمهورية العراقية. لعل هذا الموقف من القضايا الوطنية الكبري يفسر لنا لماذا يأتي الآن الفريق نعمة فارس ليشوه الحقائق التاريخية لصفحة مشرقة من صفحات تاريخ حركة التحرر العربي وكما وصفها الرئيس عبد الناصر في برقيته للتهنئة باليوم المجيد في تاريخ العراق والأمة العربية ، ويسيء لهذا القائد او ذاك ويوزع الاتهامات، ويختلق ادواراً، يشهد هو في ما سبق من كتاباته، بانها وهمية. والسؤال.. لماذا، ولصالح من..؟ علي ان هذا لا يعني اني انكر المواقف الشجاعة التي اداها الملازم نعمة كبقية رفاقه من العسكريين ومناضلي الحزب يوم 8 شباط، ما يستحقون من اجله القبلات الحارة والاخذ بالاحضان ليس من حازم جواد وحده بل من كل مناضلي الحركة القومية العربية في العراق والوطن العربي. رغم ان هذا الدور ـ الدور الخاص بالملازم نعمة ـ عند حسابه بالموازين الدقيقة لا يمثل إلا جزءاً من الاف الادوار التي كان يؤديها بنفس الوقت مناضلو الحزب من عسكريين ومدنيين، ليس فيه ما هو مميز، بل هو دون الكثير من الادوار التي اداها رفاقه الاخرون بنفس الدرجة الحزبية، والرتبة الصغيرة، ولم يتوقفوا عن ادائها الا بالشهادة والموت. فلو عدنا لقصته التي رواها هو في كتاب دبابات رمضان ، لوجدنا كما قال أنه يتحرك او ينسحب من معركة وزارة الدفاع في وقت مبكر، بين الساعة العاشرة والنصف والساعة الحادية عشرة، وبعد وصول المرحوم عبد الكريم قاسم للوزارة بوقت قصير جداً، بهدف الذهاب لدار الاذاعة في الصالحية التي لم نصلها بعد لجلب العتاد، الذي لم يجلبه في الحقيقة، لانه وحسب روايته لم يعد للالتحاق بالقوات المرابطة في باب وزارة الدفاع، بل ذهب دون ان يطلب منه احد الي الجهة المقابلة لوزارة الدفاع، عبر النهر، رغم ان حجة نقل العتاد هي نفس الحجة التي تهرب بها من استلام واجب، والاندماج بقوات حماية دار الاذاعة عندما طلب منه البكر ذلك عندما رآه صدفة في دار الاذاعة، ثم لم يذكر الملازم نعمة كيف قضي ليلته وما هي الواجبات التي اداها. ولعل هذا ما يفسّر اهمال ايراد اسمه في قائمة المشاركين في معركة وزارة الدفاع التي اوردها الضابط القومي العقيد الركن محمد مجيد احد اكبر الضباط الذين التحقوا ظهر يوم 8 شباط وشارك في المعركة هناك حتي نهايتها. كذلك يفسّر لنا دوره الهامشي هذا، او الذي همشّه هو بنفسه من خلال عدم انضباطه في تحركاته صبيحة الحدث، وما يتطلبه من دقة في تعبئة القوي تعبئة سليمة ضمن الخطة المقررة من القيادة بعيدا عن الحركات الفردية العشوائية التي تهمش او تضعف وتقلل من جهود المناضل. هكذا دفع الملازم (الفريق الركن) نعمة ثمن عدم انضباطه الذي عاد ليصححه، بعد مضي اكثر من اربعين سنة، بتشويه الحقائق. شهادتان.. وموقفاننحن هنا بصدد ايضاح بعض حقائق وتفاصيل الاحداث الفعلية، اليومية التي وقعت خلال اليومين الاولين للحركة، 8، 9 شباط 1963، بهدف استجلاء الحقيقة، وكشف الوجه الناصع او الجميل لهذه الصفحة الخالدة من صفحات حركة التحرر القومي العربي، وابطال الزيف والتشويهات التي يحاول البعض إضفاءها علي هذه الصفحة المشرقة لغرض او اخر. لذلك أعتقد أن تقديم وصف لشهادتين من شهود الحدث سيكشف للقارئ، اتجاهات هذا التشويه وملامحه. شهادة الضابط البعثي نعمة فارس، المبلغ مثله مثل غيره من أفراد زمر التنفيذ بيوم وساعة الصفر، و الضابط القومي محمد مجيد، الذي عرف بالحركة من خلال سماعه لبياناتها من خلال الراديو. لنتبين من خلال هذا العرض مدي نزاهة وصدقية الشخصين في وصف أحداث ذلك اليوم، او علي الاقل وصف مشهد واحد من مشاهد الحدث، واعني به حصار ومعركة وزارة الدفاع حيث كان يتحصّن الزعيم الاوحد هناك. شهادة العقيد الركن محمد مجيد كان العقيد الركن محمد مجيد من الضباط الاحرار الذي اسهموا بالتحضير والتنفيذ والدعم لثورة 14 تموز، وهو من ذوي الاتجاه القومي العربي، عضو في قيادة بغداد للهيئة، أو الهيئة البديلة التي كان مسؤولها عبد السلام عارف. تم تبليغ العقيد محمد مجيد بموعد تنفيذ الثورة ـ 14 تموز (يوليو) ـ باليوم والساعة. حيث كان احد حضور الاجتماع الذي تم في دار العقيد عبد الستار عبد اللطيف، عصر يوم الخميس المصادف 10 تموز (يوليو)، عندما وصل عبد السلام الي بغداد قادماً من جلولاء للاتفاق مع الضباط الحاضرين علي اللمسات الاخيرة لخطة الثورة. نفذ العقيد محمد مجيد الواجبات التي انيطت به عند التنفيذ، وتم تعيينه في مقرالقائد العام بعد ذلك. ثم جري ابعاده عن ذلك المكان مثله مثل بقية الضباط القوميين، بعد فترة وجيزة، وبعد تفاقم الخلاف بين عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم. لم ينضمّ العقيد محمد مجيد لحزب البعث، مثله مثل العديد من الضباط القوميين، الذين شكلوا تنظيماً خاصا بهم داخل القوات المسلحة. كتب في شهادته، وصفاً لدوره في حركة 8 شباط، كما وردت في مراجع عديدة مطبوعة في بغداد كان آخرها كتاب ثورة 8 شباط 1963 تأليف الأستاذ صالح حسين الجبوري صفحة 157 طبعة 1990…….. ما يلي: كنت في داري يوم الجمعة، وتلقيت تلفونا ًمن المقدم الركن صبحي عبد الحميد (عميد تنظيمهم القومي)، بحدود الساعة الثانية ظهراً، أعلمني بها بوجوب تأييد ودعم الحركة التي قام بها البعث منذ صباح يوم الجمعة الثامن من شباط (فبراير)، لإعادة ثورة تموز (يوليو) لاتجاهها القومي الاصيل بعد خمس سنوات من الانحراف وسنذهب الي دار الإذاعة وسألقاك هناك. التحق محمد مجيد بدار الاذاعة بالصالحية والتي لقي فيها الترحيب كبقية الملتحقين الاخرين، من قبل قيادة الثورة، وكان حصار ثكنة وزارة الدفاع، والمطلوب ادامته واستمراره حتي الاستسلام النهائي لعبد الكريم قاسم أو مقتله. فأوكلت هذه المهمة للسيد محمد مجيد لما تتطلبه من خبرة مهنية عالية بمستوي ما هو متوفر عند العقيد محمد مجيد. وعين لذلك الغرض مديراً للخطط العسكرية، واذيع أمر تعيينه من إذاعة الثورة، والتحق مباشرة بواجبه الجديد، أمام وزارة الدفاع الساعة الرابعة عصراً من يوم الجمعة، حيث أشرف علي ادارة عملية الحصار، وتمشيط البنايات حتي استسلم قاسم بعد ظهر اليوم التالي 9 شباط (فبراير). وعندما هدأت اصوات المدافع، وهدير الدبابات، كتب العقيد محمد مجيد تقريراً قدمه الي المجلس الوطني لقيادة الثورة، تضمن وصفاً حياً لمعركة الدفاع، صور فيه عمليات الكر والفر والتمشيط من قاعة لقاعة، ومن طابق لطابق، ذاكراً فيه أدوار الضباط والمراتب، دونما زيادة أو نقصان. مع أنه كان باستطاعته أن يضيف أو يختزل بعض الأدوار لينسب ذلك لنفسه أو للآخرين، لكنه تحلي بالشجاعة الادبية والثقة العالية بنفسه مؤكداً انه تم تبليغه بالذهاب لدار الاذاعة بعد الساعة الثانية ظهراً. التحق العقيد محمد مجيد بوظيفته الجديدة، مديراً للخطط العسكرية، ولم نشاهده يوماً ما في أروقة مجلس قيادة الثورة أو القصر الجمهوري أو وزارة الخارجية والداخلية، ليذكر بدوره الفعال في دعم الحركة. أما شهادة الملازم (في حينها) نعمة فارس والتي يمكن ان يطلع عليها القارئ في عددي جريدة القدس العربي الغراء ليوم 8، 9 شباط (فبراير) 2005، ويتعرف علي ما جاء من تشويه وخلل في الحبكة في تعليق الدكتور موسي الحسيني عليها. كما يمكن ان يطلع علي كثير من تفاصيلها في مقالتنا هذه. تكشف شهادة السيد نعمة فارس زيفها بتناقضات ما حوته من ســـــرد أقرب للقصص التي نشاهدها في الافلام الخيالية التي تظهر البــــطل، كرجل بقدرات خارقة، فوق العادية، او فوق طاقات البشر العادية. خمس شخصياتكما سبق ان ذكرت، اتمني واطمح ان تكون هذه المطالعة او المراجعة لقراءة حركة شباط (فبراير)، خطوة باتجاه تصحيح بعض المغالطات، ليست التي وردت فقط في مذكرات السيد نعمة فارس، بل في مصادر اخري، خاصة تلك التي كتبت من قبل كتبة السلطان، خلال فترة نظام الحكم السابق. كما اتمني ان يوفقني الله لاستجلاء ما هو غامض او ظل يلفه الغموض من بعض الحقائق والوقائع. ولتسهيل إلمام القارئ بالصورة الكلية للحدث، سأتناول في هذا الفصل او الجزء من ردي علي الفريق نعمة، المحطات الرئيسية للاحداث، تسلسلها، رجالها، وعلاقتهم بحزب البعث و بحركة 8 شباط (فبراير)، وادوارهم المميزة فيها، قبل الانتقال للقسم او الجزء الاخير الذي سأحاول فيه تفكيك عناصر رواية السيد نعمة فارس وغيره من القصّاصين، وادوارهم، ومشاهدها. في هذا الجزء سأتناول بعض الاحداث من خلال القاء الضوء علي شخصيات القادة التي وردت في رواية الفريق نعمة ، وهم : عبد السلام عارف، احمد حسن البكر، علي السعدي، حازم جواد ثم الكاتب الروائي نعمة فارس المحياوي ورواياته موضوع حديثنا هنا. الرئيس عبد السلام عارففي كانون الاول (ديسمبر) عام 1957، اي قبل ثورة الرابع عشر من تموز (يوليو) باكثر قليلا من السبعة اشهر، انعقد المؤتمر القطري الثاني لحزب البعث العربي الاشتراكي ـ القطر العراقي، في دار الاستاذ شمس الدين الكاظم ـ عضوالقيادة. انتخبت في ختام هذا المؤتمر عضوا في القيادة القطرية.ومما اتذكره من فعاليات ذلك المؤتمر المهمة، هو اقرار تقرير الامين العام القطري الشهيد فؤاد الركابي، من قبل جميع اعضاء المؤتمر كبرنامج عمل للمرحلة القادمة، وحتي انعقاد المؤتمر القادم. كان اهم ما جاء في هذا التقرير هو تأكيده علي ان احتمال تغير النظام الملكي السعيدي وسياساته بالطرق الشرعية، اصبح امراً ميؤوساً منه. مقابل تمادي النظام الملكي ـ السعيدي في سياساته المعادية للشعب العراقي، وحركة التحرر العربي المتنامية، بقيادة مصر عبد الناصر، وسورية الحكم الوطني، ولم يبق من وسيلة امام القوي الوطنية والقومية في العراق غير العمل للاطاحة بالنظام الملكي بالقوة، والمقصود هنا اختيار جبهة الاتحاد الوطني للتعاون مع القوات المسلحة لتنفيذ قرار التغيير. موقعي الجديد بالقيادة القطرية، وبدءاً من اوائل عام 1958 وفر لي فرصة الاطلاع علي نشاطات وتطورات حركة الضباط الاحرار. كان اسم الزعيم عبد الكريم وزميله او صديقه المقرب عبد السلام عارف، يتكرران مراراً، بوصفهما العنصرين الاكثر نشاطاً وفاعلية في منظمة الضباط الاحرار. كما عرفت في حينها، انهما متفقان في توجهاتهما السياسية العامة مع توجهات واهداف الخط القومي العربي. ومن ضمن ما سمعت أنهما متعاونان مع الاجهزة السرية المصرية، والمكتب الثاني في سورية، وتطور هذا التعاون مع تحقق الوحدة بين مصر وسورية وقيام الجمهورية العربية المتحدة في شباط (فبراير) 1958. كان الحزب يتعاون وينسق نشاطاته مع الضباط الاحرار من خلال أجهزة ج.ع. م في بغداد وبعض الضباط الاحرار وتنظيم الحزب العسكري، وكان الحزب مطلعاً علي مواعيد التحرك لاسقاط النظام الملكي، كما حصل في المحاولة الفاشلة في ايار (مايو) 1958، ثم وصلتنا معلومات عن ظهور خلافات داخل منظمة الضباط الاحرار بين تيارين هما: التيار المتأني في احسن وصف له، والذي يبحث دائما عن الحجج والاعذارلتأجيل التحرك، والمماطلة لتأخير تفجير الحركة. يمثل هذا التيارالضباط من كبار الرتب والاعمار في الهيئة العليا للضباط الاحرار، ويطلق عليهم صغار الضباط تسمية الألايلية التركية وتعني امير اللواء او أولئك الضباط الكبار الذين يبحثون عن الراحة والمواقع الادارية في الجيش. التيار الثاني، يضم الضباط المتحمسين بلا حدود، والمتلهفين بالاسراع في تنفيذ الحركة، من الذين تصاعد حماسهم بعد قيام الجمهورية العربية المتحدة الذين لا يخفون نواياهم وآمالهم للالتحاق بها. ويحظي هذا التيار بتأييد اغلب الضباط من رتب ادني. ويمثل كل من عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وعبد الوهاب الشواف أهم رموز هذا التيار، إضافة لقيادة بغداد أو الهيئة البديلة، وأبرز اعضائها عبد الستار عبد اللطيف، صبحي عبد الحميد، محمد مجيد، ابراهيم جاسم، جاسم العزاوي وخالد حسن فريد. ومع اقتراب موعد تنفيذ الثورة يوم الاثنين 14 تموز (يوليو) 1958، كان المدنيون الاربعة او الخمسة في قيادة الحزب ـ وانا منهم ـ علي علم بموعد الحركة بيوم أو يومين من موعدها هذا، وكنا علي علم بأن التيار القومي العربي المتحمس، هو الذي سيتولي تنفيذ الثورة بقيادة عبد السلام عارف. وانه تم الاتفاق مسبقا علي ان يكون عبد الكريم قاسم هو الرئيس، ويتولي رفيقه عبد السلام منصب نائب الرئيس.بكّرَ الشعب العراقي بعملية استفتاء إجماعية عفوية ونادرة عبر تاريخه المديد لتأييد الثورة والثوار والالتفاف حولهم منذ الدقائق الاولي لاعلان الثورة وقيام الجمهورية. بدأت العلاقة بين قيادة الحزب وقيادة الثورة تأخذ وزنا اكبر من حجم الحزب وثقله علي الساحة العراقية، ويعود الفضل في تحقيق هذا الوزن الي تحالف الحزب مع عبد الناصر، القائد الشجاع للامة العربية الذي يحظي بمحبة وتقدير وتأييد الجماهير الواسعة علي امتداد الوطن العربي، كما ان لسمعة فرع الحزب في القطر السوري ودوره المضخم في قيام دولة الوحدة الفتية بين مصر وسورية، اثره في دعم سمعة الحزب، وتعزيز دوره في العراق. ان العلاقة المميزة التي ظهرت للعيان بين أسد الثورة ومنفذها الفعلي عبد السلام عارف والامين القطري للحزب فؤاد الركابي، كانت من القوة بحيث لم تخف علي اي مراقب للحدث وحركة رجالاته. لكني مع ذلك لا استطيع الاجابة بالجزم فيما اذا كانت هذه العلاقة وليدة الثورة، ام انها امتداد لعلاقة سابقة كانت مستورة وخفية بين الاثنين، ورغم علاقتي الحزبية والشخصية الوطيدة بالمرحوم فؤاد الركابي ومثلها فيما بعد بعبد السلام عارف فاني لم اسأل أحداً منهما عن تاريخ هذه العلاقة. ربما بسبب شيء من الاهمال والتقصير في تتبع تاريخ هذه العلاقة، وربما بسبب عدم إدراك او توقع ان تكون علاقتي بهما او باحدهما، بهذا الحجم من القصر، وقراءة ما يخبئه المجهول من ايام عصيبة فارقت بيننا، الا ان الضابط القومي الحر صبحي عبد الحميد، عضو قيادة بغداد في تنظيم الضباط الاحرار، والقريب من قائدي ثورة 14 تموز (يوليو)، ذكر وفي اكثر من مناسبة: انه شاهد المرحوم فؤاد الركابي يتردد علي منزل العقيد عبد السلام عارف في الاعظمية، قبل اشهر عديدة من قيام الثورة. عززت العلاقة الحميمية بين عبد السلام عارف، وشقيقي ناظم جواد، المذيع البعثي، الذي كان يعمل في دار الاذاعة العراقية في الصالحية، وهرع مسرعاً لدار الاذاعة وفي وقت مبكر جدا، بعد لحظات من سماعه بنبأ قيام الثورة، ليُعينَ اسد الثورة وقائدها التنفيذي في اذاعة بيانات قيادة الثورة وندائاتها الثورية ليفسح لعبد السلام فرصة التفرغ لمتابعة وقيادة العمليات العسكرية للقطعات الثائرة، مثلها مثل جميع الصداقات القوية التي تتشكل بين الناس علي اثر المشاركة بعمل بطولي في اوقات حرجة، وتخلق شعورا بالمصير المشترك، وتؤجج الرغبات المشتركة للعمل بجد ومثابرة لتحقيق النصر والنجاح. وتمتزج الآمال والأفراح والمخاوف في مزيج متلاحم، وغريب وقوي. منذ تلك اللحظات الاولي للثورة ترابط الاثنان، عبد السلام وناظم برفقة وصداقة تطورت ليصبح ناظم هو رئيس هيئة الاذاعة التي ترافق عبد السلام عارف في كافة جولاته المعروفة في انحاء القطر، وكان الاستاذ المرحوم فؤاد الركابي ثالثهم في بعض او اغلب هذه الجولات. تولّي ناظم جواد تغطية هذه الجولات، بأوصاف وتعليقات تؤكد التوجه الوطني العروبي لأسد الثورة وقائدها التنفيذي عبد السلام عارف والأهداف القومية لثورة الرابع عشر من تموز (يوليو). بقدر ما اسهمت تلك الجولات المشتركة للثلاثة ـ عبد السلام، وفؤاد، وناظم ـ وتغطيتها الاعلامية، في شد عبد السلام وتقريبه لحزب البعث، فانها اثارت حفيظة ومخاوف عبد الكريم قاسم والمعسكر المعادي للوحدة العربية بمختلف فصائله، بدءا بشركات النفط الاحتكارية التي كانت تخيفها وترعبها توجهات عبد الناصر التحررية، وانتهاء بالشيوعيين، مرورا ببقايا وانصار العهد الملكي الذين لايخفون كرههم وحقدهم علي قائد الثورة ومنفذها عبد السلام عارف.لذلك كان ناظم جواد اول الضحايا الذين دفعوا ثمن هذه التغطية القومية العروبية لنشاطات عارف، مباشرة بعد ابعاد عبد السلام عن مناصبه وما تلاها من اعتقاله. ففصل من وظيفته في دار الاذاعة، واوقف عن العمل بها، بأمر مباشر من عبد الكريم قاسم شخصيا، كما أخبره الاستاذ صديق شنشل، وزير الارشاد في حينها، بذلك. وكما تحدّثَ بذلك تفصيلاً المقدم سليم الفخري ، مدير الاذاعة في زمن عبد الكريم، في شهادته سيئة الصيت ضد عبد السلام في اثناء محاكمته امام المحكمة المهزلة التي عرفت بمحكمة المهداوي. خارج هذه الجولات، واثناءها، كان عبد السلام عارف علي تماس يومي مع قائد الحزب، وامينه القطري فؤاد الركابي. يستشيره ويستمع اليه، ويستجلي آراءه في الامور السياسية عامةً. كان عبد السلام يؤكد باستمرار للقائد فؤاد الركابي ان عبد الكريم يشاركه في كل مواقفه وتوجهاته القومية، وايمانه بالوحدة وهما متفقان علي اعلانها الوشيك، وانهما متفاهمان وبانسجام كامل حول هذه الموضوعات. حتي تأسيس جريدة الجمهورية شبه الرسمية، كجريدة ناطقة باسم الثورة، ووضعها تحت تصرف الحزب لنشر الافكار والرؤي القومية، كان قد تم بناء علي اتفاق مع عبد الكريم قاسم. استمرت علاقة عارف بالحزب حتي خلال وجوده بسجن رقم واحد من خلال ناظم جواد، بعد اعدام وسجن ومطاردة قيادات رواد الفكر من العسكريين والمدنيين، ولم يجد عبد السلام من يطمئن له من رفاقه القدامي غير ناظم جواد ليراسله طالبا تأمين هروبه من السجن رقم 1، وكان عبد السلام قد رتب خطة للهروب، طالبا مساعدة لتنفيذها، من خلال اتصاله الذي نجح بتحقيقه من خلال ناظم جواد. وتم الاتفاق علي تنفيذ الخطة في اذار (مارس) 1959، الا انها احبطت، بسبب اعتقال السيد ناظم جواد عشية حركة الشواف في ليلة 7 ـ 8 اذار (مارس) 1959، علي اثر مداهمة مفاجئة لقوات امن قاسم لمنزل الاستاذ فؤاد الركابي، وكان ناظم موجوداً هناك لترتيب التفاصيل النهائية واستلام التعليمات للشروع بعملية تهريب عبد السلام الي الموصل، وكان الحزب يخطط وباتفاق مع الضباط القوميين في الموصل علي أن يشارك عبد السلام الثورة بعد تحقيق هروبه، الا أن تقديم موعد تحرك المرحوم عبد الوهاب الشواف ليومين أو أكثر لخبط توقيتات الحركة وكانت له نتائج كارثيّة فيما بعد. مكث ناظم جواد ستة اشهر في السجن مع المئات من الضباط، والمدنيين من مختلف الاتجاهات القومية، ممن شملتهم حملة الارهاب الكبري التي نفذتها اجهزة قاسم في عام 1959، بعد فشل حركة الشواف القومية. تكرر التفكير بتهريب عبد السلام عارف في صيف 1960، وكنت في حينها ارتقيت لقيادة الحزب، ومسؤوليته الاولي. اما الواسطة فهي نفسها السيد ناظم جواد. والتفكير بالامر جاء بطلب جديد من عبد السلام عارف نفسه. ان عملية اتخاذ القرار بالنسبة لي كانت عملية معاناة حقيقية، وواحدة من الاوقات العصيبة التي مررت بها. كان هناك في ذلك الوقت خمسة سجناء آخرين من قيادة الحزب، من نزلاء نفس السجن ـ السجن العسكري رقم واحد ـ وجميعهم محكومون بالاعدام، وينتظرون متي سيوعز عبد الكريم قاسم بتنفيذه. وهذا يعني ان من الانصاف والموضوعية ان يتم تهريب الجميع بلا استثناء، فاعطيت موافقتي علي التنفيذ شرط ان تشمل الخطة تأمين تهريب عارف والبعثيين الخمسة. وسنكون سددنا بذلك صفعة قوية لقاسم ونصراً مدوياً للحزب وللحركة القومية العربية ودولتهم الموحدة الجمهورية العربية المتحدة، حيث كانت المرحلة الثانية من الخطة تتضمن تهريب الجميع للاقليم الشمالي (سورية). ابلغت السيد ناظم بنقل الموافقة والخطة الجديدة للضابط المنفذ ج.ع الا أن الضابط ج.ع اعترض موضحاً صعوبة التنفيذ، بل استحالته، لان زنزانة عبد السلام تبعد كثيراً عن الزنزانات الانفرادية الاخري التي يقيم بها المناضلون الاخرون، وهم: خالد علي الصالح، اياد سعيد ثابت، سليم عيسي الزيبق، أحمد طه عزوز، وسمير عزيز النجم. هذا ما جعلني اتخذ قراري الصعب الجديد بصرف النظر عن الخطة، وتوصيل رسالة اعتذار شفوية لعبد السلام عارف بذلك مع ايضاح الاســــباب، مع وعد بعدم التوقف عن دراسة الخطة وتطويرها علي ضوء اية مستجدات جديدة، آملين ان لايبتئس او ييأس لهذا التأجيل.لم يحصل أي تغير في الظروف، آنذاك، وظلت الخطة معلقة. وقد اراحنا عبد الكريم قاسم من الموضوع بعد مرور سنة من ذلك التاريخ وامر باطلاق سراح الجميع بعد قيام جريمة الانفصال التي منحت قاسم شعوراً جديداً بالاطمئنان. كانت أول مناسبة يخرج بها عبد السلام من منزله بعد عودته اليه من السجن، هو دار الحاجة أم كاظم ـ أي دارنا ـ في محلة الشيوخ في الاعظمية، حيث كنت اقيم وادير شؤون الحزب من هناك. أقام ناظم وليمة لعبد السلام بمناسبة خروجه من السجن وليجمعه بقيادة الحزب، فجاء به ناظم بسيارته الفوكسواغن متخفيا في الليل، بعد أن أخذ عبد السلام بجولة يعانق فيها شوارع بغداد، وليطمئنا انهما لم يكونا متبوعين او ملاحقين بالاعين السرية لقاسم. استقبل عبد السلام بالزغاريد الخافتة لأم كاظم وبقية النساء، وبعناق حار مع رفاقه في قيادة الحزب. كانت الدعوة خاصة جدا محدودة بالرفاق علي صالح السعدي، ومحسن الشيخ راضي الذي رافقه هاني الفكيكي، وانا وناظم جواد. كان عبد السلام مشتاقاً ومتلهفاً لمعرفة اوضاع الشارع العراقي، واوضاع الجمهورية العربية المتحدة. كان لايخفي ألمه من حصول الانفصال، مستغربا حصوله. كما كان لايخفي المه ايضا من الفتور والجفاء الذي ساد في تلك الايام بين الحزب والرئيس عبد الناصر. وبدا متلهفاً ايضا لسماع اخبارصديقه القديم المناضل فؤاد الركابي، الذي كان قد ترك الحزب في ذلك العام المشؤوم. استطيع أن ازعم أن هذا اللقاء او الاجتماع هو الخطوة الاولي في مسيرة الالف ميل التي قطعناها نحو تحقيق انتفاضة 8 شباط 1963. وفيه تم اتخاذ القرار وتحديد الخطوط العامة للتحرك القادم للاطاحة بقاسم، لتصحيح الانحراف الذي حصل لثورة 14 تموز (يوليو) المجيدة علي يديه وتحويلها لحكم عســــكري، فردي، دكتاتوري، مستبد، اباح كل المحرمات من اجل ارضاء تطلعه للسلطة واشباع حالات وتوجهات سيكولوجية مريضة. كما اردنا انتفاضتنا ان تكون ردة علي الانفصال الرجعي الذي رتبته الدوائر الرجعية العربية بالتعاون مع الدوائر الاستعمارية ولخدمة وفكّ الكماشة المطبقة علي الكيان الصهيوني من الشمال والجنوب، كما اثبتت الوقائع والوثائق بعد ذلك. هذا اضافة الي ان الاطاحة بقاسم كانت تحقق رغبة بالثأر والانتقام لشهداء الحركة القومية التي مارسها الشيوعيون في الشارع، واجهزة قاسم من خلال محكمة المهداوي السيئة الصيت ومذابح الموصل وكركوك الجماعية.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية