وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (3)
عارف خدم البعث ولم يكن عضوا فيه.. تغير بمرور الأيام لا لمزاجية أو خيانة ولكن لتصرفات بعض البعثيينقاسم كان موجوداً في مقر لوائه يستمع لصوت رفيقه عارف يذيع البيان الأول للثورة ويعلن سقوط الملكية وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (3)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، خاصة ان ذكراها حلت في هذا الشهر، شباط (فبراير) ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يواصل حديثه عن العلاقة بين الحركة القومية العربية وثورة 14 تموز (يوليو) وتحديدا العلاقة بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، وعلاقة الاثنين باحمد حسن البكر. القدس العربي بالعودة لمقالات نعمة فارس ، والوقوف قليلا عند هذه الواقعة التي تدحض ما ورد في مقالاته عما اسماه الدور الهامشي لعارف، ومحاولته تصوير عارف وكأنه دخيل علي الحركة، عندما يقول: كما أن هذا الشخص (عبد السلام) لم يكن من المؤيدين لحزب البعث أو الموالين له، كما أنه ليس من الاشخاص الذين يكتسبون احترام نسبة عالية من الشعب لاسباب تتعلق بشخصيته وسلوكه . كان العقيد عبد السلام عارف، القائد التنفيذي لثورة 14 تموز، ونائب رئيس الوزراء، ووزير الداخلية ونائب القائد العام في اول حكومة للثورة، وليس الملازم نعمة فارس، كان واحداً من القادة الاساسيين لحركة شباط (فبراير). وهذا الدور من الوضوح بحيث لا يمكن ان تغطي عليه أي محاولة للتزوير او التحوير والتشويه. مارس عبد السلام عارف دوره يوم 8 شباط ومنذ الساعات الاولي لخطة التنفيذ، كأحد اهم القادة العسكريين، ينظم حركة القطعات، ويشرف علي تنفيذها وتوجيهها. وليس الملازم الذي يقر بانه تهرب من واجبه في معركة الدفاع بحجة الانسحاب لجلب عتاد احتياطي، والذي لم يجلبه، بل تحجج به ثانية ـ جلب العتاد ـ ليتهرب من الالتزام بواجبه في المشاركة في حماية الاذاعة، وليذهب بواجب اعتباطي في مناوشة ثكنة وزارة الدفاع بمدفع دبابته عن بعد، وعبر النهر، كأحسن وسيلة لضمان السلامة، والادعاء بالمشاركة. ثم ليتجاوز علي التاريخ والوثائق والحقائق، ليدعي، مستخفاً بالقارئ، مستهزئاً بالحقيقة، المشاركة في القيادة والتخطيط للحركة، التي لم يتجاوز دوره فيها، ومشاركته اكثر من نصف ساعة او ساعة من التحضير للمعركة، وقاسم لم يصل بعد لمقره في وزارة الدفاع، كما يقر الملازم (الفريق) نعمة بنفسه بذلك في شهادته للكاتب علي خيون في كتابه دبابات رمضان .خطة التحرك تمت في اجتماع بيت ناظم جوادبالعودة لايضاح ما تم في ذلك الاجتماع الاول، بعد اطلاق سراح عبد السلام عارف، الذي تم بينه وقيادة الحزب. طرح عبد السلام مشكلة أن عبد الكريم قاسم لا ينام ليلاً عادة، ويظل ساهراً يتجول في الشوارع في الليل، وينام عند ساعات الصباح الاولي بعد ان يطمئن كلياً علي ان الليلة مرت بسلام، تحسباً لاي انقلاب أو تحرك عسكري يمكن ان يحصل في الفجر، علي طريقة 14 تموز (يوليو). كانت هواجس قاسم هذه تشكل هاجساً آخر مضادا عند عبد السلام عارف والآخرين، كيف يمكن ضمان التحرك لتحقيق انقلاب مع ظروف كهذه، وحذر. ولم يجد له جوابا الا عند كاتب السطور هذه، الذي اقترح عليه وعلي الاخرين ضرورة التفكير ومناقشة خطة انقلابية مميزة وجديدة، تختلف قطعا عما هو معروف عن الانقلابات التقليدية وتوقيتاتها المحصورة بساعات الفجر. فالوضع القائم يختلف عما هو تقليدي في كون ان من الصعب ضمان الولاء الكامل لقطعات محددة، فانصار قاسم موزعون ومنتشرون في القطعات، والاعتماد علي اي قطعة عسكرية واحدة او اكثر مهدد بانقسام القطعة العسكرية، والدخول بمعركة جانبية داخل القطعات نفسها كما حدث في حركة المرحوم الشواف هذا اولا. اما الملاحظة الثانية التي قدمتها كاقتراح هي ان يتم التنفيذ بزمن او توقيت غير تقليدي، في وضح النهار، مثلاً، مستغلين الوقت الذي يلجأ به قاسم للنوم، وفي يوم غير تقليدي ايضاً، اي البحث للتحرك في يوم عطلة اسبوعية او رسمية، لضمان ابتعاد الضباط الموالين لقاسم عن الحضور لوحداتهم العسكرية، واستثمار غيابهم هذا للحد من تحركهم المضاد. عندها نستطيع اختيار الوحدة او الوحدات العسكرية التي تتضمن اكبر عدد من الضباط الموالين، وتعزيزها بضباطنا وجنودنا من الوحدات الاخري لتشكيل مجموعات قتالية موحدة ومؤيدة، في الوقت الذي يكون فيه الاخرون او جماعات الثورة المضادة، والموالون لقاسم يغطون في نومهم. عندها برقت عينا عبد السلام بتحديقة تحمل معاني كثيرة، الدهشة، الحس الاولي بالنجاح، ومعاني الانتصار علي حائر، قلق، يكتشف فجأة سهولة الحل، او العثور علي الحل المتوفر بين يديه دون ان ينتبه له. فقال وهو يكركر ضاحكاً : والله لم يخطر ببالي مثل هذا الحل، وانا اعتبر نفسي أكبر متآمر، او متآمر محترف، قضيت الايام والليالي حائراً ابحث عن الحل الذي لم احسب انه سهل هكذا، ومتوفر بين يديك. وهكذا انفض الاجتماع في تلك الليلة علي اساس الاتفاق علي المبادئ التالية:1: الاتفاق الكلي علي اسقاط قاسم واعادة ثورة 14 تموز لوجهها القومي العروبي الحقيقي .2: أن تكون حركة التصحيح هذه او الانتفاضة خطوة باتجاه ضرب الانفصال وتحقيق الوحدة واعادة بناء الجمهورية العربية المتحدة علي اساس ثلاثي، العراق، وسورية ومصر. 3: تعبئة قواعدنا وتنظيماتنا العسكرية، والمدنية للتحرك، ما ان تتوفر الفرصة لتهيئة بعض القطعات العسكرية التي يفترض ان تكون جاهزة تماماً لمعركة صباحية في يوم من ايام العطل الرسمية.صلاة وعرفان بالجميلقطع علينا عبد السلام لقاءنا هذا لاداء صلاة الليل مرة، ولأداء صلاة الفجر مرة اخري، مستخدماً نفس السجادة التي كان الرفيق المرحوم فؤاد افترشها وتمدد عليها عندما كان مختفيا عام 1959، بعد أن قاد محاولة اغتيال قاسم في شارع الرشيد وغادرنا للقاهرة. وكأن أم كاظم تعمدت أن تجعل من هذه السجادة لغزاً او أثراً يجمع ذكريات، ورائحة وعبق مناضلي وابطال الحركة القومية في العراق، نفس السجادة التي لا زالت العائلة تحتفظ بها وتتوارثها. لم يفت عبد السلام أن يقدم الشكر لعائلتنا جميعا قائلا : انكم الوحيدون الذين قدمتم الرعاية لعائلتي اثناء محنتي، فقد كانت الحاجة ام كاظم تزورعائلته شهريا ومعها ظرف بمبلغ 45 ديناراً تسلمه للسيدة ام احمد (زوجة عبد السلام) وهو اعلي مبلغ كان الحزب يقدمه لاحد انصاره ومناضليه وفي أيام عصيبة وشديدة القسوة عليه بعد أن تخلي الكثيرون عنه وأغلبهم من الحاسدين و الغيورين من دوره في ثورة تموز المجيدة، يضاف لهم عملاء الاستكبار وادواته وحراس مصالحه الذين أطاحت بهم الثورة. حاولت بدوري ان اوضح له أن هذا الموقف لم يكن موقفاً شخصيا خاصاً، بل هو نيابة عن الحزب، قيادة وقواعد ووفاء لمواقفه القومية الأصيلة ودوره البطولي في تفجير ثورة تموز وقيام الجمهورية. غادرنا عبد السلام بعد انتهاء هذا اللقاء، وكان ذلك الاجتماع هو الاول والاخير له خارج منزله، حيث تم الاتفاق في اطار القيادة القطرية ومعه علي أن اتولي مسؤولية العلاقة معه نظرا لحجمه ووزنه ومكانته المميزة، فكنت ازوره بمعدل مرة او مرتين في الشهر، واكثر احيانا، حسب متطلبات الظرف ومستجداته. كانت لقاءاتي معه تتم عادة بعد الساعة الثانية عشرة ليلا وتستمر حتي مطلع الفجر احياناً، ليقطعها لاداء الصلاة. كنت كثيرا ما اقوم بزياراتي هذه بشكل منفرد، ورافقني لمرتين او ثلاث السيد علي صالح السعدي ومرة واحدة او اكثر رافقني المرحوم طالب الشبيب. أما عن علاقة عبد السلام التنظيمية بحزب البعث، أقول نعم لم ينضمّ عبد السلام لحزب البعث ولم يحاول الحزب ضمّه رسمياً ولم يحاول هو الانتساب للحزب، لكن علاقته بالحزب اصبحت منذ اليوم الرابع عشر من تموز (يوليو) علاقة استراتيجية، متماسكة، ومصيرية، بفضل صديقيه الحميمين القائد المرحوم فؤاد الركابي، والسيد ناظم جواد، والتأثيرات الكبيرة لدور عبد الناصر والجمهورية العربية المتحدة ولآلام وظروف المحنة التي مر بها ولم يهرع لنصرته الا البعث. وما ساد الشارع العربي من امال وتطلعات لا تفصل بين عبد الناصر كقائد قومي للأمة وحزب البعث، والالتقاء علي ارضية الايمان باهداف وامال الامة العربية في تحقيق وحدتها، واستقلالها والتخلص من النفوذ والهيمنة الاجنبية، والارتقاء الي مستوي من التقدم يتناسب مع ما بلغته البشرية من تقدم وحضارة. ولا ابالغ اذا قلت ان عبد السلام عارف كان اكثر حرصاً علي حزب البعث من الكثير من النفعيين الذي استخدموا البعث لاشباع حاجات نفسية غير حضارية. وتحقيق طموحاتهم الشخصية للتسلط والعبث بمقدرات الامة، وباسم الامة، وذريعة العمل من اجل تحقيق اهدافها، من امثال البكر وعماش وحردان وغيرهم من الوصوليين والمنتفعين والمشبوهين. ان افضل من عبر عن هذه العلاقة المصيرية بين البعث وعارف هو عارف نفسه في خريف 1963، عندما جاء الي مكتبي في القصر الجمهوري الاستاذ ميشيل عفلق وبصحبته السادة علي السعدي وحمدي عبد المجيد، ليبلغوني ضرورة مقابلة عارف، ودعوته للانتساب الي الحزب كعضو عامل فيه، ورغبتهم في اصطحابي أو انضمامي لهم لمقابلته في مقره لتقديم هذا الاقتراح. حاولت جهدي إثناء الأستاذ عفلق والوفد المرافق له عن تقديم هذا الاقتراح المتأخر، وهو لن يعود علي الحزب بشيء، كما سوف لن يؤثر علي سلوكيات عارف ومواقفه، ولا اظنه سيقتنع بذلك، ومع ذلك فقد رافقتهم في مقابلة عارف بعدما اتصلت به لاخبره بقدومنا، وكما توقعت رفض عارف الاقتراح بأدب بعد أن استمع اليهم بدون مقاطعة، وكان المتحدث نيابة عن الوفد الاستاذ عفلق الذي وصف عارف ببطل تاريخي من أبطال الأمة العربية، فاجاب عبد السلام: استاذ ميشيل انا تعرضت للموت مرات عدة وجردت من جميع مناصبي بعد ثلاثة أشهر من قيام ثورة تموز وسارت مظاهرات صاخبة منظمة تطالب بقطع رأسي وحكم عليّ بالاعدام بعد ذلك بسبب علاقاتي بحزب البعث، ولم اكن عضواً فيه، واؤمن كلياً بأني اخدم البعث من الخارج بشكل افضل كثيراً مما لو انتسبت له. اني خدمت الحزب فعلاً منذ اليوم الاول لثورة 14 تموز، واني ما زلت اتشرف بحزب البعث . فهل هناك من امانة وصراحة اكثر من هذه الصراحة، وهذا الالتزام بالعمل المخلص مع الحزب، مقابل المكر والاستبطان الذي يجيده الاخرون؟ لكن احداً لا ينكر ان عارف تغير بمرور الايام، ولم يكن هذا مجرد موقف مزاجي وخياني بقدر ما كان تغيره انعكاسا لافعال وممارسات وتصرفات بعض البعثيين، وكما سيرد تفصيل ذلك في الفصل الخاص بمناقشة علاقتي مع الاخ علي السعدي. بالعودة ثانية لقراءة ما ذكره السيد نعمة فارس في ذكرياته المشوهة عن عبد السلام عارف، وأؤكد هنا أنني لست بوارد المقارنة والمفاضلة بين الشخصيتين فهي تكاد تكون معدومة ومن ضروب المستحيل ووفقاً لهذه الذكريات، والاحتكام لتفاصيل تاريخ حياة الرجلين، وجدية الادوار التي ادياها ولعباها في تاريخ العراق الحديث، نكتشف مدي التجني واللاموضوعية التي تناول بها السيد نعمة تقييمه لدور عبد السلام في الحركة. يقول الفريق نعمة واصفا عبد السلام : ان هذا الشخص لم يكن في يوم من الايام من المؤيدين لحزب البعث او من الذين يلتقون معه كما انه ليس من الاشخاص الذين يكتسبون احترام نسبة عالية من الشعب لاسباب تتعلق بشخصه وسلوكه . نقول، من يقيم الاخرين ويحدد الاحترام كمقياس لهذا التقييم؟ والمعني الأولي لمفهوم الاحترام هو نظرة الناس لشخص ما من زاوية التقدير لما يتمتع به من صفات اخلاقية وادوار اجتماعية تجعله في موقع من يحسب لآرائه وارادته حسابا في المواقف الاجتماعية او السياسية التي يشارك بها، ويؤثر في نجاحها او فشلها، قبولها او رفضها من قبل الاخرين وفقا لموقفه الخاص منها.فاذا كان عبد السلام في موقف من لا يحظي باحترام نسبة عالية من الشعب، فالسؤال ما الذي مكنه لان يحتل في فترتين عصيبتين من تاريخ العراق هذه المواقع القيادية الرسمية، بل ولا يمكن ان ترقي لها احلام الكثيرين؟ كان عبد السلام الشخص الثاني بل اقوي حتي من صاحب الدور الاول في اول حكومة جمهورية، ثم الشخص الاول ورئيــــس الجمهورية منذ 8 شباط (فبراير) 1963 حتي مماته في آذار (مارس) 1966، يزرع الخوف في قلوب اعدائه وهو في سجنه محكوم عليه بالاعدام، ويثير ويحيي الامال ويشحذ العزائم والهمم في قلوب اصدقائه ومحبيه وكما أنشد الشاعر العربي أحمد عبد المعطي حجازي في دمشق بعد فشل حركة الشهيد عبد الوهاب الشواف وأعمال القتل والسحل والترويع الذي أعقب ذلك.تُحييك معني اذا عبد السلام رأيمن سجن بغداد، بغداد التي فتحا سوف لن يكون مقنعا، ان يجيبنا الفريق نعمة، ان كل ذلك توفر لعبد السلام عارف فقط بسبب موقعه او رتبته العسكرية في الجيش. فالسيد نعمة وصل لرتبة عسكرية اعلي بكثير من كل الرتب التي وصلها العقيد عبد السلام يوم قاد اللواء العشرين لتحقيق ثورة 14 تموز المجيدة، ويدكّ صروح الملكية المحمية من قبل القوات البريطانية المرابطة في قاعدتي الحبانية والشعيبة. واللواء العشرون كان لواء مشاة باسلحة خفيفة، وعتاد محدود، لم يكن عبد السلام حينها يمتلك ولا دبابة واحدة، او مدفع ثقيل، وتروي كتب التاريخ القريب أن قواته التي ذهبت لقصر الرحاب كانت تشتكي من شح العتاد الذي انتهي قبل ان تحقق هذه القوات اهدافها، وكان يمكن ان تحصل الكارثة لولا هروع الضباط القوميين الاحرار من العاملين في مدرسة المشاة في معسكر الوشاش لنجدة هذه القوات وانقاذ الموقف. ان الاداء الوظيفي، او النجاح الوظيفي، وحتي الاداء السياسي يعتبر من وجهة نظر علم النفس احد الوسائل او المعايير المهمة لقياسات النجاح والفشل، والقدرات، وحتي الذكاء، واذا افترضنا ان الرتبة العسكرية كانت المفتاح الوحيد للنجاحات التي حققها عبد السلام عارف، فان نفس الرتبة بلغها السيد نعمة كما هو غيره من الاف الضباط الاخرين، الا ان قلة فقط منهم من ترك بصماته علي تاريخ العراق الحديث، ان سلبا او ايجابا، بالطريقة التي سلكها عبد السلام عارف. كما لا يمكن أن نعزو التدرج التقليدي في الرتبة التي وصلها السيد نعمة، دون ان يكون له مأثرة مميزة عن بقية الضباط التقليديين من امثاله، الي قناعة او عزوف عن التبوؤ بالمناصب المغرية، كما لا يمكن ان نعزو ذلك لقناعات بفكر حزب البعث، وقيادة البكر ـ صدام يمكن ان تكون سببا لمسايرته للنظام الي الحد الذي تمكن معه استنزاف كل الفترة التقليدية للخدمة. والدليل علي ذلك انه تجاوز كل الممنوعات القانونية والوطنية والاخلاقية عندما تطوع او تعامل كمستشار بشؤون الجيش العراقي في البنتاغون، وهو يعلم علم اليقين ان البنتاغون يخطط لضرب بلده، والنظام الذي منحه كل تلك الرتب والمناصب والأطيان والبساتين والخيول المطهمة هو وغيره من المترددين والعاملين في مكاتب سعدون شاكر وبرزان التكريتي ووطبان والبراك وعدنان طلفاح وجلاوزتهم للوشاية وكتابة التقارير للإيقاع برفاقهم وتصفية من يصفي واعتقال من يعتقل. كما ان اتصالاته مع الفريق الهارب حسين كامل والمتآمرين الآخرين من عياره وآل فرانكي في واشنطن لم تكن خافية عن أعين الوطنيين خارج العراق والذي كان يديرها بنشاط من سفارة العراق في فيينا. نترك للقارئ الكريم الحكم علي صحة الاحكام التي طرحها الملازم نعمة عن عبد السلام عارف، وفقا لما عرضناه من ملاحظات حول حجم التمايز في كل شيء بين الاثنين. ثانياً: أحمد حسن البكران اولي مهام البكر غير التقليدية كضابط، بدأت عندما طرح اسمه لاول مرة بعد ثورة تموز المجيدة، مرتبطا بحالة اعلان الاحكام العرفية، وحالة الطوارئ التي اعلنت في العراق بعد الثورة، عندما نشرت الصحف الرسمية الاعلان عن تشكيل المحكمة العرفية العسكرية برئاسة العقيد شمس الدين عبد الله وعضوية المقدم احمد حسن البكر، وعضو ثالث لا اتذكر اسمه. وعند التحري عن هوية اعضاء المحكمة هذه تبين انهم جميعا من الضباط المعروفين بتدينّهم في المؤسسة العسكرية العراقية، وكانت هذه الصفة هي احد اهم الاسباب وراء تعيينهم في مناصبهم هذه، توخيا للعدل، ومخافة الله في محاكمة ما سيعرض علي هذه المحكمة من قضايا. كان البكر احد الضباط المشاركين في نشاطات الضباط الاحرار، دون ان يكون له موقع او نشاط مميز في هذه الحركة. يعمل ضمن قطعات اللواء الاول، الذي يقع مقره في مدينة المسيّب ، الواقعة في منتصف الطريق بين كربلاء وبغداد. وكان هذا اللواء بإمرة العقيد وفيق عارف، شقيق الفريق رفيق عارف، رئيس اركان الجيش في العهد الملكي، خلال الفترة التي سبقت ثورة 14 تموز مباشرة. كان الثوار يتحسبون كثيرا لدور هذا اللواء وموقعه، ويتخوفون ان يتحرك عند تفجير الثورة الي بغداد التي لا يبعد عنها باكثر من 50 كيلو متر، ما يضمن له سرعة التحرك والوصول الي العاصمة خلال ساعة واحدة علي افضل تقدير. لم ينس عبد السلام عارف ان يأخذ بنظر الاعتبار مخاطر هذا اللواء علي حركته، عندما كان يخطط للثورة، وازاحة النظام الملكي، لذلك طلب العقيد عبد السلام عارف من العقيد عبد الستار عبد اللطيف ابلاغ البكر بموعد الثورة، تم ذلك في اخر لقاء لهما في دار العقيد عبد الستار، مساء يوم الخميس، المصادف 10 تموز 1958، وطلب عارف من البكر من خلال العقيد عبد الستار ان يكون جاهزا هو وخلية الضباط الاحرار في اللواء، وهي خلية صغيرة، لاعتقال آمر اللواء في حالة تحريكه اللواء لمؤازرة النظام الملكي ضد الثوار. وقد استمع البكر لبيانات الثورة من اذاعة بغداد في وقت مبكر من صباح 14 تموز، كما استمع لذلك بقية الضباط وأبناء الشعب في انحاء البلاد. كان اللواء الاول، وهو احد ألوية الفرقة الاولي ومقرها الديوانية، مشمولا بحالة العصيان علي الثورة التي اعلنها قائد الفرقة الاولي اللواء عمر علي. لذلك تحرك المقدم احمد حسن البكر بالتعاون مع المقدم عبد الجبار عبد الكريم من قيادة مجموعة صغيرة من صغار الضباط لاعتقال آمر اللواء في غرفته وقطع جميع الاتصالات بقيادة الفرقة الاولي. التي استسلم آمرها اللواء عمر علي لمجموعة مماثلة من الضباط الاحرار العاملين في مقر قيادة الفرقة، بعد عدة ساعات من قيام الثورة ليستتب بذلك تأييد الجيش كليا للثورة والثوار الجدد.عندما استلم عبد السلام مناصبه الجديدة بعد الثورة، وفي جلسة من جلساته مع الزعيم (العميد) عبد الكريم قاسم وبقية الضباط المشاركين بالثورة، اقترح عبد السلام تعيين العقيد عبد اللطيف الدراجي، آمر الفوج الثاني في اللواء العشرين، وهو اللواء الذي قاده عبد السلام عارف ونفذ الثورة بقطعاته، آمرية اللواء. الا أن العقيد عبد اللطيف الدراجي، وهو الصديق الشخصي المخلص للعقيد عبد السلام عارف، اعتذر عن قبول هذا المنصب، طالبا تعيينه آمراً للكلية العسكرية. بقدر ما يعكس هذا تواضع مطالب الضباط الاحرار بالمقارنة بالثوريين الآخرين بعد عقود من السنيين ويفسّر تحركهم علي انه كان بدافع وطني خالص بعيدا عن المطامح الشخصية والنفعية. فان هذا الرفض من قبل العقيد عبد اللطيف كان من اكبر اخطاء الخط القومي الذي بادر لتنفيذ الثورة بروحية واستعداد عاليين للتضحية، وبشجاعة نادرة، لانه ـ هذا الرفض ـ يعني تخليهم عن قوتهم العسكرية المضمونة الولاء والطاعة، وتجريدهم من عناصر القوة عموماً في حين لعب قاسم دوره بخبث وحذر، فأعاد اللواء الي جلولاء مقر اسكانه الاول، تحسباً لولاءات منتسبيه لعبد السلام عارف. كما يعكس هذا الرفض سلامة نيات الاتجاه الوطني والقومي، وعدم وجود اية نيات مبيّته ضد عبد الكريم قاسم وتدحض إشاعات المتآمرين علي ثورة تموز (يوليو) من ان هناك تآمرا مبكرا للإطاحة بقاسم بالإتفاق بين عارف والبعث وجمال عبد الناصر. ويعكس ايضا ثقتهم بعبد الكريم قاسم الذي ائتمنوه، والتي منعت ظهور أية مخاوف تجعلهم يحسبون الحسابات الحذرة للمستقبل. والا فقد كان عبد السلام يمتلك القدرة لاقناع، بل وحتي ممارسة الضغط علي العقيد عبد اللطيف لاستلام آمرية اللواء. تماما كما اثبتت الوقائع، كان اللواء العشرون مثاراً لمخاوف قاسم، وموضوعا لحقده، بعد تصاعد خلافاته مع عبد السلام عارف. بالعودة لقصة تعيين آمر اللواء، اقترح عبد السلام كبديل للدراجي تعيين العقيد احمد حسن البكر، باعتباره احد الضباط الاحرار، آمراً للواء . فاعترض عبد الكريم قاسم علي هذا الاقتراح متحججاً بأقدمية العقيد هاشم عبد الجبار، الذي اختاره قاسم آمرا للواء العشرين. واستجاب عارف لرغبة واقتراح صديقه. كما تم الاتفاق علي ان يتولي البكر إمرة الفوج الثالث في اللواء العشرين، وهو الفوج الذي كان تحت امرة عبد السلام عارف، ساعة تنفيذه للثورة. المعروف أن العقيد هاشم عبد الجبار لم يكن من بين اعضاء تنظيمات الضباط الاحرار، ولا علاقة له بالثورة، الا انه من الانتهازيين المعروفين، ومن اصدقاء عبد الكريم قاسم. كما أظهر تطرفاً غير طبيعي في الالتزام، او التظاهر بالالتزام بالشعارات الشيوعية حتي لقّب بكاسترو جلولاء وكما سبق ان ذكرنا اعلاه من ان هذا التعيين كان مصدر شؤم علي عارف نفسه، وغلطة كبري من تلك التي تحسب علي الشطّار بألف. فمع تصاعد الاحداث، وتسارع التطورات التي ادت الي فصم عري الصداقة والرفقة الثورية بين عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، كان هاشم عبد الجبار نفسه هو الشخص الذي عيّنه عبد الكريم قاسم رئيساً للهيئة التحقيقية الخاصة لتتولي التحقيق بالمؤامرة المزعومة التي اطلق عليها اسم مؤامرة 5 تشرين الثاني (نوفمبر)، وهو يوم اعتقال عبد السلام عارف بعد عودته من المانيا بعد ان عيّنه عبد الكريم قاسم سفيرا فيها، فاعتبر تلك العودة علي انها انعكاس لنيّة مبيّتة من قبل عبد السلام للانقلاب عليه. لقد اثار اعتقال عبد السلام، مشاعر الاستياء عند امر الفوج الثالث للواء العشرين، العقيد احمد حسن البكر، وبقية ضباط الفوج واللواء. وراعهم ما جري من سقوط سريع لآمرهم، وان ينتهي ذلك باعتقاله، مصحوبا بحملة تشويه، ودعاية محمومة تهدف لتسيير المظاهرات المطالبة باعدامه، واذاعة البرقيات المستنكره لفعل لم يرتكبه. ولعل الكثيرين لايعرفون حجم الصداقة الحميمية التي كانت قائمة بين البكر وعبد السلام عارف، حتي ان عبد السلام عارف سمّي ابنه البكر ـ الاول ـ احمد تيمنا باسم احمد حسن البكر، وعندما رزق البكر صبيا، بعد ذلك، أسماه عبد السلام، كاعتزاز مقابل بصديقه عبد السلام عارف. سواء أكان نتيجة لضغط المشاعر الودية الشخصية، او ادراكا مبكرا من قبل البكر ورفاقه في الفوج لحجم الانحراف الذي بدأ يظهر علي سلوك عبد الكريم قاسم ونواياه السيئة لنقل الثورة بعيدا عن اهدافها الوطنية والقومية، وحصر كل هذه الاهداف في نطاق تضخيم دوره وزعامته الشخصية، وكأن ليس هناك من هدف للثورة سوي تمجيده، ورفعه لمستوي الابطال العظام في تاريخ البشرية، وتفرده بتزييف وقائع الثورة بتصوير ونسبة البطولات التي حققها عبد السلام عارف يوم تنفيذه للثورة لنفسه، مع ان كل الشواهد، والدلائل، ومشاهدات المشاركين في الثورة او من راقب احداثها وتفاصيلها، تشهد، ويشهدون، ان عبد الكريم قاسم كان لا يزال موجوداً في مقر لوائه في المنصورية يستمع لصوت رفيقه عبد السلام عارف وهو يذيع البيان الاول للثورة موقعا من قبل القائد العام للقوات المسلحة بالنيابة، ويعلن سقوط الملكية وقيام الجمهورية العراقية الفتية. بدأ البكر يخطط، او يفاتح رفاقه الضباط في الفوج الثالث للواء العشرين، للتحضير لانقلاب جديد، يتم بتطويق وزارة الدفاع، واذاعة بيان بإعادة عبد السلام الي جميع مناصبه. يبدو ان اخبار تفاصيل خطة البكر هذه كانت تصل أولاً بأول لعبد الكريم قاسم، الذي بدأت اعراض البارانويا تظهر عليه بوقت مبكر، فسارع لاعتقال البكر، ومجموعة الضباط الذين فاتحهم البكر بالموضوع. كان تحرك البكر هذا يمثل البداية في سلسلة المحاولات الرامية لاسقاط قاسم، التي خطط لها او نفذها وفشلت وقام بها الضباط الوطنيون والقوميون، والتي انتهت بحركة 8 شباط (فبراير) 1963.7