ثوابت الأمة عند الليبراليين العرب

حجم الخط
0

ثوابت الأمة عند الليبراليين العرب

د. خالد شوكاتثوابت الأمة عند الليبراليين العربيخطئ كثيرا كل من يعتقد بأن التيار الليبرالي في الوطن العربي، هو مجرد طابور خامس للولايات المتحدة الأمريكية أو لغيرها من القوي الغربية، علي الرغم من إمكانية وجود علاقات قوية لبعض قادة ونشطاء هذا التيار مع واشنطن أو سواها من العواصم الدولية، فالليبرالية باعتبارها مجموعة قيم ومبادئ فكرية وسياسية إنسانية، هي في المقام الأول عقيدة بشرية تتجاوز حدود التاريخ والجغرافيا، تماما كما هو شأن عقائد أخري، كالديمقراطية والاشتراكية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان.واتهام التيار الليبرالي العربي بالعمالة للولايات المتحدة أو سواها، ليس إلا نتاجا لولع العقل العربي عامة بإلصاق تهم التخوين والعمالة بالآخر المختلف عنه، فالإخوان المسلمون كانوا برأي القوميين واليساريين العرب مجرد صنيعة للاستعمار البريطاني، والشيوعيون العرب كانوا برأي سواهم عملاء لـ كي جي بي وإذا ما أمطرت في موسكو قيل انهم وضعوا المظلات في مدنهم وقراهم العربية الجافة، أما القوميون العرب فليسوا سوي ردة فعل عمياء علي الشوفينيات التركية والايطالية والألمانية، ولاحقا مخبرين لدي التنظيمات الناصرية والبعثية. إن التيار الليبرالي العربي هو تعبير أصيل برأيي عن إحدي الحاجات الماسة التي تفتقدها المجتمعات العربية، وهو مشروع يري في الحرية والديمقراطية ودحر الأنظمة الاستبدادية أولوية يمكن أن تقود إلي تحقيق بقية الحاجات الأساسية التي تفتقدها المجتمعات العربية أيضا، والتي تتخذها تيارات أخري أولويات، كما هو أمر التحرير والوحدة لدي القوميين العرب، أو العدالة الاجتماعية لدي اليسار، أو تطبيق الشريعة الإسلامية لدي الإسلاميين.وكأحد المؤمنين بالقيم الليبرالية الكونية، ممثلة أساسا في الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان والاقتصاد الحر الحافظ والمحفز للمبادرة الفردية، لا أجد أي تناقض بين مرجعيتي الليبرالية هذه، وإيماني العميق بأن إنشاء فضاء ليبرالي في العالم العربي وحده الكفيل بضمان تدين إسلامي حقيقي لدي الناس خال من كل رياء أو نفاق أو طمع، يعمل علي نفع الناس لا التآمر لتفجير أجسادهم البريئة، وكذلك تحقيق التواصل بين مختلف البلدان العربية بما يحول مشاريع الوحدة إلي مصالح مادية، والشعارات الكلامية إلي حقائق عملية علي الأرض، ناهيك عن إزالة معوقات استكمال عمليات تحرير الأرض المتأخرة من خلال تعرية واقع المحتلين وكشف معادنهم المشوهة للعالم.إن الاتهامات التي تكال إلي الليبراليين العرب، قدامي كانوا أم جددا، ليست في اعتقادي إلا تجسيدا لاستمرارية أزمة العقل العربي، من حيث جنوح تجلياته المتعددة باستمرار إلي الشمولية، كما هو جنوح المنظرين العرب علي اختلاف مشاربهم إلي تقديم أنفسهم للأمة أنبياء لديهم مقدسات، تحل اللعنة علي كل من يشكك فيها، ويحرم كل من لا يؤمن بها من نياشين المقاومة والبطولة والوطنية، وبالمقابل فإنه سيكون مؤشرا علي تعافي هذا العقل إيمانه بأن تجلياته جميعا نسبية، وبأن الليبرالي كما اليساري والقومي والإسلامي، صاحب وجهة نظر من حقه أن يطرحها علي الجمهور دون أن يتهمه أحد بالخيانة، أو يرهبه بقطع الرأس أو اللسان.لقد أهدرت أمة العرب طيلة الخمسين عاما الماضية ملايين الفرص لإصلاح أوضاعها، وكان السبب الرئيسي في ذلك، أن صوتا واحدا كان يجب أن يسمع، وأن رئيسا واحدا كان يجب أن يطاع، وأن حزبا واحدا كان يملك الحقيقة السياسية والطهارة الفكرية والنقاء الثوري، أما البقية فإما صنائع للاستعمار أو أذناب وأدوات تحركها القوي الأجنبية، ولعله من أكبر دواعي الأسف أن الوضع الكارثي الذي وصلنا إليه، والسواد الحالك الذي يحيط بنا من كل حدب، والفشل الصارخ الذي يجلل مسيرتنا البائسة علي كافة الأصعدة، كل ذلك لم يكن كافيا ليقنعنا بأن الطريق الشمولي الأحادي لم يكن صائبا، وبأنه من الأصلح أن تستوعبنا جميعا أرضنا، وبأن نحتكم في اختلافاتنا البشرية إلي صناديق الاقتراع، وبأن لا يزايد أحدنا علي الآخر في حب الوطن أو الدين أو القومية.إن مجرد الاستماع إلي الساسة والمنظرين العرب كل علي حدة، سيقود بلا شك إلي اكتشاف الحقيقة، فالليبراليون العرب لا يمكن أن يكونوا من أنفسهم ليبراليين وعربا، يؤمنون بحق شعوبهم في التمتع بالحرية والديمقراطية وبناء علاقات سلمية وودية مع الغرب والشرق علي السواء، إنما هم في نظر القوميين أو الإسلاميين أو بعض اليساريين عملاء جري تدريبهم علي الكلام في دهاليز سي آي إيه ، وإنه لمؤسف أن نعوتا مشابهة يمكن أن تقال في منتديات الليبراليين عن سواهم، من قبيل أيتام صدام و عملاء إيران و أذيال كاسترو وماو وايميل سونغ ، والبين عندي أنه من الطبيعي أن تنتج أمة العرب ليبراليين وقوميين وإسلاميين ويساريين، لأنه لا أمة في الدنيا خالية من انقسامات، وما اختلاف أمة عن أخري إلا في كيفية إدارة هذه الإنقسامات، بين دعاة تعايش وأدعياء عصمة وألوهية.وإن الناظر في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، سيستنتج بلا ريب أن لليبراليين العرب أفضـــالا كثيرة علي شعوبهم وبلدانهم، فهم علي سبيل المثال من قاد معارك التحرير ضد الاستعمارين الفرنسي والأنكليزي، وهم من قاد تجارب النهضة والإصلاح الأولي في أكــثر من قطر عربي، وهم من كشف للأمة حقيقة التخلف الحضاري الذي أضحت عليه، وحاول الأخذ بيدها للالتحاق بركب الأمم الناهضة، دون أن يكون لديهم أية عقدة في التعامل مع ما عرف بثوابت وخصائص الهوية الدينية والقومية.لقد كان سعد زغلول باشا ليبراليا، وكان النحاس باشا ليبراليا، تماما كما هو شأن مصطفي كامل ورفاعة الطهطاوي وطه حسين والشيخ علي عبد الرازق وعباس محمود العقاد وغيرهم من رموز عصر النهضة المصرية، وفي تونس كان بورقيبة ليبراليا وخير الدين باشا ليبراليا، و كذا الشأن بالنسبة لمحــــمد علي الحامي والطاهر الحداد وفرحات حشاد وصالح بن يوسف ومحمود الماطري وعلي البلهوان وسواهم من رموز الحركة الوطنية التونسية التي خاضت غمار الكفاح ضد الاحتلال وبناء الدولة المستقلة.وفي المغرب ولبنان وسورية والجزائر والعراق، كانت غالبية رجال وقادة الحركات الوطنية التي حررت البلاد من المستعمر الأجنبي، من الليبراليين الذين خططوا لإقامة دول مستقلة معتزة من جانب بهويتها القومية العربية والدينية الإسلامية، ومستندة من جانب آخر علي قاعدة البنيان السياسي الحديث كما تجلي في الغرب، من حيث التأكيد علي علوية الدساتير والفصل بين السلطات وضمان حقوق الإنسان والحريات، هذا قبل أن تتفاجأ هذه النخب بزحف العسكر من الثكنات، وتسمية الانقلابات العسكرية بالثورات، وظهور أنبياء جدد باسم القومية والوحدة والإشتراكية، أجازوا مصادرة كل شيء باسم الحفاظ علي المصالح القومية والدينية والطبقية، حتي عاد ضعاف العرب ـ وهم الغالبية ـ يترحمون علي أيام المستعمر من شدة ما فعل بهم المستبد من أهل الدم والعشيرة.إن اختلاف الليبراليين العرب، مع غيرهم من تيارات الأمة، لم يكن اختلافا علي الثوابت، والقول بخلاف ذلك ليس سوي افتئات كبير يراد به مواصلة السير في المناهج الأحادية البائسة إياها، إنما كل الاختلاف منصب علي الآليات الكفيلة بتحقيق المصالح الوطنية والقومية العليا، فالنظرة الليبرالية العربية إلي القضية الفلسطينية في تميزها عن غيرها علي سبيل المثال، ليس مردها الإيمان أو عدم الإيمان بالحق الفلسطيني، فالحق الفلسطيني ثابت وليس محل نقاش، إنما الاختلاف حول الكيفية المثلي لإحــــقاق هذا الحق، وكذا الحال بالنسبة للقضية العراقية، فما هو مصدر اختلاف بين الليبراليين العرب وغيرهم، لا يدور حول حق العراقيين في العيش في دولة مستقلة لا وجود لجندي محتل علي أرضها، إنما الخلاف علي كيفية بناء هذه الدولة، علي أن تكون دولة ديمقراطية تعددية، لا دولة بعثية أو زرقاوية مدلهمة.ولعل أكبر ما يصيب الأمم، أن يحرمها أبناؤها من ثروة تعدد الآراء، ولعل أهم ما يميز الأمم المتحضرة فسحها المجال أمام ظهور الآراء المتعددة في أحلك الظروف والأزمات، وإن أمة العرب أحوج ما تكون إلي أن يتسع مجالها وعقلها لكل الأفكار والتوجهات بعيدا عن التخوين والمزايدات، وبعيدا عن الأوهام والعنتريات، وأن تتبني تياراتها الفكـــرية والســــياسية جميعا، قيما جامعة هي في أمس الحاجة إليها، وفي مقدمتها النســــبية، فعندما يدرك الإنسان انه ليس بمقــــدوره امتلاك الحقيقة، سيعذر أخاه الإنسان وسيجد له متسعا للعيش إلي جانبه والقبول به والتنافس النزيه معه، بما يحقق المصلحة المشتركة بينهما.ہ كاتب تونسي، مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي-لاهاي8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية