أختٌ وأخ: قراءة في رواية ألمانية

حجم الخط
0

أختٌ وأخ: قراءة في رواية ألمانية

د. اسماعيل العثمانيأختٌ وأخ: قراءة في رواية ألمانيةلقد أنتجت ألمانيا منذ بضعة قرون أسماء كبري ورصينة في حقل الدراسات المعتنية بالشرق (بما في ذلك العالم العربي والاسلامي) في اطار ما يُصطلح عليه بالاستشراق، الذي له، من الناحية الايديولوجية والثقافية، ما له وعليه ما عليه. وقد أسهم الاستشراق الموضوعي، الألماني وغيره، من خلال الدرس والبحث الجامعيين، في التقرّب من الآخر الشرقي، المختلِف عن الناظر الغربي؛ وبذلك أسهم في خلق حوار بين الحضارات الشرقية والغربية، الذي صار اليوم عنواناً مبتذلا في المنتديات والمحافل والمؤتمرات وعلي لسان رجال السياسة والاقتصاد وصفحات اليوميات والدوريات. وبعد الآداب والعلوم الانسانية، أي المجال الأكاديمي البحت، كان دور الابداع الأدبي للخوض في موضوع العلاقة بين الغرب والشرق. ولكن هنا أيضاً لن تستويَ، علي الصعيد الايديولوجي، كتاباتُ كونرادْ أو نايْبول مع نصوص جان جينيهْ أو رواية الألمانية لينتسَهْ أخت وأخ التي نعرضها في هذا المقام.ازدادت أوُلا لينْتسَهْ في مدينة مُونشنْغلادْباخْ عام 1973. درست الفلسفة والموسيقي في كولونيا واستقرت لمدة عام ونصف في الهند. أخت وأخ هي أول رواية تكتبها لينتسَهْ وتعكس بشكل كبير التجربة الشرقية/ الهندية التي عاشتها هذه الكاتبة الصاعدة. لا يتعلق الأمر بمذكرات سياحية أو يوميات صحفية، بل بنصّ مُركّب يطرح اشكالية العلاقة بين الغرب (ألمانيا) والشرق (الهند). وقد لقيت هذه الرواية، الصادرة عام 2003، قبولا واسعاً في الأوساط الأدبية والنقدية الألمانية حازت لينتسَهْ بموجبه علي عدة جوائز. كما تمّ في الشهور الأخيرة (2005) نقل أخت وأخ الي العربية بمجهود متواضع من المترجم السوري محمد جديد (دمشق، دار كنعان). وهي النسخة التي سنتبناها عند الاحالة.تروي أخت وأخ قصة شابّ ألماني اسمه لوكاسْ سافر الي الهند في زيارة سياحيّة. وسوف يتعرف هناك علي راهب هندوسي سيؤثر عليه كثيراً حتي يتخلخلَ كيانه. ولدي رجوعه الي ألمانيا والتحاقه بأسرته (المكوَّنة من أب وأمّ وأخت)، بعد عام من الغياب، يحكي لأخته مارْطا عن هذه التجربة الروحية التي عاشها في الهند، ولكن الأخت ستتعامل معها بلامبالاة كبيرة… الي أن يسقط الشاب مريضاً ويفقد بصره جرّاء ذلك. يبدأ الألم مع المرض فتجد الأخت نفسها مضطرة لرعاية أخيها الذي لا يري الفرج الا في الرجوع الي الهند، الي غُوا، الي هناك، حيث بدأ كل شيء (ص. 171) ومعاودة الاتصال بالراهب الهندوسي، خصوصاً بعدما استنتج الطبيب النفساني أن مرضه نفسي ناتج عن عُصاب الانتقال من بيئة (غربية/ مادية)الي أخري (شرقية/ روحية). ألمُ الأخ ومعاناة الأخت لا يتآخيان، بل يتقابلان ويتصارعان، في ازدواجية شخصانية تشخص ازدواجية المرء أمام ثقافة مغايرة للثقافة التي ترَعرع فيها، لأن المنطلق ليس مشتركاً. الأخ يؤمن بأن الهند ستنهي ألمَه والأخت تري في الهند ألمَها الخاص، لأنها، عكس أخيها، لا تؤمن بتلك الروحانيات. انها رحلة شاقة وحافلة بالمخاطر العملية (متاعب السفر وأخطاره) والروحية لأنها لا تحمل أي ضمانات لاعادة السعادة الي الأخ…أما من الناحية التحليلية، فتستوقفنا بالدرجة الأولي خطة لينتسَهْ لنقل الصدام/ الحوار الثقافي