ما هي دوافع الموقف الفرنسي من إيران؟
السنوسي بسيكريما هي دوافع الموقف الفرنسي من إيران؟ليست هناك عداوة مستحكمة بين إيران وفرنسا، وبالرغم من التوتر والانقطاع اللذين شابا العلاقات لفترات متعددة خلال العقود الماضية فإن الطرفين استعادا التوافق الأعوام الأخيرة لتأخذ المصالح الاقتصادية مكانها في تحديد العلاقات، ففرنسا هي الشريك الاقتصادي الثالث لإيران وبلغ حجم التجارة بين البلدين عام 2003م الملياري يورو وكان الفائض التجاري مليار يورو لصالح فرنسا.كما تأخذ الشركات الفرنسية مكانها في الصناعة النفطية الإيرانية ومشاريع الإعمار، وقد وقع البلدان حديثا اتفاق حماية الاستثمار بينهما هذا بالإضافة إلي اتفاقيات تقنيــة وعلمية أخري. ومن خلال إدراك حقيقة معارضة فرنسا للسياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط ورفضها لمخطط اجتياح إيران وتحفظها علي شعار محور الشر الذي رفعه بوش قبل غزو العراق، ومن خلال إدراك مساهمة فرنسا في احتواء تداعيات اكتشاف البرنامج النووي الايراني عام 2002 وما اعتبره مسعي لقطع الطريق علي توظيف القضية لصالح المشروع الأمريكي وإبعادها عن قرارات مجلس الأمن واحتواء المسألة أوروبيا عبر المفاوضات المباشرة.من خلال النظر في هذه الحقائق يمكن أن نفهم أن الموقف الفرنسي الراهن من قرار طهران رفع الاختام عن منشآتها النووية أبعد من مجرد القلق من نوايا القيادة الإيرانية لامتلاك السلاح النووي وان ظل هذا عاملا من العوامل المؤثرة والبــــارزة. كما يمكن أن نفهم أن الموقف له أبعاد تتجاوز مطلب الضغط علي صناع القرار الإيراني لوقف التدخل في الشأن اللبناني عبر حلفائهم، وإن أبدت باريس ضيقها من نفوذ الجكومة الإيرانية في لبنان.يمكن فهم الموقف الفرنسي من خلال النظر إلي جملة من التراكمات والتداخلات التي تحكم السياسة الخارجية الفرنسية. إن رد الفعل القوي جدا الذي طغي علي بعض التصريحات الأخيرة للرئيس الفرنسي وبعض الرسميين الفرنسيين يرتبط بشكل مباشر بما تري فرنسا ضرورة فعله تجاه تحديات داخلية وانتكاسات علي صعيد السياسة الخارجية والأمنية الأوروبية، وإن شئت فهي نوع من إعادة ترتيب الأولويات في ظل تداعيات الخرب علي العراق وأفغانستان.أولا، يمكن أن يفسر الموقف الفرنسي الرسمي تجاه إيران وما تبعه من تحركات وتصريحات كخيار للتعاطي مع ملفات تتعلق بالحاجة إلي تطمين الشعب الفرنسي ونيل ثقة الشارع في سياسة فرنسا تجاه دور الاتحاد في تحقيق الأمن والاستقرار الدوليين وذلك بعد رفض الفرنسيون الدستور الأوروبي في ايار (مايو) الماضي وما ترتب عليه من إضعاف الثقل الفرنسي داخل مؤسسات صنع القرار الأوروبي. ثانيا، لابد من التأكيد علي أن ردود الأفعال الفرنسية تجاه إيران لها علاقة بشكل مباشر برؤية باريس لموقع الاتحاد الأوروبي علي الساحة الدولية وبموقع فرنسا في الاتحاد الأوروبي ضمن المنافسة بين أقطابه الكبري ـ بعضهم يتبني رؤي مختلفةـ في تحديد وجهته والسيطرة علي قيادته وإعادة ترتيب أوراقه. ثالثا، الموقف الفرنسي له علاقة بسياسة الاتحاد في مقابل السياسة الأمريكية وكيف ينظر المجتمع الدولي للاتحاد. ففرنسا التي عارضت السياسة الأمريكية تلميحا وتصريحا خلال العقود الماضية تريد أن يظهر الاتحاد أمام الرأي العالمي ليس بمظهر المعارض العاجز الذي لا يصنع شيئا سواء الاستنكار حيال ما يبدو للغرب كتهديد للأمن والسلام العالميين، وكانت هذه نقطة الضعف في الموقف الفرنسي والأوروبي في الحرب علي العراق.وربما تري فرنسا في مأزق الولايات المتحدة الحالي في الشرق الأوسط فرصة لدخول الاتحاد الأوروبي في الخضم الأمر الذي دعاها لتنسيق مواقفها مع القطبين الأوروبيين، ألمانيا وبريطانيا، لتضمن ترسيخ قدم الحكومة الاتحادية في الأحداث الدولية وتتجاوز أزمة التفرق والانقسام كما حدث خلال الحرب علي العراق، وفي هــــذا السياق يفهم تأكيد الحكومة الفرنسية علي التنسيق الأوروبـــــي والدولي في المواقف كما تكرر علي لسان الرســـــميين وعلي لسان رئيس الوزراء الفرنسي الذي دعا إلي ضرورة الحفاظ علي الموقف الثلاثي المشترك فيما يتعلق بالملف الإيــــــراني ووجوب أن تحافظ الأسرة الدولية علي وحدتها، مشددا في نفــــــس الوقت أن تعمل في شكل يمكن معه أن تتجاوب مع أي انفتاح إيراني.من جهة أخري قد يفهم من التصريحات والمواقف المتشددة رغبة فرنسية في الضغط علي طهران للالتزم بالخط الذي انتهجته حكومة خاتمي علي المستوي الدولي حتي تتمكن من حماية مصالحها في إيران، ويري الفرنسيون أن السياسة التي يتبناها الرئيس نجاد ستضر بمصالح باريس ليس فقط في إيران بل علي مستوي الشرق الأوسط. الفرنسيون يدركون أن هناك خطا إصلاحيا يري أن مواقف حكومة أحمدي نجاد أساءت كثيراً للعلاقات بين إيران وأوروبا ويراهنون علي ترجيحه من خلال موقف موحد من قبل المجتمع الدولي في مواجهة سياسة تصادمية إيرانية في مناح متعددة وليس فقط الملف النووي.ويدخل في هذا النطاق الحرج الذي تشعر به القيادة الفرنسية من تصريحات نجاد حول تدمير إسرائيل والتشكيك في الهولوكوست، فالرأي العام الفرنسي والأوروبي شديد الحساسية لهذه المسائل، وفرنسا ومعها أوروبا تواجه خطابا تصعيديا تتبناه تل أبيب تُحمّل فيه الدولة العبرية فرنسا وبعض الدول الأوروبية مسؤولية ازدياد المعاداة للسامية في أوروبا وانحيازها للعرب والمسلمين علي حساب إسرائيل.بالرغم من صرامة الموقف تجاه إيران، فقد تخلل الخطاب الفرنسي نغمة مرنة تجنح للتهدئة وتعليب الدبلوماسية الأمر الذي يؤكد أن التشدد موقف طارئ ومؤقت لأسباب التي ذكرنا. فقد أكدت الحكومة الفرنسية مرات رغبتها في حل أزمة برنامج إيران النووي عبر الوسائل السلمية وأشارت إلي أنه لم يتم بعد استنفاد كافة السبل الديبلوماسية. وقال الجنرال هنري بينتيغا رئيس هيئة الأركان الفرنسية مؤخرا أن استخدام القوة ضد إيران سيكون بمثابة حماقة كبيرة وأكد علي ان السبيل للتوصل إلي حل سلمي يتم التفاوض بشأنه ما زال مفتوحا، بل إنه جزم أنه من غير المنطقي حاليا اللجوء إلي القوة للحيلولة دون حصول إيران علي الأسلحة النووية، وهو الموقف الذي أكد عليه جاك سترو، وزير خارجية بريطانيا، في دافوس مشددا علي أن الخيار العسكري ليس علي الطاولة خلافا لما كرره الرئيس بوش ولما دعا إليه السناتور مايكي في الاجتماع ذاته. وملخص هذا أن فرنسا تريد من خلال إظهار الحزم إزاء التطلعات الإيرانية منع الولايات المتحدة من تفعيل الخيار العسكري الذي تتفق عليه وإسرائيل إدراكا من فرنسا بأنه سيدفع المنطقة إلي مزيد من الفوضي وعدم الاستقرار حيث ستكون وأوروبا معها الخاسر الأكبر في هذه الحالة. 9