وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (10)

حجم الخط
0

وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (10)

اجنحة للحزب في سورية كانت تخطط لاحباط الوحدة.. واستغلت بنجاح سذاجة السعدي واندفاعهموقف السعدي من الحل الناقص للكويت واذاعته الموجهة ضد ناصر قصمت ظهره ودفعتني للتخلي عنه وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (10)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يواصل الحديث عن علاقته بعلي صالح السعدي، وعلاقة عارف بحزب البعث الذي لم ينضم اليه رغم ولائه الشديد له. القدس العربي شهادة اخري للفكيكيلا اريد ان انزل بشهادتي هذه الي مستوي السجالات الفارغة التي يلجأ اليه البعض لينسب لنفسه ما ليس فيه او له، او لتشويه صورة الحركة، التي لا شك كانت صفحة مشرقة من صفحات مسيرة حركة التحرر العربي. الا انه لا يفوتني هنا ان اذكر بما ورد في مذكرات السيد هاني الفكيكي اوكار الهزيمة ، وعلي امتداد صفحاتها الـ 385، يحاول ان يوصف سلوكيات السيد علي صالح السعدي والاجواء الحزبية السائدة خلال عام 1961، وطغيان العلاقات الشخصية وسيادتها علي المبادئ والعلاقات الحزبية، خلال غيابي عندما كنت في المعتقل ، وهي مقارنة بالواقع او بما جري علي الارض لا تمثل الا الجزء الصغير من قمة جبل الجليد الطافي. ويمكن للقارئ العودة للصفحات 107 ـ 110، 173 ـ 177، وكذلك الصفحات 208، 210، 217، الخ. ان لشهادة المرحوم الفكيكي في هذا المجال، دلالة خاصة لا تتوفر عند غيره، فهو ممن التزم موقف المرحوم علي اثناء وبعد ما عرف بأزمة تشرين، واستمر معه في العمل السياسي مساهماً معه بما سمي بالبعث اليسار، وبعد ابعادهم من سورية هجرا او تخليا عن تنظيم البعث اليسار، وشكلا مع قلة من الآخرين ما عرف بحزب العمال الثوري العتيد، واستمرا في العمل سوية في هذا الاطار حتي قيام انقلاب 17 تموز (يوليو) 1968، فقاما بحل هذه المنظمة التي بقيت لايتجاوز عدد اعضائها، عدد اصابع اليد، كما سلما جهازها الطباعي الي ناظم كزار معلنين بذلك حل التنظيم ، وانصرف كل منهما الي شؤونه الخاصة وافترقا بعد ذلك حيث رحل المرحوم السعدي عن الدنيا وهاجر السيد الفكيكي الي لندن ليجرب علي ما يبدو تطبيق يساريته التي انتهت به ليكون نائباً للسيد احمد الجلبي في قيادة ما سمي المؤتمر الوطني العراقي بهدف الاجهاز ليس علي ثورة 14 تموز و بَناتِها وانما لمحو الدولة العراقية من الخارطة و الوجود. . لهذه الاسباب التي ذكرها الفكيكي في كتابه الآنف الذكر، واتحاشي التطرق لها بالتفصيل اكراما للعلاقة التي ربطتني بواحد من اقرب رفاق النضال، مع العلم انه لم تسلم للمرحوم السعدي اية مسؤولية تذكر في الحزب طيلة عام 1962 وحتي قيام حركة 8 شباط (فبراير) 1963، حتي الامور المالية سحبت منه، وتسلمت مسؤوليتها، اضافة لمسؤولياتي في قيادة تنظيم بغداد، والمكتب الثقافي، وللمكتب العسكري، واشرافي المباشر علي اجهزة الطباعة الجديدة المشتراة من السوق العراقية وتأمين سلامتها، مع بعض المهمات والاجهزة السرية الاخري.دور المطبعةنحن نتحدث هنا عن تجربة ثورية، آمل ان يكون فيها من الدلالات والعبر ما يمكن ان يكون دروساً في العمل الثوري لاجيالنا القادمة او حتي لبعض فصائل الثورة العربية التي لا زالت تعمل بجد واخلاص غير طبيعي لمواجهة الهجمة الامبريالية ـ الصهيونية الشرسة التي تتعرض لها امتنا العربية عامة، وفي مختلف اقطارها، لعل اخطرها جميعا ما يجري من تنفيذ لبعض صفحات هذه المؤامرة في العراق وفلسطين ولبنان والسودان، كما هي الاقطار الاخري جميعها. اقول ونحن نتكلم عن تجربة ثورية، لا يسعني إلا ان اتكلم عن دور تلك المطبعة التي ذكرتها في الفقرة اعلاه، رغم ان التطور التكنولوجي في مجالات الاعلام قلل من دور الجريدة، التي اعتبرها لينين في كتابه ما العمل المحور الذي يمكن ان يتشكل حولها التنظيم السري الثوري الذي يتحمل مهمة انجاز اهداف الثورة الوطنية الديمقراطية. ساهمت تلك المطبعة بامكاناتها الفنية المتطورة قياسا لزمنها، علي معاودة طبع جريدة الحزب الاشتراكي التي عادت للصدور بانتظام بعد توقف سنتين او اكثر والنشرات الداخلية للجهاز الحزبي، وادت دورا فعالا في تهيئة الحزب والجماهير العراقية للعمل من اجل تحقيق الحركة المباركة. وتعميق مفاهيم الحزب، ونشر افكاره، وتصحيح تلك الصورة المشوهة التي اراد قاسم والشيوعيون، وبقايا النظام الملكي، والشعوبيون، خلقها في اذهان الجماهير عن الحزب. كما كان توزيع اعداد الجريدة والمطبوعات الاخري علي كافة منظماته المنتشرة في كافة انحاء العراق، يمثل عملية اختبار للتحرك السري المنظم، والقدرة علي الانتشار بين الجماهير ومخاطبتها بلغة مفهومة ومؤثرة، اضافة للانضباط والتعلم علي الدقة في تنفيذ المهمات الحزبية. اقول: اختبار، كان يتكرر كل شهر، مع كل عدد جديد وكل مناسبة تتطلب ذلك. كانت النشرات التي يصدرها الحزب بالمناسبات المختلفة، الوسيلة الثانية لاختبار قدرات الحزب ونشاط ودقة حركة اعضائه في اداء المهمات السرية. كانت هناك انواع مختلفة من المنشورات الحزبية، منها ما هو داخلي خاص بالاعضاء، ومنها ما هو جماهيري يوزع بشكل اكبر، وبطرق مختلفة. كنت اشارك في كثير من الاحيان الكادر الحزبي المهني في طباعة واعداد هذه النشرات التي كانت تهز كيان قاسم، وتقلقه الي الحد الذي دفعه للحديث عنها ومهاجمتها علناً في احد خطاباته، قبيل سقوطه وخلال الاضراب الطلابي العظيم، والانتفاضة الطلابية الرائعة التي تمكن الحزب من تنظيمها قبل الحركة بثلاثة اشهر، ومهدت لقيامها، فاتهمَ قاسم السفارات الاجنبية بطبع وتوزيع المنشورات، دون ان يعرف ان مطبعة الحزب موجودة في احد البيوت الحزبية الذي لا يبعد الا بضع مئات من الامتار عن داره الكائنة في شارع العلوية. كان البيت يستخدم بشكل علني الاسم العلني للشركة الوطنية للدعاية والاعلان التي جمدت نشاطها بعد احداث 1959 والتي كان السيد صباح المدني موظفاً وحيداً فيها فوضعها تحت تصرف الحزب. مكتب الطلبة والاتحاد الطلابيعند الحديث عن الانتفاضة الطلابية، التي كان يقودها تنظيم بغداد، الذي كنت اتولي مسؤوليته. كجزء من مهامي الحزبية، كنت اشارك واتابع مع بقية اعضاء مكتب تنظيم بغداد والقيادات الطلابية في الكليات اخبار الانتفاضة يوما بيوم واحياناً بالساعات ، ونعمل سوية في كتابة واعداد النشرات الطلابية والحزبية التي تتحدث عن اخبار الانتفاضة. ولم يكن للاخ علي صالح السعدي اي دور يذكر في هذه الانتفاضة. كان من القيادات الطلابية النشطة التي شاركت قيادة منظمة بغداد في اعداد ومتابعة وتنظيم نشاطات هذه الانتفاضة الطلابية يوما بيوم، رئيس مكتب الطلبة في الحزب الرفيق عبد الستار الدوري، والدكتور مقداد العاني رئيس الاتحاد الوطني لطلبة العراق في ذلك الوقت. كانت بعض توقيتات الحركة تعتمد علي استمرار الانتفاضة الطلابية التي تم ادارتها وتعبئتها بقيادة نضالية مثالية ، ومبعث فخر واعتزاز للحزب ومكتبه الطلابي.توقف اضراب الطلبة بسبب العطلة الربيعية او عطلة منتصف السنة، وكان يفترض ان تفتح المدارس والجامعات ابوابها بعد انتهاء هذه العطلة، يوم السبت 9 شباط (فبراير)، وكان قرار تحديد يوم التحرك اتخذ وتم الاتفاق علي ان يكون يوم 8 شباط (فبراير)، اي اخر يوم من ايام العطلة المدرسية. حاولت ورفاقي في القيادة ومكتب تنظيم بغداد ان نستثمر هذا التقارب في التاريخ لاستخدامه كجزء من خطة التمويه، وخداع الاجهزة الأمنية للنظام تحسبا لتسرب الموعد الصحيح للتحرك، لذلك كنت اؤكد خلال لقاءاتي بجماعات التنفيذ المدنية علي ضرورة التأهب ليوم 9 شباط (فبراير)، وهو اليوم الاول لبدء الفصل الدراسي الجديد، لتدعيم استمرار الاضرابات الطلابية وتوسيعها. ففرق التنفيذ كانت مبلغة بتفاصيل مهماتها المطلوب تنفيذها بدقة، وترك التبليغ بساعة الصفر الي ما قبل وقت التنفيذ بساعات قليلة، بل ان بعض هذه الفرق مبلغة علي ان تتحرك لتنفيذ مهماتها المكلفة بها لحظة سماعها البيان الاول من الاذاعة، لأن الخطة تعتمد اساساً علي السيطرة علي معسكر ابو غريب ومرسلات البث الاذاعي هناك واذاعة البيان الاول للحركة كأول صفحة قتالية في الحركة، والنداء الأول لتحرك الفرق المدنية المتواجدة اصلا داخل المدينة، اي قريبا من مواقع مهماتها. وكما ذكرت في اكثر من موقع، كانت المهمة الاساسية للفرق الحزبية المدنية المدربة علي السلاح هي تغطية النقص الحاصل في قوات المشاة، ومن اهم اهدافها السيطرة علي الباب النظامي الشمالي لمعسكر الرشيد واغلاق الطريق الرئيسي المؤدي له، كذلك تأمين وسلامة طريق بغداد ابو غريب، لذلك عليها، ان تهرع مباشرة وحالما تسمع البيان الاول الي اماكن تواجد محددة بانتظار وصول الدبابات والمدرعات او السيارات العسكرية المعدة لنقلهم لمرافقة الدبابات. توزيع الجريدة جزء من التمويهكان الاصرار علي توزيع جريدة الحزب بكثافة، هو جزء من عملية التمويه، اصدرت التعليمات بان يتم توزيع عدد كانون الثاني (يناير) في بداية شهر شباط (فبراير). وكان قد طبع من هذا العدد اكثر من 100000 نسخة، خمسون الف نسخة منها داخل بغداد، والنصف الاخر في المحافظات الاخري، للايحاء للاجهزة الامنية للنظام بأن حزبا يشغل اعضاءه بتوزيع الجريدة بهذا الشكل الواسع، لا يفكر بعمل سري مسلح وشيك لقلب النظام. ان توزيع الجريدة بهذا العدد الكبير يشير الي حجم التأييد الذي كسبه الحزب في الشارع العراقي في حينها، وهو حزب سري مطارد او مطلوب ومحارب من قبل الاجهزة الامنية للنظام . كان مجرد العثور علي الجريدة مع اي مواطن، يشكل تهمة او مخالفة قانونية يحاسب عليها الانسان. ولا اعتقد الان ان حزبا علنياً او سرياً اي مدعوماً من قبل الدولة يستطيع وعلي امتداد الوطن العربي ان يقوم بطبع وتوزيع مثل هذه الكمية. بعد نجاح الحركة وجدت العدد الاخير من الاشتراكي والاعداد السابقة في ملف خاص فوق مكتب قاسم. لذلك استطيع القول ان اسهامات الاستاذ علي السعدي في الاعداد للثورة كانت محدودة. علي ان هذا لا يعني ان هناك خلافات محددة بيننا، فكما ذكرت كانت العلاقة ودية، قائمة علي الاحترام المتبادل، ولم يظهر علي اي تمرد اوممانعة في تنفيذ ما تكلفه به القيادة من مهمات. حتي بعد استلام السلطة لم يكن هناك من خلافات من اي نوع بيني وبين علي، او بين علي وعبد السلام عارف، في الايام الاولي بعد نجاح الحركة. كما اورد الروائي نعمة فارس، اؤكد علي مصطلح روائي هنا لكثرة ما ركبه من قصص مختلقة في مقالتيه، كالمشادة الكلامية بيني وبين علي اثر تعيين عبد السلام في منصب رئيس الجمهورية. خلافات السعديالخلافات الاولي للمرحوم علي السعدي كانت بينه وبين وزير المالية المرحوم صالح كبة، وسببه عدم التزام علي باللوائح الوظيفية، وتعيينه اكثر من 12 شخصية بوظائف من الدرجة الاولي كالمتصرفين (المحافظين) والمدراء العامين، والتي تتطلب الحصول المسبق علي موافقة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير المالية، وصدور مرسوم جمهوري ينص علي موافقة جميع هؤلاء الثلاثة. الا ان علي كان يصدرها من وزارته دون استشارة او موافقة احد، فاحتج وزير المالية، وكادر الوزارة البيروقراطي علي ذلك بسبب عدم استطاعتها تنفيذ ذلك الأمر، الذي صدر دون ان يعطي مجرد خبر، ولو بحكم المجاملة واللياقة، لرئيس الوزراء او امين سر الحزب او وزير المالية. اما خلاف او اشتباك علي صالح السعدي فكان مع صديقه صالح مهدي عماش بسبب الخلاف علي تعيين مدير عام للتربية البدنية التي لا علاقة لهما به، رشح عماش الاستاذ نجم السهروردي لذلك المنصب، ورشح السعدي الاستاذ محمود القيسي، وكان الاثنان تتوفر فيهما شروط المنصب بمؤهلات متكافئة. ودخل الاثنان في صراع نجهله. وبعد ان تلاسن عماش والسعدي بالسباب والشتائم عن طريق التلفون، فوجئت بدخول علي الي غرفتي في مجلس القيادة ويده علي مسدسه باحثاً عن الجبان الجاسوس عماش (كما وصفه السعدي في حينها)، لم ينقطع صراخه هذا امام الحرس والموظفين في مكتب السكرتارية.البكر يطلب تعيين عارف رئيسا دائما لمجلس الثورة وقائدا عاماكانت ثالثة الاثافي في شهر ايار (مايو) عندما كلف البكر بتشكيل الوزارة الجديدة. جاءني البكر الي غرفتي ليطلب مني سحب السعدي من الوزارة كما ذكرت اعلاه. للامانة اؤكد هنا ايضاً، ان الرئيس عبد السلام عارف لم يكن طرفاً، ولم يتدخل في كل تلك الخلافات، كان يتركها للحزب وامين سره كاتب هذه السطور لايجاد الحل الملائم لها. بل كان يكن الود لعلي، وكما ذكرت فانه كان يقول له امامي، ولمرات عديدة، يا اخ علي لا تسمع كلام الانتهازيين والمنافقين، علي عكس ما اشيع عن العلاقة المتوترة بين السعدي وعارف منذ اليوم الاول للحركة . لم اسمع يوماً من علي رأياً سيئاً في عارف لا من خلال اجتماعات مجلس الوزراء، او مجلس قيادة الثورة او حتي اجتماعات الحزب، بالعكس كان علي يظهر الولاء والمداهنة لعارف ويحاول التقرب منه خاصة في الايام التي سبقت تشرين الثاني (نوفمبر). وعندما طرح المخاتل الماكر، المتآمر احمد حسن البكر يوم 3 تموز (يوليو) 1963، وبعد القضاء علي التمرد الذي حصل في معسكر الرشيد، اقتراح تعيين عبد السلام في منصب رئيس مجلس قيادة الثورة، والقائد العام للقوات المسلحة، فلم يعترض احد من اعضاء مجلس القيادة غيري، رغم ان الفكيكي في اوكاره المهزومة ينسب ذلك الاعتراض الي سعدون حمادي، ولو انه اعتذر فيما بعد متذرعاً بالنسيان. والا هل هناك من يصدق ان حمادي يتصدي لاقتراح طرحه البكر ويخص الرئيس عارف، وهو المعروف بجبنه وتخاذله وخسته التي لازمته حتي بعد احتلال العراق، فخلع بدلته العسكرية التي كان يرتديها مختالاً، ماسكا قطعة الطباشير ليكتب بيده علي جدار المجلس الوطني الموت لاميركا ، لكنه لم يتردد ان يلتجئ لقوات الاحتلال وسلطته طالبا مساعدتها ليسافر وجميع افراد عائلته الي بيروت عبر الاردن. نصائح عارف للسعديبالمقابل كان عبد السلام في الايام الاخيرة من الأزمة ينصح علي كثيراً نصائح اخوية صادقة، ويتمني عليه ان لا يستمع لاقاويل المغرضين، كما كان عارف يكن منتهي الاحترام والتقدير لجميع القيادات البعثية القطرية والقومية. الا انه تغير بمرور الايام بعد ان احتك ببعضها، وتعامل معها عن قرب، واكتشف ان بعضها ليس اهلاً للمواقع القيادية التي يحتلونها، خاصة وانه كان يحمل فكرة مثالية عن حزب البعث والبعثيين قيادةً واعضاء، من خلال تجاربه مع بعثيين آخرين من امثال المرحوم فؤاد الركابي، وناظم جواد وحازم جواد، وبعثيين آخرين.. كما بدأت تصله اخبار كثيرة من المغرضين والحاقدين علي حزب البعث، عن سلوك وتصرفات بعضهم، والتي لا شك ان بعضها وصله بصور مضخمة. تضاف الي ذلك الاخطاء اليومية المريعة لبعض افراد الحرس القومي التي ضج الناس منها وسئموها، هذا الي جانب اخطاء وتصرفات بعض القادة. وكان عارف يأمل دائماً، كغيره من المخلصين، ان يبادر الحزب لاصلاح نفسه من الداخل. وكان الصاروخ الطائش الغادر للونداوي هو السبب في بداية انقلاب عبد السلام علي الحزب. كما كان البكر وحردان وحتي عماش وضباط بعثيين آخرين وراء تريض ودفع الرئيس عبد السلام عارف لضرب حزب البعث. اؤكد وللتاريخ ان عارف كان اكثراً اخلاصاً للحزب، واكثر حرصا عليه من الكثير من الآخرين الذين تسلقوا علي اكتاف البعث والبعثيين، مثل عماش والبكر. القشة التي قصمت ظهر السعدي: الحل الناقص والاذاعةان القشة التي قصمت ظهرالسعدي، وجعلته في موقف الضعيف للدفاع عنه، واضطرتني لان اتخلي عنه، هي استعجاله التصويت لصالح الحل الناقص للمسألة الكويتية، واصطفافه مع عماش والبكر وحردان التكريتي ومواليهم من مؤيدي الحل الناقص وكنت وعارف الوحيدين اللذين صوتا ضد ذلك الحل. اما القشة الثانية فهو نصبه لاذاعة سرية موجهة ضد عبد الناصر، دون علم احد، والتي ابلغني بوجودها المرحوم شاذل طاقة مدير وكالة الانباء العراقية الذي يتبع ادارياً وزيره علي السعدي. افتتح المرحوم علي الاذاعة السرية باتفاق مع جناح آخر من البعث السوري، بهدف احباط مشروع زيارة الرئيس عبد الناصر الي بغداد، تلك الزيارة التي بَذلتُ فيها ما هو مستحيل ومضن لاقناع الرئيس عبد الناصر لتحقيقها، رغم الجروح وعدم الثقة التي كانت بينه وبين البعث السوري، والي حد ما مع بعث العراق. من الواضح ان بعض المراكز المتصارعة في الحزب في سورية كانت تخطط لاحباط مشروع الوحدة الثلاثية بين العراق وسورية ومصر ، فاستغل هذا الخط سذاجة وهوس واندفاع وعدم اتزان علي السعدي لتنفيذ مخططهم هذا (والا لماذا لم يتم نصب الاذاعة في دمشق؟)، ونجحوا في تحقيق اغراضهم هذه عندما قدمَ الرئيس عبد الناصر اعتذارا رسمياً عن الزيارة بسبب تلك الاذاعة، في رسالة خطية سلمها لنا الاخ السفير امين هويدي. انا لا اريد ان اتسلط علي عقل القارئ وافرض عليه ان يسلم بما اقول دون بحث وتمحيص، واخص بالذكر الكتاب والباحثين والمؤلفين الذين بامكانهم الاطلاع علي الكثير من هذه التفاصيل في سجلات ووثائق مجلس قيادة الثورة، ومجلس الوزراء التي ارجو ان لا تكون هي الاخري قد تعرضت للضياع جراء تخريب الهجمة البربرية الوحشية علي العراق، ليكتشف بعد ذلك حجم الزيف والتشويه الذي اضافه السيد نعمة فارس علي الحركة تحت غطاء الرغبة في تصحيح بعض الاخطاء والتشوهات…!؟ ما زلت مناضلا قوميا وبعثيا ولم ابع تاريخياكرر القول هو اني لا اريد ان اتبجح هنا، والتبجح، واضفاء ادوار وهمية، وتفاخر الانسان بما ليس فيه او عنده، ما هي الا دلالات ضعف بالشخصية او انعكاسات لا شعورية للاحساس بالضعف والصغر، ما اعتقده والحمد لله اني وبوعي شعوري كامل هذبت نفسي منها. لست من ذلك النوع الذي يريد التخلص من عقد دفينة بذاته، يكرهها ويود التخلص منها بطريقة بدائية، غير حضارية ولاانسانية او واعية. فينسب نقائصه للغير، ومحاسن الغير لنفسه . هذا اضافة الي ان التجربة القاسية للعراقيين والقوميين العرب، بشكل خاص التي تعرضوا لها باسم البعث، والبعث منها براء، لن تترك اية فرصة للاستفادة من التبجح باسم البعث، بل يمكن ان تكون مصدراً للضرر. لذلك فان لجوء الانسان لتزوير الحقائق ونسبة ما ليس له من ادوار، لن تعود عليه بالنفع، خاصة لموقف الزمتُ نفسي به، ان اظلَ وفياً مع نفسي علي الاقل، لاهداف وآمال كنت ولا زلت مستعداً للتضحية بالغالي والنفيس من اجلها. ونحن في زمن، يغدو فيه حتي الادعاء بالتضحية والوفاء، تضحية بحد ذاتها. لكن هذا لا يمنع، وانا العربي العروبي، الذي لا زال يعتز بأنه ابن هذه الامة المجيدة التي اسهمت في صنع تاريخ البشرية وتطورها، ان افتخر باني كنت مناضلاً صلباً، مقداماً، احمل دمي علي راحة كفي من اجل الدفاع عن هويتي، وهوية ومستقبل ابني وابنتي، (والابن والابنة هنا تعبير مجازي لكل الاجيال العربية القادمة)، اقول، واكرر القول، لا اتحرج القول في اني كنت مناضلاً من طراز وعيار خاص مثل المئات بل الالوف من المناضلين علي امتداد الوطن العربي الكبير. والاستثناء هنا مصدره حجم الوعي الذي تميز به جيلنا والاستعداد العالي او المثالي للارتقاء فوق كل الرغبات والطموحات الذاتية والاستعداد العالي للتضحية والايثار من اجل مبادئ امتنا. اما المصدر الآخر لهذا الاستثناء فهو ما يحصل الان، ونحن نري ان المستفيدين من حزب البعث او الذين استنزفوا كل فرص الاستفادة من حزب البعث، جاؤوا الان ليستثمروا انتهازيتهم، وما تظاهروا به من اخلاص وتفان لمبادئ البعث ن ليعرضوها في سوق النخاسين للبيع كي يستثمروا خيانتهم هذه المرة للمبادئ، فهم بين شيطان اخرس، ودَعي نفعي يتلون تلون الحرباء، ويستبدل جلده كما الافعي ليتسلل الي ضحيته من اجل ان يدس سمه ويمتص دماءها كي يعيش عيشة السقوط التي تخلو من كل المعاني والسمات الانسانية. افخر هنا مرتين، بل مرات عديدة في اني كنت ولا ازال مناضلاً قومياً، بعثياً، عندما ينضب، او يغلبه تقادم الزمن، يظل، علي الاقل وفياً لما نادي به، وطلب من الاخرين ان يلتزموا به، لم يبع تاريخه، ولم يحمل نضالاته علي طبق من التبن لمن كان بالامس عدوه، او يبالغ في التظاهر بمعاداته. انا عربي من مدينة الناصرية، قاتل اهلي في معارك العارضيات اثناء الثورة العراقية الاولي (1920) وشاركوا في فعاليات حكومة الدفاع الوطني وشهدت الطائرات البريطانية تقصف مدينتي عندما كنت صغيرا، وحضرت مشهد مصرع الميجر جيفريز علي بعد امتار من دارنا. وعام 1950 دخلت دائرة التحقيقات الجنائية وكان عمري اربعة عشرة سنة بتهمة الشيوعية وقضيت اربعة ايام ولياليها هناك وكانت تلك الدائرة لا يعتقل فيها الا رجال من امثال يوسف سلمان فهد وعزيز الحاج وحميد عثمان وزكي خيري وغيرهم، من رموز الحركة الشيوعية واليسارية والتصقت بقضية فلسطين مذ كنت طالبا في الابتدائية وتدرجت في مراكزي الحزبية باختيار من الاخرين وقضت حزب البعث الي السلطة في العراق يوم الثامن من شباط (فبراير) ولم يحلم بذلك احد من قادة الحزب في العراق والوطن العربي. وخرج معي في ذلك اليوم معظم رجال ثورة الرابع عشر من تموز (يوليو)، وكان بعضهم قد قاتل في حرب فلسطين عام 1948، عندما كنت حينها في الصف السادس الابتدائي، وجميع منظمات الحزب المدنية، وان افخر بعطائي، فالفخر مظهر من المظاهر التي تجسد التزاماتي بعروبتي، ودائما كان الفخر واحدا من خصائص الشخصية العربية، كما يظهر بوضوح من حقول الشعر العربي وابوابه التي خصصت للفخر باباً خاصاً. العيب يأتي من الادعاء الزائف للانسان ونسبة ما ليس فيه لنفسه ليصطنع مواضع او مواطن للفخر لا يستحقها. عودة لعلاقة الحزب بعبد السلام عارفلم اتوقف كثيراً عند وصف علاقة الرئيس عبد السلام عارف بالحزب عندما تطرقت لهذه العلاقة، حفاظاً علي تماسك السرد، الا اني اجد ان من الاجحاف التاريخي بحق هذا الثوري العربي، ان امر علي هذه العلاقة، وعلي ادواره التي تعرضت للقذف و التشويه والتحريف هكذا بسرعة دون ان ننصفه، بالوصف الموضوعي لدوره وخدماته للحزب، خاصة واني تعايشت مع هذا الرجل وتفاعلت معه لفترة طويلة نسبياً، تخولني للحديث عنه. سأظل اردد دائماً، متمسكاً برأيي ان عبد السلام عارف كان اكثر التصاقاً واشد اخلاصاً للحزب من الكثيرين ممن تسلقوا علي اكتاف الحزب لتحقيق طموحاتهم بالحكم والقوة كالبكر، وعماش وامثالهما. التصق عارف بحزب البعث لمدة خمس سنوات وحتي خروج الحزب من الحكم. فعلاقته مع الحزب كانت من القوة والتماسك ما لا يسمح بالشك في نواياه، والاعتقاد بانه كان يضمر سوءاً للحزب ويخطط للتآمر علي الحزب حتي ما قبل 18 تشرين الثاني (نوفمبر) بفترة طويلة. فعندما اتأمل ادوار الرجل بعد مرور هذه الفترة الطويلة، اري ان الرجل عاش علاقة مصيرية مع الحزب، صعوداً ونزولاً، بهم مشترك بكل مسراته ونكساته في مسيرة نضالية مشتركة من اجل بناء دولة العرب الكبري.ان هذه الطموحات والاهداف المشتركة هي ما جعلت عبد السلام يلجأ للحزب في محنته، كما ذكرت اعلاه عن نواياه في الهروب من السجن، وسارع ليضع نفسه في خدمة الحزب بعد خروجه من السجن. وكان له دور في تنفيذ حركة 8 شباط (فبراير). واعتقد ان احداً لم يستطع لحد الان ان يثبت بدليل او قرينة اي نموذج للسلوك يمكن ان يحسب بحسابات التآمر علي الحزب. او كان يضمر نية الانقلاب عليه بعكس كثرة الادلة والشواهد والقرائن علي الآخرين ومن نصبوا انفسهم قادة للبعث وحكموا العراق وسورية قرابة الاربعة عقود. لذلك اقول ان المؤامرة ، او ان النية لاسقاط حزب البعث بدأت لحظة اطلاق ذلك الصاروخ الضال والاحمق، الذي اطلقه الضابط الطائش بدون ضوابط السيد منذر الونداوي، الذي لم يجد من يشاركه اندفاعاته وانفعالاته الطفولية، لحل ما سمي ازمة الحزب، رغم علاقاته الوطيدة بالطيارين البعثيين، غير طيار واحد آخر ساهم صاروخه بِقتلْ المرحوم عبد الوهاب الشواف صباح التاسع من آذار (مارس) 1959 ونال التكريم علي ذلك من قبل قاسم واعوانه وتسببَ بما حصل من مجازر ومذابح في الموصل وجميع انحاء العراق وهو الرائد يونس محمد صالح ولا ادري لحد الآن كيف استمر هذا بالخدمة بعد الثامن من شباط (فبراير) ومن الذي تستر عليه. وقد تسللا ـ منذر و صاحبه ـ لمقر الرئاسة، ليطلقا صاروخين، احدهما علي غرفة عبد السلام عارف، والآخر علي مكتب حازم جواد وبعض الصواريخ علي قاعدة الرشيد ليحرقا عشر طائرات دفع ثمنها الشعب العراقي لنحارب بها العدو الصهيوني في فلسطين، ثم يلوذا بعد دقائق بالفرار، واندفاع مجموعة من الحرس القومي في سلوكيات غوغائية، غير مدروسة وضالة، كقطع الماء والكهرباء عن مبني القصر الجمهوري.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية