لبنان بحاجة الي الحكمة والتعقل
لبنان بحاجة الي الحكمة والتعقليعيش لبنان حالة من الانقسام تهدد وحدته الوطنية، وامنه الوطني، وسلمه الاجتماعي، وتضع البلاد علي بعد خطوات محدودة من صدامات طائفية قد تتطور الي حرب اهلية تعيده الي الوراء عدة عقود، وتدمر كل ما رممه الرئيس الراحل رفيق الحريري من خراب في سنوات قليلة.الشيخ حسن نصر الله الامين العام لحزب الله اللبناني كان مصيباً تماماً في تحذيره من خطورة التصعيد السياسي الذي يعم لبنان حالياً، وتجلي بوضوح في الخطب التي القيت في الذكري السنوية الاولي لاغتيال الراحل رفيق الحريري، وتأكيده علي ان الحوار السياسي بين اللبنانيين هو الطريق الاسلم للخروج من حالة الاستقطاب الراهنة وتجنب مخاطر الحرب الاهلية.اغتيال الحريري بالطريقة البشعة التي تم بها هو جريمة كبري بكل المقاييس، تسببت بشكل اساسي بالانقسامات الحالية، واستغلالها بشكل بشع من قبل اطراف خارجية، وانفعال بعض الخطباء، وخاصة السيد وليد جنبلاط الزعيم الدرزي الاشتراكي المعروف، امر ممكن فهمه وتفهمه، ولكن هذا الانفعال يجب ان لا يتجاوز الخطوط الحمراء التي يمكن ان يؤدي تجاوزها الي هز استقرار لبنان، وامنه ومصالح شعبه.المطالبة باستقالة الرئيس اللبناني اميل لحود باعتباره أحد رموز العهد السابق الذي انتهي بانسحاب القوات السورية من لبنان كلياً، تنطوي علي الكثير من المنطق والشرعية، شريطة ان لا تؤدي خطوة كهذه الي حدوث فراغ دستوري، ومواجهات سياسية وربما عسكرية، تضع البلاد في مأزق اكبر، وتغرقها في فوضي يصعب عليها الخروج منها لسنوات عدة مقبلة.اللبنانيون تعايشوا مع الوجود السوري علي ارضهم لاكثر من سبعة عشر عاماً، ومع الرئيس لحود لسبعة اعوام، وهم قطعاً يستطيعون تحمل عامين آخرين من حكمه، طالما ان البدائل الدستورية غير ناضجة بعد، والسيناريوهات المحتملة لخلعه تنطوي علي مخاطر جسيمة.المعارضة اللبنانية الحاكمة حالياً في لبنان، او بالاحري تكتل 14 آذار ربما تستطيع جمع مليون متظاهر في ساحة الحرية لاحياء الذكري الاولي لاغتيال الرئيس الحريري، ولكنها لا تستطيع، رغم كونها في السلطة، تجييش ربع الجيش اللبناني الي جانبها في حال تدهور الاوضاع الامنية، وانفجار الحرب الطائفية التي يخشاها الجميع.لابد من الاعتراف بان الخروج السوري العسكري من لبنان لا يعني نهاية النفوذ السياسي والامني، وانكفاء النظام السوري داخل حدوده وترك لبنان مسرحاً للمؤامرات ضده. ومن يعتقد بذلك يكون في قمة السذاجة السياسية.النظام السوري ارتكب خطايا في لبنان، ولكن معظمها وقع بمباركة علنية، او سرية، من قبل من يقفون في الخندق الآخر حالياً. بل ان سياسيين لبنانيين شجعوا النظام السوري علي الولوغ في الخطأ، انطلاقاً من مصالحهم السياسية والاقطاعية الذاتية المحضة.دمشق لا تبعد عن بيروت الا بضعة كيلومترات، والتداخل بين البلدين سياسياً واجتماعياً ونفسياً بلغ درجة بحيث يصعب فصله، وحتي اذا كان هذا الفصل ممكنا فانه لا يمكن ان يتم بالسرعة التي يريدها بعض السياسيين اللبنانيين المعادين لسورية.استعداء دمشق ونظامها، والتطاول علي قيادتها بالطريقة التي شاهدناها في ذكري اغتيال الرئيس الحريري لا يمكن ان يخدما لبنان، ومصالح شعبه، واستقراره، لان الكلمات الجارحة تترك اثراً عميقاً من الصعب ازالته بسهولة، والسياسي الذكي والمحنك هو الذي يضبط انفعالاته ويزن كلماته بعناية فائقة.سورية ما زالت تملك الكثير من اوراق القوة، كقوة اقليمية كانت لها، كلمتها ودورها في المنطقة منذ عدة قرون، واستهدافها امريكياً واسرائيلياً يعزز هذه الكلمة وهذا الدور، ويجب ان يدرك السياسيون اللبنانيون ان سورية اذا سقطت الي قاع الفوضي والانهيار الامني فلن تسقط وحدها، وستجر لبنان معها.لبنان بحاجة الي سياسيين عقلاء، يتمتعون باعلي درجات الحكمة، وضبط النفس، واقل قدر ممكن من العاطفة. الانفعال العاطفي لن يعيد الحريري الي الحياة مجدداً، ولكنه قد يقتل كل طموحاته التي ناضل من اجلها طوال حياته، في بناء لبنان مستقر متسامح يشكل ارضية نموذجية للتعايش بين الجميع في اطار وحدة وطنية حقيقية.9