الذي يختلج داخل الانسان عند التقاء ثقافته بثقافة مغايرة بشكل كبير. ومن خلال الأخت والأخ يُطرح هذا اللقاء/ الالتقاء الحضاري وتنْطرح حِوارية متواصلة تتعمق مع تقدم الرواية ولا تنقطع، فيكتشف القارئ من ورائها عالميْن مختلفين، بل متباينيْن جلّ الوقت، لا يتقاطعان رغم العلاقة العضوية (الدموية) بين الأخت وأخيها. هذه الرحلة تجسد في الواقع العلاقة بين الشرق والغرب (بالمفهوم الحضاري والايديولوجي)، بين عالم متخلف أو متنامٍ مادياً وشبه فوضوي (بالمعايير الغربية) في تعامُله مع الزمن والوقائع، ينساب بعاطفة جياشة وراء المعتقدات المجردة (خرافات، أساطير، أصنام، الخ) التي لا تمت الي العقل بصلة، وعالم متقدم ومتطور مادياً ومنضبط منهجياً، لا يؤمن سوي بالمحسوسات ولا يستسيغ الا ما هو عقلاني وقابل للتجريب، لأن المرء في الغرب يطلع علي كل شيء من الكتب (ص. 129).في الواقع، رحلة الألمانيين مارطا وأخيها لوكاسْ هي ذريعة أدبية توظفها لينتسَهْ لخلق حوار مشوّق وعميق بين وجهات نظر مختلفة في تقابل طبيعي وغير منتظم بين قناعات مختلفة ونظرات متباينة الي الكون. الاختلاف حول الغرب والشرق، انطلاقاً من الشرق أو الغرب، قد يحدث بين الشرق والغرب، أو حتي داخل الشرق أو الغرب. ويتجلي ذلك تخصيصاً بعدما ينضم الي الثنائي الألماني الهندي فيغو ويصير الحوار ثلاثياً يتعمق مع توالي الصفحات وتقدم رحلة عودة لوكاس الي عالم بهرَه ورحلة اكتشاف مارطا لعالم جاءتْ اليه بأحكام قبْليّة. في هذا المنظار، يمكن اعتبار أخت وأخ بمثابة دعوة مفتوحة للقارئ لتأمل العلائق الكائنة بين الجسد والروح، بين المادي والروحاني، بين المرئي والماورائي، بين المُسَلمات والخرافات، بين الايمان والالحاد، بين ثقافة الكتب وثقافة العامة، وما اليها من علائق بارزة أضحت اليوم تستأثر بالخطاب في حقل السياسة والدِّراسات الأنثروبولوجية والثقافية. الاستشراق والحوار بين الحضارات والأديان موضوعان مطروحان بالحاح في الرواية، ولكن بأسلوب سردي بديع يتبني التلميح والسخرية والتساؤل فلا يسقط في الانشائية والتصريح بأيّ شكل من الأشكال. أخت وأخ رواية لا تخفي كونها بكراً، تعكس قلق المبتدئ في عالم الابداع. الا أن نضج الأفكار وقوتها لا شك أنها قد عوضت عن أي قصور ورَد في الرواية من الناحية الأدبية أو الكتابة السردية بمعناها الواسع. انها رواية تؤسس لخطاب ثقافي يشيد بالانفتاح علي الآخر وبالاختلاف بدل التطابق. فعلي المرء أن يرحل، أن يسافر نحو الآخر قبل أن يحكم عليه بما له من معرفة ضيقة انطلاقاً من نقطة قارة. ولكن لن يفوتنا أن نشير الي أن أخت وأخ ليست انشاءً جدالياً تسطيحيّاً يعرّض القارئ للملل أو الاجهاد، بل رواية مكتوبة بتلقائية وشاعرية كبيرتين، في أسلوب سريع الوتيرة ينتبه للأصوات والمشاهد والمجازات عند النقل أو التصوير أو التبنّي، لتحكي قصة انسانية مُمتِعة في فضاء حواري يمتزج فيه الغريب والعجيب بالألم والحزن، والحزن والمعاناة بالسخرية والضحك، والضحك والمألوف بالقلق والمجهول، لدي الناظر والمنظور اليه معاً. ولو اضطررنا في ختام عرضنا للاختزال لقلنا ان أخت وأخ عبارة عن رحلة شاقة ومشوّقة من الغرب الي الشرق في الظاهر، ومن الايمان الي الايمان في الباطن.كاتب من المغرب0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية