عن سامي الحاج وسريالية القمع

حجم الخط
0

عن سامي الحاج وسريالية القمع

د. عبدالوهاب الافنديعن سامي الحاج وسريالية القمع(1) هنالك مصطلح انكليزي يمكن ترجمته بعبارة كافكاوي نسبة الي القاص التشيكي المشهور فرانز كافكا الذي تميزت قصصه باستطلاع سيناريوهات كابوسية يجد فيها الفرد نفسه في قبضة اجهزة قمعية عبثية الطابع لا تخضع لاي نسق عقلاني. مصور الجزيرة السوداني الاصل سامي الحاج وجد نفسه داخل سيناريو من هذا النوع منذ اعتقاله من قبل قوات الامن الباكستانية في كانون الاول (ديسمبر) 2001 وتسليمه الي القوات الامريكية. سامي تعرض لصنوف من الاهانات والتعذيب المنهجي واساءة المعاملة لمدة ستة اشهر في قاعدة بغرام الجوية في افغانستان وسجون قندهار قبل نقله الي معتقل غوانتانامو في حزيران (يونيو) 2002 حيث لا يزال يقبع هناك.(2) ذنب سامي الاول والأوحد عند السلطات الامريكية هو كونه مراسل قناة الجزيرة التي تدعم الارهاب وتروج له بحسب الامريكان، وتعوق المخططات الامريكية في المنطقة، ولكن لأنه لا توجد تهمة رسمية من هذا النوع، فكان لا بد من اختلاق تهم اخري. وكان اول اتهام وجه له هو تسجيل مقابلة مع اسامة بن لادن، ولكن هذه ايضا تهمة سخيفة لانها تنطبق علي بيتر انيت، مراسل سي ان ان ، وجون ميلر مراسل اي بي س ، وروبرت فيسك مراسل الاندبندنت ، ورحم الله يوسف زاي مراسل التايمز ، وبالطبع عبد الباري عطوان، ولهذا كان لا بد من البحث عن تهم اخري، هذا مع العلم بأن سامي لم يسجل المقابلة اصلا.(3) في كل نظام عقلاني او شبه عقلاني، حتي في اعتي الانظمة الدكتاتورية، يعتقل الشخص بعد اتهامه بذنب ما، اما في حالة سامي الحاج فان التفتيش عن التهم بدأ بعد اعتقاله، وابتدعت له تهمة كاذبة بعد اخري، مثل تجارة الاسلحة، او انشاء وادارة موقع الكتروني مؤيد للقاعدة، او نقل اموال لثوار الشيشان، رغم انه لم يزر الشيشان في حياته ولم يكن له موقع الكتروني ولم يتاجر في السلاح ابداً.(4) في النظام الكافكاوي الذي تتعبه العدالة الامريكية المعاصرة، يتم تجريم الاعمال بأثر رجعي، مثلا التعامل مع شخص ثبت فيما بعد انه مغضوب عليه امريكيا يصبح جريمة، رغم ان المتعامِل قد لا يكون علي علم بهوية الشخص، او انه لم يكن مغضوبا عليه، حين تعامل معه. وفي نفس النسق القمعي السوريالي يتحول كل عمل انساني بريء الي غطاء لعمل آخر سري اجرامي: زيارة سامي الحاج الي اذربيجان، موطن زوجته، او ذهابه الي سورية في عطلة، تصبح تهمة، وبالمثل التعاملات المالية الشرعية تصبح غطاء لعمل ارهابي من نوع ما!(5) في عالم كافكا الذي يكتب سيناريوهاته دونالد رامسفيلد يصبح كل عمل تأتيه هو عمل اجرامي، لأنك مجرم بالطبع، وبالتالي لا يمكن ان تتصور البراءة في اي من اعمالك، فانت لست مجرما لانك ارتكبت عملا اجراميا، بل اعمالك هي المجرمة لانها صدرت عنك، مهما كانت ظاهرة البراءة لان رامسفيلد يؤكد انك من حثالة البشر رغم انك لم تتهم رسميا او تحاكم.(6) الطريف ان رفض سامي الحاج الانخراط في عمل اجرامي طلب منه هو ما ضاعف محنته، فقد رفض عرضا بالافراج عنه مقابل نسج الكذب حول قناة الجزيرة والتجسس عليها، فاعتبر تنزهه عن الاجرام في هذه الحالة جريمة تستحق العقاب في جحيم غوانتانامو. ولعل كافكا نفسه يعجز عن ابتداع سيناريو من هذا النوع الجهمني.(7) هناك تساؤلات مهمة حول دور اجهزة المخابرات العربية، وعلي رأسها جهاز المخابرات السوداني الذي يتباهي صباح مساء بتعاونه المخلص مع المخابرات الامريكية، في استمرار محنة سامي الحاج، فمن الواضح ان كثيرا من الافتراءات والاكاذيب في حق سامي الحاج جاءت من تلك المصادر، مثل ما جاءت اكاذيب اخري عن اسلحة العراق وغيرها. وهذا يترك علامات استفهام كثيرة حول القصة بمجملها وخاصة حول تقاعس هذه الاجهزة عن بيان الحقائق حول وضع سامي.(8) هناك اشاعة مغرضة مفادها ان امريكا ارسلت قواتها الي العراق لتحريره من نظام صدام حسين، ولكن كل الدلائل تشير الي ان هذه تغطية علي مؤامرة بين صدام وصديقه القديم دونالد رامسفيلد رئيس القيادة القطرية لحزب البعث في امريكا. وبموجب هذه الصفقة يستولي فرع حزب البعث الامريكي علي السلطة في واشنطن، بينما يتم تحويل صدام الي بطل قومي وعالمي عبر محاكمات صورية مضحكة والنتيجة ان حزب البعث يحكم اليوم في بغداد وواشنطن معا.(9) في عهد رامسفيلد الميمون، يجب ان يعتبر سامي الحاج نفسه محظوظا فهناك المئات ممن قضوا نحبهم قصفا بتهمة تناول الطعام مع الظواهري او الركوب في سيارة مع مَنْ يشتبه في انه من القاعدة (وهي بدورها صفة هلامية، اذ ما هي القاعدة؟) نسأل الله ان يجعلنا ممن يتقي الشبهات، وندعو بالفرج لسامي وللشعب الامريكي المنكوب.9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية