حصن الهوية زمن الأزمات

حجم الخط
0

القـلاع الجاهــزةد. حسـام السـعد

مع أنه زمن عولمة الهويات، أي التنحي التدريجي للهويات الضيقة، مقابل محاولة اندماج في هوية أكثر عمومية، حتي ـ وخصوصاً علي الصعيد السياسي، فإن ما يترتب علي أي حدث سياسي، وتحديداً في دول العالم الثالث الجنوبية، لا ينبئ بأن هناك صيغة للتعاطي مع كل هذا الطرح والجدل الذي لا زال يثار حتي اللحظة.

وربما يكون وقت الأزمات هو الزمن المناسب لسبر مسألة الارتداد والتمسك بالهوية، طالما أنها تلك القلعة التي تعوّض استشراء ضغط دولي علي مجتمع معين. وفي هذا يتبدي الإفلاس المدني لمجتمع من المجتمعات، فيعود للتذكير بعناصر ماضوية وقيم كانت، إلي ما قبل الأزمات، محل نقد وهدف تغيير من قوي المجتمع كافة.

قد لا تكون الحالة السورية هي المثال النموذجي أو الأوحد، لكنها بالتأكيد هي المثال الأقرب لموضوعة النكوص إلي هوية تتشكل عناصرها من التاريخ المعاصر الضيق. فما ان تبدأ التساؤلات الدولية، وبالتالي الإعلامية، بإثارة الملفات المتعلقة بسورية، حتي نبدأ بسماع نوتة الاسطوانات القديمة حول استهداف البلاد والمؤامرة والنيل من الوحدة الوطنية والهوية والعمق العربي ـ القومي وما إلي ذلك. والنقطة الرئيسة هنا هي الاكتفاء بذلك دون محاولة طرح تحليل آخر ولو لمجرد سماع وجهات النظر الأخري.

ما جري، ويجري، حول الأزمة السورية ـ الدولية، والأزمة السورية ـ اللبنانية، معروف ولا يحتاج إلي تذكير، طالما هو آني ومعاش ولم ينته. لذلك، فإن إحدي أكثر الوسائل الدفاعية نجاعة، التي انتهجتها العقلية السياسية السورية، كانت العودة إلي إعادة ترتيب وتركيب للهوية السورية بوصفها محط استهداف ومــــرمي سهام (للذين ضحينا من أجلهم)، فبدا ذلك وكأنه عقوبة علي الطرح القومي من قِبل الهوية السورية. وزمن الأزمات، تعود الهوية إلي تعريف ذاتها بناء علي الآني، وهذا يمكن ملاحظته عالمياً، ولنتذكر الخطاب الأمريكي إبان أحداث ايلول (سبتمبر) إما معنا وإما علينا. تدفع الأزمة بالهوية إلي التحصن بسياج دوغمائي لا يقبل سماع صوت آخر، بل يصبح ذاك الصوت علي النقيض تماماً، أي مساهماً، ربما، في الأزمة ويروّج لها.

هكذا غدت الهوية السورية متسلحة بعناصرها المختلفة، قومية مُحارَبة ـ عروبية مُعَاقبة ـ ومُضَحية مُنكَرة. وكان لا بد من العودة، والحال هذا، إلي عناصر الهوية الضيقة ليتم اللجوء إليها ضد من يحاول شرخ جسدها. هكذا تتأسس هندسة الهوية زمن الأزمات، الصمود اعتماداً علي عناصر ماضوية، تستفيد من ما تيسر من قيم أخلاقية ودينية، ناسفة بذلك دعوات تعريف الهوية ضمن تصور يؤكد علي عناصر التنوع والتعدد، الأمر الذي من شأنه إعلان استقلال الهوية من الكليانية والدوغمائية الإيديولوجية. وبذا تتحول إلي هوية دفاعية، من مهامها الرئيسة المحافظة علي الكيان الداخلي والتعامل مع أي آخر ضدنا، داخلي أو خارجي، من منطق استبعادي كمقدمة لتصنيفه كـ متآمر.

وأي مطلب موضوعي ذاك الذي يطالب الذات (السورية) بالدخول إلي سؤال النحن، كرغبة في الابتعاد عن النتائج التمجيدية، ما دامت تلك العناصر المؤسسة للهوية زمن الأزمة تنتج إجابات تعصبية، إن لم نقل عنصرية. وفي هذا نتيــــجته محتومة… التطــــرف، وعلي صعد عدة، ليس أخطرها السياسي، إذا تذكرنا ما لهذا التقوقع من أثر بعيد علي المستوي الفكري والثقافي والاجتماعي. سيما وأن سياسية الحدود الهـــويانية باتت وكأنها في حال من النسيان وقد شاخت وأحيلت إلي التقاعد، فــــي ظل وظائف جديدة لهويات منفتحة بعنــــاصر متناقضة، ما يؤدي إلي تغيير، أو تعديل في أسوأ الأحوال، للمعــــاني التقليدية للهوية.

وعلي من يقع عاتق البحث عن الأسئلة التي تنتزع الهوية من مُركّبات ضيقة، إن لم يكن علي المثقفين السوريين. وأي انفتاح ترومه الهوية إن كان المثقف النقدي السوري (المعارض غالباً في الحال السورية)، لا يـــزال مهموماً بإثبات هويته السورية، مما يخدم أهدافاً تبدو السلطة السياسية وهي محرجة في البحث عن دعائم لها، في ظل خطابها الإيديولوجي القديم. وفي كل هذا يساهم هذا المثقف، المُعارض، في تكريس لغة استبعادية، دون قصد، من شأنها خدمة من يحاول إقناعهم بجدوي التغيير ومشاركته لهم في إدارة شؤون البلاد السياسية.

غدت فلسفة التعبئة القديمة مجدية أكثر من أي خطاب آخر. الأخطار المحدقة بالوطن، حجم الدمار والخسارة إن تم ما يفكر به الغرب (إزاحة السلطة) وغير ذلك. وهذا يفرز سؤالاً علي درجة من الأهمية. هل يدافع السوري عن هويته السورية في خضم هذه الأزمة؟

تصعب الإجابة علي تساؤل كهذا، لكن ما جري ـ علي مستوي الشارع ـ يؤكد النجاح في إبعاد الشأن الداخلي (طروحات الإصلاح والتغيير) إلي مكان قصي في لعبة السياسة، فيصبح من العبث الحديث عن إجراءات إصلاحية وتشاركية سياسية في ظل أزمة تهدد مصير البلد، بل إن دعوات كهذه ستُرمي إلي حقل الخيانة ومحاكمها القبَلية.

كل هذا، وأكثر، يساهم في التقوقع الهوياني للذات السورية، ويحصنها في قلعة ضد التغييرات الخارجية، والأهم ضد نداءات التغييرات الداخلية.

الحالة هذه ليست صناعة سورية بالتأكيد، إذ تستطيع أن تسحب ذلك علي الهوية العربية الضيقة، لبنانية ومصرية وخليجية وتفريعاتها أيضاً فيما بينها. لكن الأحداث الأخيرة وأزمة ســــورية مع المجتمع الدولي أجلت وضوح الحالة سورياً.

لذلك فإن رياح الأزمة السورية ـ اللبنانية الأخيرة، الآنية، كانت كفيلة بفصل الهوية العربية من محضر النقاش، والعودة إلي الهوية الضيقة لدي الطرفين. باحث سوسيولوجي، مدرس في قسم علم الاجتماع، جامعة حلب8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية