وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (11)

حجم الخط
0

وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (11)

كان الهتاف بسقوط العروبة يسمع ليل نهار في الاذاعة ووجه ناصر وضع علي بوسترات الكباريهات والحاناتعفلق والحافظ تصرفا بلا لياقة وكأن العراق محافظة سورية يحق لهما تبديل محافظيها متي شاؤوا وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (11)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يتحدث عن ظروف حركة عبدالوهاب الشواف، وما يحمد لعبد السلام عارف الذي يقول انه سقط سريعا. القدس العربي حركة المرحوم عبد الوهاب الشوافوالصاروخ القاتلعندما اندلعت حركة الشواف في الثامن من آذار (مارس) بعد شهور من الانحراف علي ثورة تموز وتكريس قاسم زعيماً اوحد وتكريسه بالضد من الرئيس عبد الناصر وفقاً لشعار الشيوعيين وانصارهم من الانفصاليين والاقليميين والمتوجسين واعني به شعار: جمهورية لا اقليم… ماكو زعيم الا كريم، ظل الجيش العراقي كما كان مؤسسة قومية يتطلع الي وحدة العرب كما كان في الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي لاحكام الطوق حول العدو الصهيوني واعادة الحقوق المشروعة لشعب فلسطين العربي. لذلك اراد قاسم وحلفاؤه تفجير الدنبلة قبل اوانها كما اخذ يردد فاضل المهداوي رئيس المحكمة الخاصة والناطق الرسمي باسم الحلف القاسمي ـ الشيوعي تلك الايام. وكان المستر ونستون تشرتشل استخدم نفس المصطلح في صراعه وحربه مع حكومة الدفاع الوطني القومية عام 1941 (To Lance the Boil)، فعجلوا بارسال ما سمي بقطار السلام الي الموصل وهي بلا جدال قلعة من قلاع العروبة باهلها وضباطها. رغم توسلات آمر اللواء في الموصل المرحوم الشواف وقائد فرقته المرحوم ناظم الطبقجلي لم يستجب قاسم لطلب الالغاء او تأجيل مؤتمر انصار السلام كما اطلق عليه. فانفجرت الصدامات بين أهل الموصل والوافدين عليها من جميع انحاء العراق لاستفزاز اهلها وجيشها لتفجير تلك الدنبلة . لقد اخبرنا بعد تلك الايام السوداء بسنوات الاستاذ ابراهيم احمد رئيس الحزب البارتي الكردي آنئذ بحضور الاستاذ جلال الطالباني في دارهما قرب قناة الجيش علي دعوة عشاء لي بمناسبة عودتي من مصر في النصف الثاني من عام 1966 وبحضور الاساتذة فؤاد الركابي، عبد الستار عبد اللطيف ، طه معرف، ناظم جواد بانه قابل عبد الكريم قاسم في بداية شهر آذار (مارس) 1959 بصحبة وفد كردي وان قاسماً اعلم الوفد ان السفير البريطاني قابله مؤخراً واخبره ان عبد الناصر وعددا من كبار ضباط الجيش العراقيين علي وشك القيام بحركة عسكرية للاطاحة به وضم العراق الي العربية المتحدة وعقب قاسم انه اعدَ للامر عدته لاحباطه، فأعلن المرحوم الشواف حركته المشهورة والتي شبهها المجاهدون بخروج الامام الحسين بن علي لقتال الطاغية المفروض بالتوريث يزيد بن معاوية او كخروج عبد الله بن الزبير لمقاتلة عبد الملك بن مروان. لقد كان الهتاف بسقوط القومية العربية يسمع ليلاً ونهاراً في اذاعة بغداد وخاصة عندما تبدأ بنقل وقائع جلسات محكمة المهداوي وكان اي بعثي وقومي وعروبي يسير في شارع او يدخل في دائرة حكومية او غير حكومية او دار سينما او مطعم او يركب احدي وسائط النقل يحاط فوراً بمجموعة مستهترة وهي تصفق وتردد هتاف ال ما يصفق عفلقي . ومع الاعتداء علي هذا المواطن وضربه او اعتقاله، كان وجه قائد الامة ورئيس الجمهورية العربية المتحدة يوضع علي البوسترات والاعلانات المعلقة امام الكباريهات ودور السينما والخمارات وهو يرتدي ثياب الراقصات، امعانا في استفزاز الناس وتفجير الاحقاد الكامنة ضد الحركة القومية وتناسي الحزب العتيد الذي قام بتلك الحركة القذرة ان الرئيس عبد الناصر هو الذي ادخل السوفييت والمعسكر الاشتراكي الي المنطقة العربية واصبح لديهم بذلك ورقة تفاوضية مع المعسكر الاخر في سوق المساومات الدولية. ساد العراق من اقصاه الي اقصاه عهد من الارهاب لا اظن انه قد مرَ به قبل ذلك العهد ولا بعده وقد وصفه قاسم نفسه في شهري حزيران (يونيو) وتموز (يوليو) 1959 بقوله ان التتار لم يفعلوا بالعراق مثل ما قام به الفوضويون كما اسماهم ولا ما فعله حتي الصهاينة في فلسطين. جرح الشواف واستباحة الموصلنعود الي اعلان حركة الشواف والي الاجراءات المضادة التي قام بها قاسم والحزب الشيوعي العراقي الذي لم تكن له اية علاقة بالسلطة الرسمية القائمة في العراق وانقل هنا علي لسان الاستاذ زكي خيري عضو المكتب السياسي والشخصية الشيوعية المشهورة من الصفحة 204 من مذكراته صدي السنين الطبعة الثانية لعام 1996 من انه كان مع السيد حسين الرضوي سكرتير الحزب في ساحة الكشافة للاحتفال بيوم المرأة العالمي عندما ابلغه السيد رضوي ان الشواف والطبقجلي قد اعلنا العصيان وان السيد خيري اقترح فوراً علي المكتب السياسي للحزب الشيوعي والقادة الآخرين وجوب القيام بضربة جوية فورية علي مقر قيادة الشواف في معسكر الغزلاني لقتله وانهاء العصيان. فتلفنَ السيد الرضوي بعد ان وافق الحاضرون علي الاقتراح الي العقيد جلال الاوقاتي قائد السلاح الجوي العراقي والشيوعي المعروف آمرين له تنفيذ هذا الاقتراح وعلي القارئ الانتباه ان لا القائد العام ووزير الدفاع قاسم ولا رئيس اركانه احمد العبدي قاما بالاتصال بالاوقاتي وانما سكرتير الحزب الشيوعي نفسه. الا ان الاوقاتي كما يذكر السيد خيري كان متردداً وربما خائفاً وساق حججاً محبطة لعدم تنفيذ هذا الامر. ولكن قاسم وجماعته وجدوا ضالتهم بأحد الطيارين وهو النقيب يونس محمد صالح لتنفيذ هذا الامر واقلع هذا الطيار مع اثنين آخرين في الصباح الباكر من يوم التاسع من آذار (مارس) وسدَد صاروخه من خلال شباك غرفة المرحوم الشواف فاصابه بجروح مع بعض اركانه وكان ما كان بعد ذلك من مذابح وقتل عشوائي وسحل الضباط وابناء الموصل في الشوارع وتعليق جثث النساء والرجال علي اعمدة الكهرباء. اذنَ قاسم بمرسوم محفوظ باستباحة مدينة الموصل لثلاثة ايام كاملة الا ان اعمال القتل والسحل استمرت لايام اخري وهي الحجة التي اضمرها قاسم في نفسه لحساب الشيوعيين عليها بعد عام من تلك المذابح التي كشف الاستاذ بهاء الدين نوري عضو المكتب السياسي مؤخراً في كتابه المطبوع مذكرات بهاء الدين نوري وكذلك السيد زكي خيري ان اوامر القتل والتصفيات كان مبيتاً لها قبل قيام حركة الشواف، وان المكتب السياسي بعث بالسيد حمزة سلمان للاشراف عليها قبل اندلاع الحركة بأيام، وكان مزودا بقوائم اسماء لذلك الغرض.قصة منذر الونداوينعود الآن الي قصة قصف منذر الونداوي لمقر مجلس قيادة الثورة والذي شمل غرفة الرئيس عارف وغرفتي، وبعكس الضربات الجوية يوم الثامن من شباط (فبراير) التي قام بها نخبة من الطيارين البعثيين والقوميين فان الضربة الجوية الثانية التي قام بها السيد الونداوي باسم انتفاضة الحزب لم يجد من يعينه عليها ويشاركه فيها الا من قصف مقر الشواف وتسببَ بقتله وهو الرائد يونس محمد صالح الذي لم يعرف عنه في يوم من الايام ان له علاقة بالبعث او الخط القومي علي سعته. فهل كانت هناك جهة ما دفعت هذا الطيار للمشاركة في ذلك الحدث الآثم الذي فضح جميع الذرائع والحجج التي ادعي البعض انه قام بتلك الانتفاضة الكارثة دفاعاً عن حكم حزب البعث!! والتي لم يُنفذ منها الا قصف غرفتي عارف وحازم وقطع الماء والكهرباء عن القصر الجمهوري؟هبط الونداوي ورفيقه في قاعدة الحبانية التي تسللا اليها ليلاً بعد ان خدعا ضباط القاعدة هناك بالقول ان هناك انقلاباً شيوعياً وشيكاً في بغداد وانهما جاءا للمساهمة باحباطه، لكنهما عندما عادا من غارتهما اسر احد الضباط للسيد الونداوي ان القاعدة تلقت اوامر باعتقالهما وتسفيرهما الي بغداد فركب الونداوي وصاحبه سيارته وفرا باتجاه الحدود الاردنية السورية. لكن السيد الونداوي يذكر بعد سنين من تلك الاحداث ان البكر هو الذي اوعزَ اليه سراً بالقيام بذلك، اما اين ولماذا طلب منه المتآمر البكر ذلك فاسرار ذلك عند السيد الونداوي وزمرة انتفاضته التي اسقطت حكم الرابع عشر من رمضان.وقد اسفت كثيراً لما قام به هذا الحزبي القديم الذي تعهد لي مع رفيقه حامد جواد بانجاز الضربة الجوية في الساعة الاولي لحركة شباط وبناءً علي هذا التعهد اصدرتُ اوامر التنفيذ، وبعكس ذلك كنت ساضع خطة التغيير علي الرف ربما لاشهر او سنين قادمة. واعترفُ الآن بعد تقييم وادراك متأخر لتلك الاحداث فلربما كان ذلك افضل لحزب البعث والعراق والجمهورية العربية المتحدة والمنطقة العربية عامة.كما سبق للسيد الونداوي ان اخرجني بسيارته من بغداد بمعية الامين القطري فؤاد الركابي والسيد عبد الله الركابي عضو القيادة آنئذ بعد فشل محاولة اغتيال قاسم وكان ذلك عملاً شجاعاً للسيد الونداوي يحسب له.في مساء الثامن من شباط (فبراير) اقترحت علي القادة المجتمعين في دار الاذاعة اضافة السيد الونداوي الي مجلس القيادة تكريماً له ولمجموعة الطيران في قاعدة الحبانية والطيارين الآخرين. لكنه يبدو أنه تأثرَ بالحملة الدعائية المعادية للحرس القومي ـ الذي تطوع بنفسه لقيادته ـ من قبل ابناء الشعب والحزبيين والمؤسسة العسكرية العراقية فاعتقد ان النقد والهجوم علي تصرفات الحراس القوميين الغير مبررة او مطلوبة بمثابة هجوم عليه، وقدم اقتراح نقله خارج العراق في صيف 1963 بواسطة صديقه القديم السيد ناظم جواد الذي فاتحني بذلك، ورفضت هذا العرض رفضاً قاطعاً.البكر والونداوياثناء تحضيرات احمد حسن البكر لاعتقال وابعاد المرحوم علي السعدي وثلة من جماعته الي خارج العراق خلال انعقاد المؤتمر القطري يوم الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) كان اسم السيد منذر الونداوي ضمن القائمة التي اعدها البكر وبذلتُ جهداً مضنياً لتخليص الونداوي وآخرين من قائمة البكر وقصر الابعاد بأضيق نطاق ممكن وهو ما حدث فعلاً، علماً بأن السيد الونداوي اتصلَ بي تلفونياً يوم الثاني عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) وكنت حينها مقيماً في القصر الجمهوري. كان الونداوي متأثراً مما جري في الليلة السابقة (ابعاد السعدي ورفاقه) ويبدو انه كان متوجساً خيفةً من حدوث امر ما له فرجاني ان لا يحسبه احد علي تلك المجموعة المبعدة وانه يلتزم بقرارات الحزب وانَ ما يشاع عنه من اقاويل لا اساس لها من الصحة. فطمأنته ان لا انا ولا غيري قد حَسبه علي المجموعة الصغيرة المبعدة مؤقتاً وانه موضع ثقتي وثقة الآخرين، وانَ الكيل قد طفحَ من تصرفات تلك المجموعة المارقة والمخربة والتي كشفت الايام حقيقة حرصها الكاذب علي الحزب واخلاصها له. وقد بذلت جهدي لارشادهم ونصحهم وكان ما كان من تلك العملية الجراحية التي نظمها غيري ودخلت علي خطها لكي لا تفلت الامور من الحزب ويفقد السيطرة كما حدث بعد يوم الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر).ادعي السيد منذر الونداوي وتفاخر بعد ذلك بأنه قام بذلك الاتصال التلفوني لغرض التمويه وخداعي عما كان يبيته، ولم يكن هناك داع لذلك الخداع او التمويه وكان بإمكاني اعتقاله او ابعاده مع السيد السعدي كما طلب احمد البكر في حينها. فهل كان البكر يحاول التغطية علي دوره الخبيث في ضرب الحزب ونظامه كما اعترف بذلك السيد الونداوي بعد سنين بأن البكر هو الذي اوعز له بقصف القصر الجمهوري؟ لقد شاهدت عندها البكر يطالب القطعات المتواجدة باسقاط طائرة هذا …….!! . واعجب ما في قصة البكر والونداوي هذه ان احداً لم يسأل السيد منذر لا في سورية حينئذ ولا في العراق بعدئذ عما قام به يوم الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) بمشاركة ضابط غريب تدور حوله الشبهات واسمه وفعله ملطخ بدماء عشرات الشهداء من الضباط والمدنيين في الموصل الحبيبة. حتي صدام حسين الذي كان يتصلُ تلفونياً بكاتب هذه السطور علي مدار الساعة يوم الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) يطلب الاذن فيها للانقضاض علي المتآمرين وتصفيتهم وكنت ارفض ذلك، عامل ومن قبله البكر السيد الونداوي بعد انقلاب 17 تموز (يوليو) بعناية ودلال منقطع النظير وبالاحضان دائماً وكان يعتبر من الحلقة الضيقة المحيطة بالنظام وكلف بمهمات سرية وعلنية كثيرة لخدمة نظام البكر ـ صدام مما يعطي قدراً من المصداقية لادعائه بان البكر حرضهُ واوعز اليه بالقيام بعملية القصف. الا ان السيد الونداوي تخلي عن نظام صدام مرة اخري بعد ان حشدت الفرنجة جيوشها خريف عام 1990 لضرب العراق. الغرض من تشكيل الحرس القوميعندما اقترحت بناء تشكيلات الحرس القومي، وبمرحلة طويلة قبل تنفيذ الحركة، كان ذلك بهدف ان تساهم الجماهير، والحزب وقواعده بالحركة، ولكي يُعوض بعض النقص في قوات المشاة المطلوبة للتنفيذ ولتعزيز دور الحزب امام الجيش، وان يستمر في واجباته لحماية الثورة من تآمر قوي الثورة المضادة، لا ليقطع الماء والكهرباء عن القصر الرئاسي. ولاادري اي رئيس اخر غير عبد السلام يمكن ان يقبل هذا السلوك، ولا يخرج شاهراً سيفه بيده. وقد شاهدنا نظام البكر ـ صدام يقتل ويصفي المئات من الحزبيين ضباطاً ومدنيين علي الشبهات والظنون المريضة. دور القيادة السورية: عفلق والحافظكما لا يمكن ان نتجاهل دور القيادة السورية التي تآمرت علي حركة 8 شباط (فبراير)، وبذلت الجهود المضنية لمنع تحقيق الوحدة الثلاثية، فجاء كل من ميشيل عفلق وامين الحافظ ليحلا الازمة فساهما بمفاقمتها والاجهاز علي حكم الحزب وعادا خائبين الي دمشق. تصرف كل من ميشيل عفلق، وامين الحافظ وكأن العراق محافظة سورية يحق لهما تبديل محافظها متي شاؤوا، مع ان زيارة عفلق والحافظ التي استمرت لمدة خمسة ايام، كانت تفتقر الي اللياقة والذوق. فكل من امين الحافظ رئيس الجمهورية العربية السورية، والاستاذ ميشيل عفلق جاءا للعراق لشأن داخلي وهناك حالة عصيان علني، ولم يتصلا برئيسه بل لم يكلفا نفسيهما مشقة القيام ولو باتصال تلفوني به للسلام كما تقضي بذلك اصول الضيافة علي الاقل وليس قواعد البروتوكول، كأنه موظف صغير في مؤسسة تابعة لهما، لا يحسب لرأيه او لوجوده حساب. وهذه هي المرة الثالثة التي يصل فيها الاستاذ ميشيل عفلق الي بغداد دون علم او اخبار قيادة الحزب. كانت الزيارة الاولي بعد عشرة ايام من ثورة الرابع عشر من تموز والزيارة الثانية بعد ايام قليلة من حركة الثامن من شباط (14 رمضان) والزيارة الاخيرة تمتْ في الهزيع الاخير من ليلة الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر). ومن المفارقة ان جميع هذه الزيارات الثلاث اعطت عكس النتائج المرجوة منها مع الافتراض انها تمت بحسن نية وهذا ما اميل له بعض الشيء. لكن بحساب الارباح والخسائر التي جناها الحزب والحركة القومية فلعلَ من نافلة القول انها لم تؤد الا الي نتائج كارثية للحزب والعراق وقضية الوحدة وسأتطرق الي ذلك بشيء من التفاصيل في مناسبات قادمة. ان حالة الشد والتوتر التي افتعلها وادامها السيد علي صالح السعدي وبعض ازلامه، وطريقة قدوم كل من امين الحافظ وعفلق الي العراق والاعمال الصبيانية للحرس القومي وقيادة بغداد، هي ما دفعت عبد السلام عارف ان ينجرَ غضباً بذلك السلوك، ولا اُبرئ بعض الضباط المحسوبين علي الحزب من المساهمة في تصعيد حالة الغضب عند عبد السلام ضد الحرس القومي والحزب، واخطرهم عماش، البكر وحردان وامثالهم.موقفان لصالح عارف وواحد ضده:ولختام هذا الفصل القصيرعن علاقة عبد السلام عارف بحزب البعث فلا بد من التنويه بموقفين يسجلان لصالحه وآخر عمل ضده دون ما ضرورة أو أهمية ملحة.أولاً: عندما هوي عارف بتلك السرعة الصاروخية غير المسبوقة في تاريخ الثورات الكبري بعد ثلاثة أشهر فقط ولأسباب أقل ما يقال عنها أنها سخيفة ومفبركة، وعلي سبيل المثال، تحية الجماهير التي استقبلته بالمحافظات باسم الرئيس عبد الناصر ودعوته لوحدة الأمة العربية دون ان يطرح أي صيغة عملية او دستورية لتلك الوحدة أو دعوته الي الاشتراكية مما أثار ذعر الاقطاعيين والرأسماليين. عارف وللحق، لم ينقلب مئة وثمانين درجة كما فعل الكثيرون من أدعياء الثورية والوطنية، بل بقي أميناً وصادقاً للمبادئ التي ايقظ أهل العراق عليها فجر الرابع عشر من تموز (يوليو). كما أنه لم يحاول ولم يفكر بأي اتصال بأعداء أمته أو ثورته لا من قريب ولا من بعيد تنفيساً لانفعال او عرضاً لمظلوميته أو شكوي مما أصابه، مثل ما فعل الآخرون الذين حجوا زرافات ووحداناً الي عواصم الاستكبار من أجل تحريض وجلب الجيوش الأجنبية لغزو أوطانهم بعد ان كانوا يتسكعون علي أبواب دوائر الأمن والمخابرات السيئة الصيت التي تدار من قبل ناظم كزار وسعدون شاكر وبرزان ووطبان ورفعت الأسد وأمثالهم، ويقدمون لتلك الأجهزة الجلادة الخدمات المتعددة الاغراض، وكان آخر هؤلاء الزاحفين علي بطونهم نحو الغرب، السيد عبد الحليم خدام الذي أطل علي المشاهدين العرب المذهولين من قصره المنيف في باريس وكأنه أحد افراد أسرة البوربون الملكية الفرنسية.لقد عاد عارف الي بغداد بعد فترة الأسابيع الثلاثة وفقاً لاتفاقه مع زميله وخدينه قاسم ليواجه بالمظاهرات التي نظمها الحزب الشيوعي العراقي وكل الفئات المتوجسة خيفة من الوحدة والمعادية لحركة القومية العربية والتي طالبت بقطع رأسه اليوم وليس غداً. وواجه محكمة المهداوي وفند جميع ما قيل وأشيع عنه وأعلن تمسكه بأهدافه الوطنية والقومية التي جاءت من أجلها ثورة الرابع عشر من تموز المجيدة التي كان له شرف تنفيذ صفحاتها البطولية. وأعلن بصوته الهدار داخل المحكمة أنه لو تمكن العلم الحديث من تجزئة الذرة فإن الأمة العربية واحدة لا تتجزأ وأقوال أخري مأثورة لا زالت مطبوعة ومحفوظة في سلسلة وثائق المحكمة العليا الخاصة. وفندَ افادات شهود الزور الذين حشدهم رفيقه قاسم ضده في محاولة بائسة وخسيسة للانتقاص من دوره يوم الرابع عشر من تموز وردّ لهم الصاع صاعين وأثبت للعراقيين والعرب أن شهود قاسم سمعوا بأنباء الثورة وهم نيام وأن البعض الآخر كان ينفذ تعليماته وأوامره هو وليس أحداً غيره.وحين نظم عملية هروبه من سجن رقم واحد، اتصل بصديقه ناظم جواد وقيادة البعث للمساعدة ، وليس بجهة غريبة أخري. حين افرج عنه بعد ثلاث سنوات قصرَ اتصالاته بالبعث وبعدد محدود جداً من رفاقه وقادة ومنفذي ثورة تموز كطاهر يحيي، وعبد الستار عبد اللطيف، واحمد حسن البكر. وبقي وفياً ومخلصاً للجمهورية العربية المتحدة ورئيسها عبد الناصر التي كان يحلم ويأمل بانضمام العراق اليها ليزداد العرب عزة ومنعة ولإحكام الطوق حول العدو الصهيوني.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية