وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (15)
البكر وعارف وعماش اندفعوا للثأر من الشيوعيين.. ورموز انتفاضة تشرين اصبحوا في معسكر صدامطالب شبيب كان مخلصا للوحدة ووضع اللوم علي السوريين واتهمهم بالتآمر علي عبد الناصر وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جوادہ: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (15)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة يتحدث عن شخصية يقول انها مثيرة للجدل، وهي طالب شبيب وعلاقته معه والافتراق والرحيل الي القاهرة. القدس العربي عُين طالب شبيب وزيراً للخارجية في النظام الجديد وبادر الي عقد أول مؤتمر صحافي لرجال الصحافة والاعلام الذين تقاطروا علي بغداد وكان مؤتمره ناجحاُ بكل المقاييس ومكنته إجادته للغة الانكليزية من الاجابة المباشرة علي اسئلة المراسلين الأجانب. كما التقي بمعظم السفراء المعتمدين أيام قاسم واستمروا معتمدين في النظام الجديد وكان متألماً لموقف السفير السوفييتي الذي كان بحالة نفسية يرثي لها وتوقع له شبيب أنه سينقل وربما يعاقب من قبل القيادة السوفييتية التي تصورت أنها أصيبت بنكسة في العراق وهو مالم يكن بحسبان قادة النظام الجديد.شارك شبيب في معظم اجتماعات المجلس الوطني لقيادة الثورة وكان مثابراً علي النقاش والحوار وشارك بالطبع في مفاوضات الوحدة الثلاثية وكان يطلعني والرئيس عارف علي تفاصيل عمله اليومي وتألم كثيراً عندما أخبره أحد السفراء الأجانب وأظنه السفير الهندي أنه لا يليق بتلفزيون بغداد أن يعرض أفلاماً حول ما يسمي بانتفاضة هنغاريا أو بوزنان…الخ وهي أفلام تعدّها وكالة الاستخبارات الأمريكية. وجاء غاضباً الي مكتبي للاحتجاج واعلامي وطلب تدخلي فطلبت منه أن يكلّم وزير الأعلام من تلفوني الخاص ووبخ طالب ذلك الوزير الذي ادعي بعدم علمه مما جرّ عليه غضب طالب وتوقف منذ ذلك اليوم عرض تلك الأفلام السخيفة وأعفي ذلك الوزير من منصبه بعد فترة وجيزة.تصاعدت حملة الاعلام في المعسكر الاشتراكي بمرور الايام خاصة بعد أن بدأت ماكنة الاعدام تدور مجدداً في العراق لتحصد هذه المرة العشرات من قادة وكوادر الحزب الشيوعي الذي تم القاء القبض عليهم ابتداء من يوم العشرين من شباط (فبراير) نتيجة تطوع الشخص الثاني في الحزب الشيوعي الذي تعهد بتصفية حزبه لأنه كما قال أنه حزب عميل لايرجي له شفاء.حاول الرئيس عبد الناصر التدخل مع السوفييت لايقاف الحملة الاعلامية ضد العراق ولكي لا تؤثر تلك الحملة علي مشاريع اقامة الدولة الجديدة من الأقطار الثلاثة فكلف المرحوم المشير عبد الحكيم عامر بإثارة موضوع الحملة مع الرفيق خروتشوف أثناء زيارته لموسكو التي تمت أما في اذار (مارس) أو نيسان (ابريل). أخبرني الرئيس عبد الناصر بعد ذلك بأشهر أن خروتشوف أجاب المشير كيف تطلبون مني إيقاف الحملة وعبد الكريم قاسم كان عضواً في الحزب الشيوعي منذ عام 1956 وعلق الرئيس ناصر علي ذلك أن تقييمه لقاسم بعد صدامه مع الحركة القومية وحملته ضد الوحدة والجمهورية المتحدة ربما كان عميلاً بريطانياً مدسوساً علي حركة الضباط الأحرار إلا أن تقييمه له تغيّر بعد ذلك الي أنه سياسي انتهازي يتقلب ذات اليمين والشمال وفقاً لظروف بقائه في السلطة. إلا أنه أعترف بخطئه لتلك التقييمات بعد حديث خروتشوف مع المشير عامر. وأنا أظن أن تقييم السوفييت لقاسم نتج اما عن مبالغات قيادة الحزب الشيوعي العراقي لهم أو أنه تبرير لاستمرار الحملة الاعلامية في محاولة أخري لاحباط مشاريع وحدة الأقطار الثلاثة التي ربما ستجر الاتحاد السوفييتي الي مواقف صدامية مع الغرب لايريدها وتتناقض مع سياسة التعايش السلمي التي بدأ خروتشوف ينتهجهها بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفييتي.شبيب عارض حملة الاعدامات ضد الشيوعيينكان السيد طالب شبيب يعارض دائماً استمرار حملة الاعدامات ضد قادة الحزب الشيوعي ويطالب باجراء محاكمة سياسية علنية للحزب واصطدم مع العسكر المتحمسين للثأر والانتقام من الحزب الشيوعي وكان أكثرهم اندفاعاً في ذلك صالح مهدي عماش وعارف والبكر وفشلت جميع محاولاتنا لايقاف أو تخفيف تلك الحملة التي تؤجج الصراعات والثارات والأحقاد، لكن العسكر كانوا يجدون دائماً طرقاً للالتفاف عليها وخاصة بعد العصيان المحدود الذي جري يوم الثالث من تموز (يوليو) في معسكر الرشيد وكاد السيد شبيب أن يفقد حياته بعد أن القي العصاة القبض علينا أثناء ذهابنا الي معسكر الرشيد وشعرت بالاشفاق علي الأستاذ طالب عندما واجهنا حائط احدي البنايات بالقرب من المدخل الشمالي للباب النظامي لمعسكر الرشيد قبل ثوان من الامر باطلاق الرصاص علي ظهورنا. وقد تألمت لحاله أكثر مما جري لي لأني أعتبرت نفسي مسؤولاً عن زجّه بهذا الموقف الذي هو أضخم كثيراً مما يستطيع تحمله وقد نجونا باعجوبة من الأعاجيب وخلال ثوان معدودة قبل الضغط علي زناد الرشاشات المصوّبة الي ظهورنا من علي بعد متر واحد أو أقل واذا جاء اجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون صدق الله العظيم.كان طالب من المؤيدين المتحمسين لقيام دولة الوحدة ومخلصاً لميثاق السابع عشر من نيسان (ابريل) ويضع اللوم كله علي القيادة السورية التي كانت تفاجئنا بقرارات واجراءات كنا نتقبلها بحسن نية في البداية ولكن وبمرور الوقت ثبت لنا أنها كانت خطة مدروسة لبعض من الكتل الحزبية المتصارعة في القطر السوري لاحباط مشروع الوحدة الثلاثية ونسفه وإلقاء اللوم علي الرئيس عبد الناصر. وبدأت انا شخصياً ويشاركني طالب ايضاً بالوقوف بوجه تلك الاجراءات ويوم أعفي اللواء زياد الحريري رئيس الأركان وكان في زيارة رسمية الي الجزائر بعثت ببرقية شاركني فيها شبيب وعماش موجهة الي المرحوم صلاح البيطار رئيس الوزراء عن طريق وزارة الدفاع وكنت متواجداً هناك ومعي طالب محتجين علي هذا الاقصاء واسلوبه المنافي للقيم خاصة وأن الحريري كان من المنفذين الرئيسيين لحركة الثامن من آذار (مارس) وزار العراق مهنئاً وقد أحببناه جميعاً لأندفاعه القومي ودماثة خلقه ووداعته.مناقشات حامية مع اعضاء الحزببدأ طالب يدخل في مناقشات حامية مع بعض أعضاء القيادة للتصرفات غير المسؤولة لبعض القيادات وبعض أفراد الحرس القومي الخارجة عن نطاق مهماتهم وواجباتهم وتصاعدت حدة ولهجة هذه النقاشات بمرور الأيام وظنّ بعضهم أنه وراء تحريضي لأنتقاد مسلكهم وليس ذلك صحيحاً وطولب السيد شبيب بتطهير وزارة الخارجية واتهموه بالتباطؤ وعدم الرغبة للقيام بذلك. لكنه كان يطالبهم بالبديل عن العناصر التي سيطردها من وزارته الذي لاقدرة لهم علي تأمينه. لكن موقف طالب كان ضعيفاً أمامهم لعزلته وغربته عن الجهاز الحزبي الذي حاول تعويضه بالعلاقة الوطيدة معي أولاً وبالعسكر ثانياً ولم يكن هناك تكتل أو جناح كما كانت تطلق عليه الصحافة في بيروت وبعض أجهزة الأعلام الأخري. ورغم وداعة وتهذيب الأخ طالب فهو لاذع اللسان وسريع النكتة وفي احدي الجلسات كان هناك تقرير أمني عن وجود مؤامرة أو ماشابه ذلك فعلق بحدة لاتخشوا أي مؤامرة فنظامكم الغبي سيسقط بالسكتة القلبية. كانت تعليقاته اللاذعة تصب الزيت علي النار ولا أظنه كان يمينياً، أنه اقرب الي الليبرالية واتهم مرة من قبل الآخرين بأن موقفه المحابي للشيوعيين يعود الي خلفيته الشيوعية وهذا مايعكس تناقض تقييمهم للسيد شبيب. وأثناء المؤتمر القطري الخامس الذي أنعقد في شهر أيلول (سبتمبر) والذي كرس الانقسام داخل القيادة تمكّن الأطفال الأشرار من اسقاطه بصوت واحد وتبين بعد ذلك ان سقوط طالب قد تمّ عن طريق التزوير. وقد تأثر طالب كثيراً من عدم الوفاء لدوره في حركة شباط. وغادر بعدها الي نيويورك لحضور الجلسة السنوية المعتادة لهيئة الامم المتحدة وعاد بعد شهر وكانت الأزمة تراوح مكانها الاّ انه أحتفظ بموقعه كوزير للخارجية وعضو في المجلس الوطني للقيادة. كان من نتائج ذلك المؤتمر الذي حضره الأستاذ ميشيل عفلق ووعد بأنه سيكون حاسماً في ادانة الخط الفوضوي الجاهل الا أنه القي خطاب الافتتاح الذي كان معظمه عن الوحدة والانفصال وتمني في نهايته التوفيق للحزب في العراق. أيقظني أحمد حسن البكر حوالي الساعة الواحدة او الثانية بعد منتصف الليل يوم التاسع من تشرين الثاني (نوفمبر) وكان يتكلم من غرفة الرئيس عارف وقال لي ساخرا وغاضبا أنت نايم ورجليك بالشمس وهو مثل عراقي يعني الغفلة وعدم اليقظة والانتباه ولما سألته ما الخبر طلب مني الحضور فوراً الي القصر الجمهوري علي أن أصطحب معي المرحوم طالب الشبيب وأيقظت طالب من نومه الذي لعن الحزب والحكومة والدولة علي حرمانه من النوم فلم أر أحداً في حياتي يعشق النوم مثل أبو مازن .عندما وصلنا غرفة عبد السلام عارف كان هناك البكر ومن الواضح من سيمائه وطريقة تدخينه أنه بصدد تدبير فتنة جديدة وكان معهم عبد الستار عبد اللطيف والعقيد محمد المهداوي ملحقنا العسكري في دمشق وربما واحد أو أثنين آخرين. وكان البكر يدخن ويلعن السعدي وجماعته ولما سألتهم ما الذي جري طلبوا من المهداوي الأدلاء بما عنده من معلومات وهو قد وصل هذا المساء من دمشق لخطورة المعلومات التي بحوزته وخلاصتها أنه علم من دمشق عن طريق اللجنة العسكرية السرية أن المؤتمر الاستثنائي الذي سيعقد في بغداد يوم الحادي عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) أي بعد يومين سيقوم بانتخاب قيادة جديدة وابعاد حازم جواد وتسفير أو أعتقال عدد من أعضاء المؤتمر وتشكل حكومة جديدة وتفاصيل أخري. واقترح البكر دعوة أعضاء مجلس القيادة للاجتماع واعتقال السعدي وجماعته إضافة الي صالح عماش واعترضت فوراً علي هذا الأجراء المنافي للقيم الحزبية الرفاقية لا بل كان منافيا حتي للقيم العربية والاسلامية. ونظراً لحماسة المتواجدين لاقتراح البكر فقد اقترحت علي العكس من ذلك استغلال انعقاد المؤتمر القطري الاستثنائي وإضافة ممثلي القوات المسلحة الذين لم يمثلوا في مؤتمر ايلول (سبتمبر) وكان ذلك اهم مطلب لهم ومعهم الحق في طلبه ثم تجري انتخابات جديدة وأنا علي ثقة أن السقوط المريع سيكون من نصيب مجموعة السعدي. اقتنع الحاضرون بهذا الحلّ ولم أتدخل بتفاصيل تنفيذه علي الاطلاق وتم ما تم وانتهت فتنة البكر الكبري بصواريخ الوانداوي بعد يومين وبقيام انقلاب الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) بعد ذلك، وكنا في بيروت عند قيامه وحذرنا من كان داخل العراق أو في سورية من قيامه.وتطورت حركة تشرين الثاني (نوفمبر) بعد أسابيع الي انقلاب كامل وشامل ضد حزب البعث وحركة الثامن من شباط (فبراير) وكان من أوائل إجراءتها منعي من العودة الي بغداد مع الأخ طالب ثم أبعاد عبد الستار عبد اللطيف الي الخارج كسفير ثم أبعد حردان التكريتي الذي عين وزيرا للدفاع وهو الذي قاد عملياً حركة الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) بمباركة البكر الذي عيّن نائباً لرئيس الجمهورية والقائد العام الدائم كما اقترح متحمساً صباح اليوم الثالث من تموز (يوليو) وأحبط الكاتب إقتراحه كما مرّ ذكره آنفاً. لكنه عندما وجد نفسه معزولاً وبلا صلاحيات في هذا المنصب تقدم مسرعاً باستقالته وقبلها عارف فوراً مشترطاً من البكر أن يعلن اعتزاله العمل السياسي بواسطة الصحف وهو ما فعله. أما صالح عماش فبعد أن سلم مسدسه الشخصي لسكرتيره المرحوم العقيد علي عرين، وسمح له بالنوم في الغرفة الملحقة بمكتبه فجر الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) فتوجه الي القاهرة بعد أيام لتسلم منصب السفير العراقي هناك وظلّ ينتظر لأسابيع وصول اوراق اعتماده التي لم تصله ابداً.وشارك السيد صدام حسين بحماس بحركة الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) بعد أن منعته من التدخل بأحداث يوم الثالث عشر وقبل بذلك مكرهاً الاّ أنه سارع يوم الثامن عشر مع مجموعة من أفراد الحرس القومي بالمساهمة في السيطرة علي دار الأذاعة في الصالحية التي كان يسيطر عليها مجموعة من الحرس القومي منذ أحداث ما سمَّي بانتفاضة الحزب وشارك القوة العسكرية التي استعادت السيطرة علي دار الإذاعة.رموز انتفاضة تشرين صاروا مؤيدين لصدامتجدر الاشارة هنا الي أن معظم المشاركين أو رموز تلك الانتفاضة أصبحوا من مؤيدي السيد صدام حسين بعد انقلاب السابع عشر من تموز (يوليو) وعمل بعضهم بحماس ولسنين طويلة بأجهزة النظام السرية وكان من أشهرهم ناظم كزار السيئ الصيت الذي لقي حتفه مع بعض أعوانه عام 1973 .تغلب الطبع علي التطبع في شخصية عبد السلام عارف والانتصار السهل غير المكلف يوم الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) والقوي التي وجدت فرصتها سانحة للتسلل الي مراكز السلطة العليا وكان واضحا لأي مراقب أن الأمور بدأت تفلت نهائياً من حزب البعث وأن الحملة ستتصاعد عليه بمرور الأيام فسافر السيد طالب الشبيب برفقة شقيقي ناظم جواد الذي تمّ نقله الي بغداد وقدم استقالته عند وصوله بغداد الي صديقه عارف الذي طلب منه البقاء في الخارجية وتعيينه في نيويورك الا أن ناظماً رفض بأدب ذلك العرض وأخبر عارف أن حزب البعث هو الذي عينه في بيروت، وبما أن الحزب اضحي خارج السلطة الان فإنه يفضل الخروج من الخارجية ورجا عارف أن لا يؤثر هذا القرار علي العلاقة الشخصية الوطيدة بينهما وظلّ ناظم يزوره باستمرار ويعلم احمد البكر ما يدور في تلك اللقاءات لحين تسفيره معنا الي القاهرة.سافر طالب وناظم الي الشام وقابلا عفلق والحافظ والبيطار وأركان النظام الباقين وكان المطلب الملح لنا الاسراع بتعيين قيادة قطرية جديدة في العراق قبل فوات الأوان وتحول انقلاب تشرين الثاني (نوفمبر) الي صدام مكشوف بالحزب والنظام السوري بشكل خاص وقد قضي طالب وناظم يومين مع الرفاق السوريين الذين يكثرون من الكلام والمداولات دونما قرار حاسم فعادا خائبين وغادر ناظم الي بغداد بعدها بأيام.قمت بعدها بمبادرة مع طالب بارسال برقية الي بغداد عن طريق الملحق العسكري العراقي العقيد غانم اسماعيل نُعلم من كان في العراق تلك الأيام بالنية بالعودة الي بلادنا واستلمنا جواباً فوريا قاطعا أن الظروف الحالية تتطلب منكما البقاء خارج العراق فما اشبه اليوم بالبارحة، عندما سُفرَّ عارف أيام خلافه مع صديقه قاسم، اما نحن لم يكن لنا خلاف تلك الايام مع عبد السلام عارف.عندها قررت تحدي عارف والنظام المتسلّل الجديد مع اقتراب الذكري الأولي لحركة شباط (فبراير) ووضعت طالب في موقف صعب آخر الاّ انه وافق علي مرافقتي بعد نقاش طويل لحساب ردات الفعل من قبل صديقنا القديم عارف الذي أصبح الحاكم بأمر العراق الآن دونما حسيب أو رقيب.وتوقعنا ان إعادتنا الي بيروت بنفس الطائرة التي ستقلّنا الي بغداد هو الاحتمال الأقوي والاحتمال الثاني الضعيف هو إلقاء القبض علينا وإيداعنا المعتقل وهو ما رضينا به، أما الاحتمال الثالث وهو الأضعف فهو السماح لنا بالذهاب الي بيوتنا. استطعنا ايصال رسالة الي ناظم جواد نعلمه بقرارنا وحددّنا يوم الثامن من شباط (فبراير) موعداً لوصولنا الي بغداد ومن المصادفات أن ناظم كان مدعواً علي الغداء من قبل الرئيس عارف الا أنه خرج الي المطار لاستقبالنا علي أمل أنه سيلقي الرئيس عارف إذا حصل لنا شيء غير متوقع أثناء وصولنا. وما ان استعد الطيار للهبوط وبدا لنا مدرج المطار علي مرمي من أبصارنا حتي انتفض طالب واقفاً وصاح بي هناك احتمال رابع لم يخطر لا لك ولا لي هو أن عارف سيقوم بتسفيرنا الي القاهرة للاقامة الجبرية هناك فأجبته علي أي حال ان الوقت بات متأخرا للتراجع فقد بدأت الطائرة بالسير علي مدرج مطار بغداد.عارف يصدر اوامره باعتقالناولا أطيل علي القارئ في تفاصيل ما حدث بعد ذلك فقد أصدر عارف أوامره الفورية باعتقالنا وبعث المقدم هادي خماس مدير الاستخبارات العسكرية لأصطحابنا الي مقرّه بوزارة الدفاع وكان الأخ هادي من الضباط القوميين وقد عاملنا مع معاونه فاروق صبري بأدب واحترام جمّ، وتناولنا الغداء سوية في مقره وكان تلفونه يرن باستمرار للاستعلام عن وضعنا وأقسم الاثنان لنا هادي وفاروق أنهما وبقية الضباط القوميين لم يخونوا حركة الثامن من شباط (فبراير) ولا حزب البعث وأن ما جري يوم الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) لايعدو الا سيطرة الدولة والجيش علي الفوضي التي ضربت بغداد بعد انتفاضة الثالث عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) وأنهم استجابوا لنداء من بقي من حكومة الرابع عشر من رمضان كعارف والبكر وحردان وطاهر يحيي…الخ لتنفيذ صفحات السيطرة ثم استأذنا بمرافقتنا دون أن يفصحا عن الجهة المتوجهين لها وسلك موكبنا طريق قناة الجيش ودخلنا معسكر الرشيد وكان ظني أنه سيتم التحفظ علينا في سجن رقم واحد الذي حاولنا تهريب عبد السلام عارف منه قبل سنين قليلة لكن الموكب توجه الي قاعدة الرشيد العسكرية وكانت هناك طائرة جاثمة علي المدرج وهي من مخلفات الحرب العالمية الثانية وأبلغنا بأننا سنتوجه الي القاهرة كما توقع طالب شبيب ووجدنا ناظم جواد والسيد بهاء الشبيب قد سبقانا الي القاعدة فقد أصدر عارف أمراً باعتقال صديقه وكاتم أسراره ناظم جواد الذي حاول تهريبه مرتين وفصل من دار الأذاعة بسببه، واعتقل في الثامن من آذار (مارس) 1959 لأكثر من 6 أشهر بسبب انتظاره لتعليمات المرحوم فؤاد الركابي لتنفيذ تهريبه من سجنه، وهكذا تنتهي الصداقات في العراق السياسي.رفضنا جميعاً ركوب الطائرة وطالبنا بالسماح لنا للذهاب الي بيوتنا أو اعتقالنا ولو بتهم كاذبة وتكهربت الأجواء داخل القاعدة فمعظم ضباط الطيران وآمر قاعدتهم عزيز أمين لم يرتاحوا لهذا الأجراء المتعسف الذي تنعدم فيه قيم الوفاء وتطغي فيه قباحات نكران الجميل وبعد أخذ وردّ وشدّ وقبلات من جميع الضباط الحاضرين بالعشرات وبالأخص هادي خماس والمقدم عزيز أمين آمر قاعدة الرشيد صعدنا الي هذه الطائرة الأثرية وسلمنا جوازات سفر جديدة بعد أن صودرت القديمة واكتشفنا أنها صالحة للسفر الي ج.م.ع وغير قابلة للتجديد أو اضافة اي بلد آخر أو العودة بواسطتها الي العراق.دامت رحلة تلك الطائرة حوالي عشر ساعات وطلب الطيار وهو فوق مدينة كربلاء السماح له بالعودة فهو لا يستطيع المغامرة باكمال الرحلة واستلم الجواب الفوري بأن عليه الاستمرار بالرحلة مهما كلف الامر. كان البرد قارصاً داخل الطائرة لعدم وجود أجهزة التكييف وكان الماء الذي نشربه يتجمد حال سكبه من الوعاء وكان الضباط الذين رافقونا ومنهم الصديق عزيز امين آمر القاعدة يتدثرون بالبطانيات ثم توقف جهاز اللاسلكي داخل الطائرة والانوار وأوشك الطيار أن يهبط في أحد المطارات الاسرائيلية، ووصلنا الي القاهرة بعد الثانية عشر ليلاً ولم يكن احد في استقبالنا فقد ظنّ الجميع ان الطائرة أما أن تكون قد سقطت أو عادت أدراجها وكان علي رأس المستقبلين الصديق العقيد عبد المجيد فريد مدير شؤون العربية الأسبق في رئاسة الجمهورية ومندوب عن السفارة العراقية لكن الجميع غادر المطار ليأسهم من وصول تلك الطائرة وأثناء هبوط تلك الطائرة علي مدرج مطار القاهرة شبّت النيران في أطاراتها وسارعت سيارات الأطفاء للقيام بما يلزم.كتب الأستاذ زكريا نيل مدير تحرير الاهرام بعد يوم أو يومين في الصحيفة وصفاً حيا معنوناً بقصة الطائرة العراقية التي أوشكت علي الهبوط في اسرائيل وفيها وصف طريف ودقيق لتلك الرحلة.عندما وصلنا الي الفندق الذي استضفنا فيه قال لي طالب باللهجة العراقية أنا ممنون منك كثيراً يارفيق حازم فكم مرة كنت فيها قاب قوسين أو أدني من الموت تنفيذاً لأوامرك وقد قبلته واعتذرت منه علي معاناته معي.قضينا اكثر من سنتين في القاهرة الحبيبة وتسارعت التطورات في العراق وتحول صدام عارف بمجاميع من الحرس القومي الي حرب شاملة مع البعث والقطر السوري، ولم يدخر رحمه الله سلاحاً لم يستخدمه ضد رفاقه القدامي وزج الكثير منهم في المعتقلات والسجون ومارست اجهزته التعذيب بحق البعض منهم ولم ينج حتي البكر صديقه الأقدم من نقمته وأصيب عارف في أواخر أيامه بمرض البارانويا والعياذ بالله وهو المرض الذي يصيب المستبدين والطغاة وفي العراق خاصة، وقد أصيب به من قبله صديقه قاسم ثم أصيب به من بعده صديقه البكر الذي ورثه الي صدام الذي فاق الأولين والأخرين باعراض البارانويا التي داهمته فقضت عليه. وشملتنا أعراض مرض عارف ونحن مقيمون في القاهرة فكانت تفرض علينا الإقامة الاجبارية داخل شققنا أثناء زياراته المتكررة الي القاهرة فقد كانت تلك الزيارات هي المتنفس الوحيد له بعد السجن الذي اقامه لنفسه في بغداد. كان عارف يقفل باب غرفة مكتبه من الداخل عليه لكي يتجنب المصادفات المزعجة بدخول أحدهم واطلاق النار عليه وخاصة بعد الانقلاب الفاشل الذي دبره نائبه السيد عارف عبد الرزاق عند حضوره مؤتمر القمة العربي في المغرب وتمّ اعتقالنا في شققنا واعتدي علي الحاجة أم كاظم بطريقة وحشية في مطار القاهرة بعد يوم أو يومين من ذلك الانقلاب الفاشل الذي تزامن مع عودتها الي بغداد وأعيدت الي شقتي بسيارة اسعاف وأترك تفاصيل تلك القصة الي فرصة أخري.تملص عماش وهروبه لاحقا للقاهرةكان سبب تشدد الأجهزة الأمنية المصرية يعود الي هرب شقيقي ناظم من طوق الاعتقال والمراقبة في مصر فقد عزَّ علي ناظم ما جري له ولرفاقه من صديقه عارف كما أصيب جهازه التنفسي بمرض خطير سببه تلك الرحلة القاسية المثلجة في الطائرة التي أقلتنا من بغداد الي القاهرة، فتحركت نزعات الثأر والعزة داخله ففاتح عماش بخطة هربه التي نظمها بواسطة احدي العوائل اللبنانية المقيمة في القاهرة والتي تعرف عليها أثناء عمله في لبنان وقد شجعه عماش علي مشروع هربه ووعده انه سيكون الثاني معه للهرب من مصر والذهاب الي سورية، وكلف الصديق العقيد حسن النقيب وكان يمثل العراق في القيادة العربية الموحدة ويعمل بمعية ضباط عراقيين آخريين بإمرة قائدهم الشهيد عبد المنعم رياض، كلف النقيب بالاتصال بممثل سورية في تلك القيادة العميد محمد خير البدوي لاستحصال موافقة الحزب في سورية وتأمين نفقات رحلة التهريب ، ولم تكن كبيرة حتي بمقاييس تلك الأيام. وحصلت موافقة سورية ووصلت النفقات لكنني رغم عدم موافقتي علي الفكرة من الأساس الاّ أنني حذرت ناظم من مفاتحة عماش أو الاعتماد علي مشاركته. فهو سيختلق عذراً في اللحظة الأخيرة لإحباط العملية. وهذا ما حدث فعلاً ليلة التنفيذ فقد وجد صالح عماش العذر المناسب والجاهز للهروب لا من مصر وإنما من خطط أولاد جواد الذين لاحقوه الي منفاه. ولم يتراجع ناظم ويصيبه الإحباط بسبب تخاذل عماش وغادر القاهرة الي السويس او بور سعيد لتهريبه ركابه علي متن احدي ناقلات النفط علي أن يسلم نفسه الي كابتن الباخرة بعد ابتعادها عن المياه الإقليمية العربية.لم يكتف عماش بالتراجع عن سفره والتهرب من وعوده لناظم، وإنما كتب رسالتين واحدة الي سورية وأخري الي البكر في بغداد يذكر فيهما أن المخابرات المصرية هي التي قامت بتهريب السيد ناظم جواد!! وعلي من تبقي من البعثيين القدامي أن يحكموا علي نوعية ومعدن هذا الخسيس الذي ارتقي الي الصفوف الأولي من سلم القيادة البعثية بعد ذلك.7