من إيجابية الإستعمار إلي التمييز الإيجابي

حجم الخط
0

من إيجابية الإستعمار إلي التمييز الإيجابي

خميس الخياطيمن إيجابية الإستعمار إلي التمييز الإيجابي نجد في سياسة فرنسا الحالية تجاة قسم لا بأس به من شعبها ينحدر من أصول عربية وغالبيته تدين بالإسلام، أو تجاه جنوب المتوسط، نجد ما يشبه الغباء السياسي المتعاظم من رئاسة إلي أخري منذ رحيل الجينيرال ديغول عن السلطة وصولا إلي رئاسة شيراك مرورا ببمبيدو وجيسكار وميتران. وفي مقاومتها السلبية ضد انكلترا وأمريكا من جهة ورغبتها في عدم تقديم الولاء التام لهما، كانت فرنسا تبحث دائما عن التوازن بالنظر إلي شرقي أوروبا وآسيا، بتحييد المشرق العربي مع مساعدة غير مشروطة للكيان الصهيوني (في فترات محدودة) ومساندة تامة للمغرب العربي رغم فاتورة الإستعمار التي جعلت من الطرفين (فرنسا والمغرب العربي) إمتدادا الواحد للآخر. إلا أن ما تقوم به الحكومة الحالية وخاصة من زاوية وزير الداخلية السيد نيقولا ساركوزي يؤكد يوما بعد يوم أن فرنسا الثورة وفرنسا الجمهورية أصبحتا عكاكيز بلاغية لم يعد لها تأثير يذكر إلا في المناسبات لا غير. لقد تأمركت فرنسا وهذا ما يريده لها يعض قادة اليمين الحاليين الذين يزايدون علي اليمين المتطرف لـ لوبين و فيليي وغيرهما في إغلاق الحدود والتنكر للعلاقة الجدلية التي تربط فرنسا بالقسم المغاربي من العالم العربي. أمثلة؟ راجعوا كل مواقف اليمين (وحتي اليسار) الفرنسي ليس فقط من الهجرة المغاربية ـ وقد يكون له في ذلك بعض من الحق في الدفاع عن موطنه وليس كل الحق ـ ولكن من الفرنسيين ذوي الأصول العربيةــالإسلامية، ستكتشفون حينها أن فرنسا لم تعد فرنسا وأن البحث عن ماريان تلك الأم التي لا تفرق بين أبنائها مهما كان جنسهم ومهما إختلفوا في عقيدتهم، أصبح بحثا مضنيا لم يعد يكشف عورة. هيروشيما الجزائرية؟ لكن قبل النظر في هذا، لنطل علي الفضائيتين الجزائريتين (Canal Algerie/A3). لقد تطرقتا منذ يومين وفي نشرة الإخبار الرئيسية إلي التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية وما خلف ذلك من بقايا البشاعة علي بعض المواطنين. لم تكتف النشرة بإظهار تلك التجارب في صور وثائقية مريعة مثل تلك التي تبين بعض مناضلي جبهة التحرير وكيف صفوا مكتوفي الأيدي ورؤسهم مغشاة بأكياس وفي أماكن قريبة من موقع إنفجار القنبلة النووية التي تعدي وزنها 70 طناً، أي ثلاثة أضعاف قنبلة أمريكا علي هيروشيما، أو تلك التي تصور الخيام وبها الرحل وماشيتهم ولم يطلب منهم الإبتعاد عن موقع الإنفجار، إلي غير ذلك مما هو معروف لدي الخاصة من المؤرخين وقدماء المجاهدين. وتجهل العامة أن العديد من التجارب النووية الفرنسية تمت في الصحراء الجزائرية ما بين 1957 و1961 وتحت نظر الكتيبة الثانية للجيش الفرنسي. لم تكتف بهذا حتي وإن كان الـ هذا مريعا في حد ذاته، بل ذهبت إلي بقاياه في الزمن الحاضر. بيّن التحقيق أن ما حدث أخيراً في مدينة حمودية من ولاية النعامة يرفع حصيلة المصابين بالألغام الفرنسية إلي 162 قتيلا جزائريا، إضافة للذين فقدوا بعض اعضائهم. وتفيد النشرة أن الجيش الجزائري إنتزع الشهر الماضي فقط أكثر من 5 آلاف لغم من الحدود الشرقية والغربية للجزائر، ألغاما وضعها الجيش الفرنسي لمنع تسلل المجاهدين الجزائريين لبلادهم. ولسائل أن يتساءل: لماذا لم ترفع هذه الألغام إثر إنتهاء الإحتلال وحصول الجزائر علي إستقلالها؟ لم يطرح هذا السؤال في التحقيق. بل كانت نتيجته الإشارة إلي قانون إيجابية الإستعمار الفرنسي وكأن ما شاهدناه من فظاعة هو نتاج الإستعمار، وهو كذلك. لم يشر التحقيق إلي أن الجيش الفرنسي سلم الحكومة الجزائرية المستقلة خرائط عديدة لمواقع الألغام في حدودها. ولم تقم هذه الحكومات بإقتلاع الألغام إلا في حدود بسيطة لأنها كانت منشغلة بمصلحة المواطن المتمثلة في إقتلاع كل بذرة معارضة لحكم جبهة التحرير المطلق. وبما أن من مزايا الطبيعة أنها لا تسير بما يشتهيه الإنسان، فقد فعلت الإنجرافات الأرضية والأمطار وحركية الهضاب والجبال ما فعلت، فغيرت مواقع الألغام الفردية والجماعية التي لم تعد في مكانها المرسوم في الخرائط. ومن سيدفع الثمن؟ طفل جزائري مثل محمد فرغاد الذي أظهره التحقيق وقد فقد عينه اليسري. ويأتي المعلق ليربط بين هذا والإستعمار ورغبة اليمين الفرنسي في إظهار إيجابياته، متناسيا أن المسؤولية لم تعد ملقاة بأكملها علي الجانب الفرنسي علي الأقل، وهذا نوع من الطروحات الحقيقية التي يراد منها الباطل. في البحث عن ماريان …من تكون ماريان هذه؟ إنه إسم إمرأة أعطي ككنية للجمهورية وهو مستعار من جمعية سرية كانت تقول بأسس الحرية والمساواة والآخاء هدفها إسقاط الامبراطورية الفرنسية الثانية (1852/1870). كان إسما يستعار به وأصبح بعد ذلك رمزا من رموز الجمهورية: إمرأة شابة ذات ملامح أوروبية لباسها قريب من لباس الإغريقيات وشعرها الرطب المنسدل علي كتفيها تغطيه طاقية حمراء كانت سمة من سمات جماعة بدون سراويل (Sans culoe) وهو الإسم الذي أعطته الـ كومونة (1792) للثوريين الفرنسيين. معني هذا أن ماريان خاصة بفرنسا من دون أن تكون ملكا لها. بثت قناة آرتي الثقافية الألمانية الفرنسية المشتركة مساء أمس الأول سهرة محورية (تيما) تحت عنوان بحثا عن ماريان قدم لها دانيال لوكونت وبها تحقيقان، الأول عنوانه ما بها خلقتي؟ والثاني زنجي بالبيت الأبيض . الأول من إخراج ميكائيل غانيي والثاني من إمضاء بربارا ناسيك وكلاهما من إنتاج شركة دوك أون ستوك الشهيرة في عالم الوثائقي. الإثنان يتعرضان لمسألة المساواة المفروضة، الأول من زاوية التجربة الفرنسية والثاني من الوجهة الأمريكية، مما يفرض المقارنة وهذه المقارنة تعطي الصلاحية للأنموذج الأمريكي في تعامله مع أقليتيه الزنجية والإسبانية منذ الستينيات مع سياسة الـ فعل الإيجابي (airmative action) الذي إقترح السيد ساركوزي تبنيه تحت تعريف التمييز الإيجابي (la discrimination positive). والأمر مختلف جذريا بين المقترح الأمريكي والمقترح الفرنسي. وهو ما يؤكد عليه كل من تدخل في التحقيق الأول من الفرنسيين المسؤولين سياسيا أو النشطين في الجانب الحقوقي للأقليات. يبدأ ساركوزي بالإشارة إلي أن المحافظين الفرنسين يحملون كلهم إسما واحدا وهو كريستوف بمعني أن ليس من بينهم محمدا ولا مامادو واحدا، فيما شاهدنا من قبل أن كل النواب ليس من بينهم إلا نواب قليلون زنوج وهي ملاحظة يسخر منها أحد نواب الحزب الشيوعي ماكسيم غريميتز قائلا للنائب الأسود: إني أعرف إفريقيا جيدا وأراك تريد تطبيق ما يحدث هناك علي هنا . ومن ذلك يؤكد البرنامج أن البطالة موجودة بين أبناء المهاجرين خمس مرات أكثر من الآخرين وأن الدراسات المختصة العليا مثل العلوم السياسية، طلبتها 81 في المئة منهم ينحدرون من طبقات ميسورة وأن الذين يتقدمون لطلب عمل ما يحصلون علي أجوبة رافضة بمعدل ثلاثة أضعاف ما يحصل عليه الآخرون. ما يعني بأن المجتمع الفرنسي لم يهضم بعد مسيرة البرع (la marche des beurs) ولا الإنتفاضات المتعددة لأقلياته العربية والزنجية (Black. Blancs. Beurs). فيتساءل واحد من الـ189 طالبا الذين سمح لهم في نطاق التمييز الإيجابي بدخول العلوم السياسية وهو فيصل قدور: هل شاهدت مقدم نشرة الأخبار الرئيسية من أصل مغاربي أو زنجي؟ وانطلاقا من هذا يبين البرنامج الأمثلة التي طبقت فيها سياسة التمييز الإيجابي بمعني إعطاء الأفضلية المؤقتة للمنحدرين من أصل مغاربي أو إفريقي حتي يحتلوا بعض المواقع الحساسة. وهكذا يألف المجتمع الفرنسي رؤيتهم في المحيط العام. إلا أن النتيجة لم تكن بالمستوي المترقب، فمن بين كل الإطارات العالية لشركة بوجو لا يوجد إلا 45 إطارا من بين أكثر من ألفي موظف جدد في السنة. وهي نسبة ضئيلة جدا، ويعود ذلك إلي أن البعض من المقررين الفرنسيين لا يريدون ذلك كما قال طالب في العلوم السياسة إنهم يريدون تحويل المدرسة إلي كومونة .يظهر من هذا المشهد السلبي حول التمييز الإيجابي أن الملعقة ما زالت بعيدة عن الفم، وأن أمام الأقليات العربية والزنجية الكثير من الزمن حتي تكون المعادلة منصفة بإتجاههم. إن التجربة الأمريكية التي سنت بعد أحداث الستينات هي التي سمحت لكولين باول أن يكون وزيرا للشؤون الخارجية وأن يكون ثاني مدير لشركة فورد زنجيا و…و…و… وكل شركة من الـ400 الف شركة التي تتعامل مع الحكومة الفيديرالية من واجبها إنتداب نسبة معينة من ذوي الأصول الزنجية والإسبانية. وفي فرنسا التي نسيت علاقاتها الجدلية مع المغرب العربي وأفريقيا والإسلام، فإن التمييز الإيجابي يسمح لوزير الداخلية بوصف متظاهري الضواحي بأوسخ التعابير وينسي أن المجتمع الفرنسي مجتمع أبيض، أبيض حتي النخاع ولا يجدي نفعا أن يتغني عالم الإجتماع والروائي ووزير المساواة عزوز بغاغ كما تغني سابقا مارتن لوثر كينغ I have a dream . شتان بين زنوج أمريكا وعرب فرنسا.ہ ہ ہ جملة مفيدة: يجب أن نبتكر كلمة أخري محل الموت لأن الموت شكل من إشكال الحياة الشاعر أدونيس في حوار مع بروين حبيب علي قناة دبي. ولنا عودة معهما.ہ ناقد وإعلامي من تونس[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية