وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (9)
كان عماش من اكثر الضباط جدلا ومراوغة.. ومحاولته لإشاعة جو الاحباط اثمرت باستقالته والبكرربطتني علاقة مودة وانتماء بعلي السعدي.. استمرت حتي الشرخ الكبير وانفجار ازمة تشرين وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (9)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العــــودة اليهـــا، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقــية والاقليمية. وهي شهادة مهــمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يتحدث عن اعادة تنظيم الحزب، وعلاقته بعلي صالح السعدي. القدس العربي كان من جملة التغييرات التي حصلت في تلك الايام هو اني توليت مسؤولية المكتب العسكري، بسبب قراري بسفر السيد علي صالح السعدي مع مجموعة المندوبين الي سورية لحضور المؤتمر القومي المنعقد هناك. طلبت من السيد صالح مهدي عماش ان يبلغ اعضاء المكتب العسكري بتغيير المسؤول وجمعهم لعقد لقاء اولي معهم، وتعريفهم بخطة عمل الحزب الجديدة وتطورات الوضع الداخلي للحزب لمنع تأثير الاشاعات المشوشة التي بدأ يثيرها بعض المطرودين علي قلتهم ، الا اني فوجئت برده، عندما اخبرني انه يحمل استقالة احد اعضاء المكتب هو السيد احمد حسن البكر، وان السيد عبد الستار عبد اللطيف في طريقه لتقديم استقالته، احتجاجا علي تصرفات المسؤول السابق، واهماله المتواصل لشؤون المكتب، وانه ـ اي عماش ـ فشل في اقناعهما بالعدول عنها. كان لتلك الاخبار التي لم اكن اتوقعها، وقع الصدمة علي. لكنها اثارت انتباهي الي ان لبعض الادوار الفردية من قدرات علي التخريب بشكل لا يعقل. فنحن امام تجربة تمكن من خلالها فرد لا يمتلك عمليا سلطة ولا مالاً، بل ان مطاوعة الرفاق له قائمة علي اسس اخلاقية ونضالية واعتقاد بل ايمان بتأثير وفعالية العمل المشترك علي تحقيق الاهداف العامة للامة، تمكن من ان يؤثر سلباً علي تجربة حزب بحجم حزب البعث بما له من تجربة نضالية عريقة لاكثر من عشر سنوات. لم يكن امامي من حل الا ان اذهب بشكل شخصي لزيارة البكر في منزله في منطقة علي الصالح ومعي استقالته، فكان متجهما ومغتما، واشتكي بمرارة من تصرفات المسؤول السابق، واهماله وعدم اكتراثه بمتابعة شؤون المكتب وعقد الاجتماعات، ولو لمرة واحدة في الشهر. وكان مع ذلك يكرر امامهم الادعاء بان هناك مجموعة جديدة اخري من الفدائيين جاهزة للانقضاض علي عبد الكريم قاسم واغتياله في اي وقت او لحظة يظفرون به، وعلي الضد من حملة الحزب التثقيفية بتخطئة الاغتيال السياسي. استنكرت هذه الادعاءات التي لا وجود لها والمناورات من المسؤول السابق خاصة وان عمليات الاغتيال كانت قد درست، وتبين عدم جدواها منذ محاولة الفدائيين التصدي لقاسم في شارع الرشيد، وصدرت التوجيهات في حينها بالابتعاد عن التفكير بهذا النوع من العمل. لذلك اقنعت البكر بضرورة عقد اجتماع، الذي تم فعلا في منزله حضره جميع اعضاء المكتب الخمسة. الاستغناء عن فكرة اغتيال قاسمانتهي ذلك الاجتماع بعد ان كسبت جولة الجدل والنقاش الايديولوجي والسياسي والتنظيمي معاً، وتم الاتفاق النهائي علي الاستغناء عن فكرة اغتيال قاسم الي الابد، وابعادها عن الاذهان، والاستعاضة عنها بحركة ثورية عسكرية ـ مدنية يقوم بها الحزب وحده او بالتعاون مع حلفائه من الحركات القومية الاخري في كل من العراق وسورية، للاطاحة بالحكم الانفصالي في دمشق. والحكم الشعوبي، الفردي، القاسمي في بغداد، واعادة بناء الجمهورية العربية المتحدة من الاقطار الثلاثة، مع الاخذ بنظر الاعتبار الدروس والعبر من اخطاء التجربة السابقة. استمرت اجتماعات المكتب العسكري الاسبوعية والطارئة بشكل متواصل ومنتظم، وبرئاستي منذ ذلك اليوم وحتي يوم الحركة المباركة في 8 شباط (فبراير) 1963، كما تم الاتفاق علي رقم تلفون للطوارئ والاتصال ما بين الاجتماعات، يسمح للعناصر الثلاثة الانشط في المكتب العسكري، وهم عبد الستار عبد اللطيف والبكر وعماش، للاتصال بي عند الضرورة. واستخدمت هذه التلفونات لمرات عديدة من قبل واحد او اكثر احيانا من هؤلاء الثلاثة. وكانوا يتركون رسالة عند المجيب الذي كان الرفيق نجاد الصافي في اكثر الاحيان، ويتم التلميح بان هناك رسالة خاصة للاخ خالد (وهو الاسم الحركي لكاتب هذه السطور)، او نريد مقابلة الاخ خالد. الخطة العامة لحركة الثامن من شباطتوصلنا في الاجتماع الثاني للمكتب العسكري الي وضع الخطوط العامة للحركة علي ضوء تقديرات اوضاعنا وامكاناتنا العسكرية، التي كانت نوقشت بعض تفاصيلها في اجتماعنا الاول بعبد السلام عارف، والتي بدأت تنضج وتتضح اكثر فاكثر بمرور الوقت، وتتلخص بما يلي:اولا: بما ان قاسم يعتبر نفسه استاذا ماهرا في المباغتة، يجب مباغتته علي حين غرة، وبعملية وتنفيذ غير تقليدي. وان تتم الحركة في وضح النهار، واعتقد ان هذا التكتيك جري لأول مرة في تاريخ الانقلابات والتغييرات المسلحة ليس في العراق وحده بل في الكثير من اقطار العالم.ثانياً: ان يتم التنفيذ في يوم عطلة رسمية ليكون مناصري قاسم بانتماءاتهم المختلفة خارج وحداتهم اثناء التنفيذ. ثالثاً: التركيز علي وحدة واحدة من القطعات العسكرية لتجميع العناصرالمختارة من الحزب من اجل انجاح الصفحة الاولي من المعركة. رابعا: السيطرة علي مرسلات الاذاعة في ابو غريب، واتخاذها مقرا لقيادة الحركة، لحين تهيئة المقر البديل في مركز العاصمة او القريب منها. خامسا: استثمار الضربات الجوية المتاحة للحركة ،لتثبيط همة قاسم واعوانه. سادساً: الاستعانة بمنظمات الحزب المدنية لسد النقص في وحدات المشاة، ولاداء بعض المهمات الخاصة في الساعات الاولي للحركة ولزيادة ارباك قاسم واجهزته. كانت هذه الخطوط العامة تخضع للمراجعة المستمرة، ويتم اجراء بعض التعديلات والتحويرات علي تفاصيلها العملية العامة وفقا لتطورات الموقف السياسي العام، وتوسع تنظيمات الحزب في الوحدات العسكرية للقطعات الموجودة داخل بغداد، مع تقليل الاعتماد علي اي من الوحدات من خارج بغداد كنا نناقش ادق التفاصيل، منعاً للمفاجآت غير المحسوبة التي يمكن ان تربك المنفذين، حتي ردات فعل قاسم، وكنا نتوقع انه سيلجأ الي وزارة الدفاع في حالة لم يكن موجوداً فيها ساعة سماعه بأنباء الحركة. خطأ في التقييماما تقييمي لردة فعل الحزب الشيوعي فقد اثبتت الاحداث خطأ هذا التقييم. كنت اتصور ان الحزب الشيوعي غير معني بالدفاع عن قاسم، وسيكتفي باصدار بيان لادانة العملية، يتضمن مطاليب الحزب من قيادة الحركة، وفي اسوء الاحوال قد يسيّر الشيوعيون مظاهرة او مظاهرتي استنكار. ظل البكر وعماش وآخرون يعيبون علي هذا التقييم ويغمزون مني، بعدما جري من رداتِ فعل عنيفة غير متوقعة للشيوعيين حالما استمعوا للبيان الاول للثورة ولتبرير مواقفهم الثأرية الانتقامية لتصفية الشيوعيين العراقيين. استمرت هذه الاجتماعات بانسجام ومحبة، يسود علاقاتنا كل التقدير والاحترام، والارتياح الكامل لدي اعضاء المكتب العسكري ودعمهم لطريقة عملي، واسلوبي في قيادة المكتب وطريقة الكسب وتوسيع التنظيم داخل القوات المسلحة عموما ووضع الخطط وتعديلها، مرة بعد اخري الي ان اكتسبت رضا وموافقة وقناعة الجميع بصحتها، واصبحت جاهزة للاخراج كما حصل صباح يوم 8 شباط (فبراير). ومنذ الصفحة الاولي، او الصولة الاولي لذلك التحرك التي بدأت بالسيطرة علي معسكر ابو غريب والكتيبة الرابعة ومرسلات الاذاعة وحتي انهيار وكر الطاغية. استقالة غير مبررة لعماش والبكركان عماش من اكثر الضباط جدلا، او هو الوحيد من بين اعضاء المكتب في الاعتراض علي تفاصيل الخطة التي طرحتها، ومخالفة آرائي وتصوراتي او تقييماتي هذه، في محاولة لاحباط همة وعزم بقية الضباط، والمماطلة والتسويف لتأخير التنفيذ. يبدو ان محاولات عماش للمراوغة والتملص التي تهدف لاشاعة الاحباط وجدت ارضا خصبة في عقلية البكر، فقدم هو وعماش استقالة غير مبررة من المكتب والحزب، قبل الحركة باسبوعين او ثلاثة، بحجة انهما غير مستعدين لتسليم امرهما بيد ضباط صغار وملازمين متحمسين ومحدودي الخبرة. ولم تثر هذه الاستقالة غير الرضا والبهجة عند بقية اعضاء المكتب. الا ان البكر عاد ووسط العقيد عبد الستار عبد اللطيف، معتذرا مني ومطالبا بالعودة للمكتب والتنظيم وقد ذكر البكر ذلك لكاتب رواية الايام الطويلة .كنت اصطحب بعض اعضاء القيادة القطرية معي لحضور بعض اجتماعات المكتب العسكري، فاصطحبت الاستاذ طالب شبيب مرتين او اكثر، والاستاذ علي صالح السعدي اكثر من مرة. تعرض المكتب العسكري لازمة حقيقية اخري بسبب تجميد العقيد خالد مكي الهاشمي لنشاطاته بسبب القصة المعروفة التي سبق التطرق لها عند الحديث عن دور كتيبة الدبابات الرابعة. فاقترحت علي المكتب ان يتولي الاستاذ علي صالح السعدي مسؤولية التنظيم في الكتيبة الرابعة، لاني كنت افضل ان تكون علي علاقة مباشرة بالقيادة المدنية، ولم يكن لدي الوقت الكافي لتحمل هذه المسؤولية. لم تستمر مسؤولية السعدي لهذه المهمة طويلا، حيث اعتقل بعد حوالي الاسبوعين من ذلك. ومع اقتراب موعد التنفيذ اضطررت لتولي هذه المهمة مباشرة. اصطحبت معي في اول اجتماع مع الخلية الرئيسية للتنظيم في الكتيبة، العقيد عبد الستار عبد اللطيف، لفهمي لنفسية العسكر الذين عادة ما يكونون اكثر ثقة بامثالهم من العسكريين في مثل هذه الحركات. ووجدت ان حضور العقيد عبد الستار الي جانبي سيمنحهم الاطمئنان بسلامة تخطيط القيادة، وما تتضمنه من صفحات قتالية.لعلي اثقلت علي القارئ ببعض تفاصيل عملية الاعداد والتحضير لحركة شباط (فبراير) الا اني اجد هذه التفاصيل مهمة لسببين: الاول: انها تفاصيل تنظيمية داخلية من الصعب ان يلم بها عضو عادي من خارج القيادة، وهي تجربة وخبرة ثورية يمكن ان تضاف الي التراث الثوري العربي، كما يمكن ان تستفيد منها قوي الثورة العربية مستقبلا، في العراق او اي من الدول العربية الثاني: هي شهادة تفصيلية للتاريخ يمكن ان تمنع ما قد يحصل من تزييف وتحريف لهذه التجربة من هذا الشخص او ذلك، لسبب او آخر، كما حصل في المقالتين، موضوع البحث، اللتين كتبهما نعمة فارس واللتين تكشفان عن تطفل الكاتب علي ادوار رفاقه، وتضخيمه لدوره، بل تجاوزه المتعمد لادوار رفاقه، ونسبته لنفسه ادواراً لم تحصل، كما هي الكتب الدعائية الصفراء التي اصدرها النظام السابق لاسباغ صفات الريادة والبطولة لهذا الطرف او ذاك، علي حساب ادوار القادة الحقيقيين للحركة، وطمس بل محو تلك الادوار.الفصل الثالث: أنا وعلي … معاً علي محك السلطة لا شك ان السيد نعمة فارس كان بعيدا، بحكم رتبته، ودرجته التنظيمية، عن هذه الاجواء التي ذكرتها، وما جري فيها من تفاعلات وانفعالات بين اعضاء القيادة انفسهم، وبينهم وبين الصف الثاني من القيادات الاخري من عسكرية ومدنية، وتصاعد الشعور بالاحباط تارة، والامل والنجاح تارة خلال مسيرة كانت تستنزف كل نشاطاتنا اليومية ساعة بساعة ، بل تجري احداثها بحسابات الدقائق في كثير من الاحيان ليعرض السيد نعمة فارس نفسه، بموقع المسؤول المطلع علي دقائق وتفاصيل الحركة، يحاول ان يؤشر علي العلاقات الرفاقية بين اعضاء القيادة فيصور الامر وكأن هناك حالة من التنافس او الصراع بيني وبين السيد علي صالح السعدي علي الدور الاول للقيادة. وهو ما لم يحصل ولم اشعر يوما ان السعدي ينافسني او اني كنت انافسه، في عملية نضالية تطوعية، ليس هناك من قوة او سلطة يمكن ان تجبر الاعضاء الاخرين علي المطاوعة، واحترام قرارات القيادة، غير قدرة القيادة علي ان تكون بمستوي طموح الجماعة للتعبير عن اهدافها وتطلعاتها، فيرتقي هذا القائد أو يفشل او يتراجع للصف الخلفي او الصف الثاني في لعبة الادوار هذه علي اساس قدرته في اقناع الجماعة علي صحة سلوكه باتجاه تحقيق الاهداف الجمعية، وقدرته علي تركيز وتعبئة جهوده وجهود تابعيه بالاتجاه المؤثر الفعال في انجاز المهمات الوطنية والقومية التي تطمح الجماعة في انجازها.لكن السيد فارس، الذي نسب لنفسه في هاتين المقالتين الكثير من المهمات التنفيذية التي من الصعب ان يؤديها انسان واحد بنفس الوقت ، ولم ينتبه السيد فارس الي انه صغر كثيرا من نفسه ودوره عندما نسب لها دور المراسل المعين من قبلي لنقل البيانات التي اعطيها اياه لايصالها لغرفة المذيعين الواقعة جنب غرفة القيادة، اضافة لمهمة جندي الحماية او الحراسة الذي يقف في باب غرفة القيادة التي نسبناه لها انا والبكر بشكل مشترك، كل ذلك من اجل ان يصور نفسه او يضعها موضع العارف، المطلع ، الذي يسترق السمع من وراء الباب ليستمع لمشادة كلامية بيني وبين السيد علي صالح السعدي الذي غضب وهاج وثار بسبب تعيين عبد السلام عارف بمنصب رئيس الجمهورية.مشادتان مع السعديوللامانة وللتاريخ اقول اني، ورغم الاختلاف في اساليب العمل وفي بعض وجهات النظر مع الاستاذ علي صالح السعدي، لم اجد منه الا الاحترام والتقدير، وحسن الحديث بل الكياسة في الحديث معي، وحتي مع الأمين العام السابق المرحوم فؤاد الركابي. الا ما ندر من كلمات لا تنم عن سوء، بقدر ما هي تشكل جزءا من تركيبة السيد علي الشخصية التي كنت انا وجميع من عرفوه ندركها، وندرك معانيها. كان يربطني بالاخ علي صالح السعدي علاقة محبة وود وصداقة، متـنتها مسيرتنا وتجربتنا النضالية المشتركة، وهي التي كانت سبباً في انفصامها ايضا. ولا اتذكر أية خلافات شخصية او مشادة حتي كلامية حصلت بيني وبين المرحوم الاخ علي السعدي، باستثناء حادثتين اثنتين اضطررت فيهما للقسوة عليه لتجاوزه وخروجه عن خط الحزب وتقاليده ، وليس لاسباب شخصية خاصة. الاولي كانت بعد اطلاق سراحي عام 1961، وكنت في استقبال رفيقين من الصف الثاني من القيادة جاءا لزيارتي في دار اهلي في الاعظمية للتهنئة بمناسبة اطلاق سراحي. وبينما كنت جالسا معهما في صالون الاستقبال، فتح علي علينا باب الغرفة، وكان من المعتاد ان يدخل الي دار أهلي كواحد من اهل الدار دون ان يحتاج لإذن مسبق مني. وما ان رأي الرفيقين حتي انتفخت اوداجه وعلا الاحمرار وجنتيه، وهذه عادة المظاهر الانفعالية التي تبدو علي وجهه عندما يغضب. فانطلق بحملة شتائم وسباب سوقية بحق الرفيقين لاعتقاده انهما جاءا للشكوي منه ، او للوشاية ببعض تصرفاته غير المنضبطة عندما كنت غائبا في السجن طيلة العام السابق. ولم يكسر حدة غضبه وانفعاله حالة الذهول التي واجهه بها الرفيقان، فطلب منهما الخروج ومغادرة الدار. فاضطررت للتدخل السريع، وانبته بشدة قائلا: لا اسمح لك بمعاملة قيادات وكوادر الحزب بمثل هذه الطريقة السمجة السوقية، وعليك احترام الدار واهل الدار، بأيِ حق تطرد ضيوفي؟ واذا كان هناك من يجب ان يترك الدار فهو انت. وللعلم انهما لم يتطرقا لأي موضوع يمكن ان يمسك بشيء لا تصريحا ولا تلميحا. لكن علي كان كالمريب يكاد ان يقول خذوني بذنبي، فجلس علي اقرب كرسي، لاهثاً بعد ان تحول لونه للشحوب والاصفرار، بينما كنت والرفيقين ما زلنا وقوفاً، عقدت الدهشة ألسنة الرفيقين اللذين لم يردا باي كلمة عدا وداعي مغادرين بعد ان اوصلتهما الي باب الدار. من غرائب الامور ان احدهما اصطف مع السيد السعدي عندما تصاعدت الخلافات في تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، واعتقل بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968، لمساءلته عن مبلغ من المال كبير بمقاييس تلك الفترة، كان في عهدته ويعود للحزب وهذا الرفيق معروف بأمانته. فادعي انه قام بتحويله للسيد السعدي، بعد احداث تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، وعندها استدعي السعدي للمساءلة ايضا، فانكر ما افاد به رفيقه عن المبلغ . يبدو ان ذلك ترك اثراً وجرحا عميقاً في نفس ذلك الرفيق، فقاطع السعدي فيما بعد حتي انه امتنع عن حضور مراسيم تشييع السيد السعدي عند وفاته. ولم يقدم واجب العزاء لعائلته. الثانية: كانت في شهر ايار (مايو) 1963، اثناء المشاورات لتشكيل وزارة البكر الثانية ، بعد استقالة الاولي، ورفض البكر القاطع ومعظم وزرائه لقبول وجود السيد علي السعدي معهم في الوزارة، وعبثا حاولت اقناع البكر بضرورة مشاركة علي بالوزارة، لكنه كان مصراً علي رأيه، قال لي البكر في حينها:جئت يا حازم بعلي وقبلناه معنا بضمانتك وطلب الحزب، والان نرده لك وللحزب، فآتنا بغيره وعبارات اخري ترفعت عن ذكرها سابقا واترفع عن ذكرها الان، وكل ما استطعت عمله هو الضغط عليهم ليبقي علي في الوزارة، شرط خروجه من وزارة الداخلية. عندما اجتمعت القيادة في مقر مجلس قيادة الثورة لمناقشة هذه الازمة، رفض علي التخلي عن وزارة الداخلية، وايده علي موقفه هذا اثنان من الاعضاء، وبذلت جهدا في اقناعه لخطورة استمرار النظام بدون وزارة لمدة يومين، الا انه ركب رأسه واصر علي موقفه، اما ان يتولي وزارة الداخلية والا فلا ، فاضطررت مرة اخري لان اطلب منه قبول الاقتراح كي لايضطرني لاتخاذ القرار القاسي، والي حد اعتقاله او طرده من الحزب، وفجأة تغيرت لهجة علي، وتحولت من حالة الصخب والغضب الي الهدوء والخضوع او الخنوع الكامل لرأي القيادة، وقال: انا موافق علي ما تقرره، واقبل المشاركة بشغل وزارة الاعلام بدلا من وزارة الزراعة، التي اقترحتها عليه، فوافقت علي ذلك بأمل ان يستفيد من تجربته الاولي. وللأمانة اود التأكيد ان لا دخل لعبد السلام عارف بهذه الازمة، الصغيرة. بل يمكن القول انها مجرد ردة فعل من البكر والوزراء الآخرين من سلوكيات علي في وزارة الداخلية، وتجاوزاته القانونية التي كان يمكن ان تستثير الناس ضد الحزب، وتغير من صورته في اذهانهم، مع اني اجد ان من المبالغة اطلاق مصطلح ازمة علي هذه الخلافات الصغيرة. تلك هي كل خلافاتي مع رفيق الدرب السيد علي صالح السعدي، طيلة مسيرتنا المشتركة وحتي انفجار ازمة تشرين الثاني (نوفمبر) التي كانت الشرخ الكبير الذي انعكس سلبا علي الحزب والحركة، وعلي علي ايضاً. ولا اعتقد ان من ينصب نفسه بموقع المراسل، او مراسل الحراسة لغرفة القيادة في مقرها المؤقت في دار محطة الاذاعة في الصالحية الحق في تقييم العلاقات الرفاقية بين اعضاء القيادة. شهادة خير الله طلفاح المضحكةان مهمة مراسل الحراسة الواقف علي باب القيادة ينتظر منها ما تكلفه به من نقل امر او ورقة، تتناقض كليا مع شهادته لكاتب دبابات رمضان، الكتاب الذي كتب علي ما يبدو لاعطاء دور قيادي مزيف في حركة 8 شباط (فبراير) للسيد عدنان خير الله طلفاح، عندما كان بموقع وزير الدفاع. فعبأ الكاتب علي خيون مجموعة من شهادات الضباط المشاركين بالحركة وغير المشاركين لينسب زوراً الدور القيادي الاول في الحركة للمرحوم عدنان خير الله طلفاح. ومنها شهادة الفريق نعمة فارس. الحاضر ـ الغائب في كل المواقف وفي كل ساحات القتال طيلة يومي 8 ـ 9 شباط (فبراير). لعل هذا الكتاب كان احد المؤشرات علي حجم طموحات عدنان طلفـــــاح التي اثارت مخاوف صدام حسين منه، واشرت علي احتمالية ان يرتقي لدور المنافس علي المنصب الاول في الدولة فلقي جزاءه.تذكرني شهادات السيد نعمة فارس المتنوعة، والجاهزة حسب الطلب، وحسب المناسبة بشهادة خير الله طلفاح السيء الصيت عن حركة شباط (فبراير) ودوره ودور ابنه عدنان فيها. اذكر ملخصها هنا للقارئ كنموذج لشهادات الزيف وعمليات التزييف للوقائع التاريخية، وكيف ان البعض لا يتحرج منها، يحاول ان يستغبي القارئ او يستغل عدم قدرته للرد لسبب او آخر. كما اذكرها ايضا للترويح عن القارئ، بعد ان اجهده متابعة التفاصيل التي سردتها فهــــي اقرب للنكتة. يقول خير الله طلفاح كنت واقفا مقابل وزارة الدفاع ، عبر النهر من جهة الكرخ، اتابع المعركــــة، فرأيت عبد الكريم قاسم يخرج من احدي بنايات الوزارة ويذهب هاربا، ليدخل في قاعة الشعب من باب خلفية، وكان ابني عدنان يقاتل في دبابته. فصرخت بأعلي صوتي مناديا عدنان، واخبرته بمكان اختباء عبد الكريم قاسم. للقارئ ان يتصور الموقف، فالمسافة التي تفصل خير الله عن مبني الوزارة الممتد علي مساحة واسعة تقدر بـ 300 ـ 400 متر او اكثر، ووسط ازيز الرصاص، وهدير اصوات محركات الدبابات، واصوات انفجارات قنابلها، تمكن خير الله طلفاح ان يسمع صوته لابنه عدنان الذي يفترض انه كان موجودا داخل الدبابة وليس علي سطحها، ليدله علي مكان اختباء قاسم، ويحسم وابنه المعركة؟!7