آخر مرة اتصلتُ
صباح زوينآخر مرة اتصلتُاخر مرة اتصلتُ بها، قبل ثلاث سنوات، أي عندما كانت الحرب علي العراق في اوجها وفي بدايتها. اتصلتُ بنهي الراضي وسألتها سؤالاً عادياً كيفك؟ وبدل ان اسمع كذلك منها الجواب العادي والذي عادةً ما نجيب به كلنا، وهو جيدة”، وربما كنت انتظر منها ايضاً جواباً بالانكليزية ( فاين كونها طليقة في هذه اللغة وتتكلمها دائماً مع الاصدقاء)، او جواباً باللهجة العراقية ( خوش ، زين كون نهي عراقية)، قالت محتدّة وغاضبة وصارخةً: كيف تريدينني ان اكون، والعراق علي هذه الحال ؟! ثم تكلمنا قليلاً وهي لا تزال في يأسها وحزنها وانفعالها، فواسيتها قدر المستطاع، واقفلنا الخط و صادفت انني لم اعاود الاتصال واننا لم نلتقِ بعدها.بعد ثلاث سنوات، اي قبل اشهر قليلة، خطر لي ان اتصل بها. ردّ عليّ صوت امرأة، شقيقتها. قلت: هل استطيع التكلّم مع نهي؟ وفوجئت، بل صُدمتُ بالخبر ولم اصدّق، لم افهم، لم استوعب. قالت: نهي ماتت. لوكيميا . ماذا؟! متي؟! يا الهي! ماذا اسمع؟!هكذا يا نهي، عشتِ سنوات بعيدة عن بيتك الجميل في بغداد، البيت الذي تحوطه حديقة كبيرة، بل بستان نخلٍ، كما وصفتِه في كتابك، كتاب عمرك وذكرياتك. هكذا يا نهي انتهيتِ من الحياة او هي انتهكتكِ، انت المقيمة في بيروت وكنت تشكين من قلة النخيل هنا، بل تنتقدين النخلة اليتيمة الطالعة من بين غابة الاسمنت وكنت ترينها من شرفة شقتك، وكم كنتِ تشتاقين نخيل بستانك هناك!هكذا يا نهي الراضي كسر الموت يدك الرائعة، تلك اليد الكلها شغف بالجمال، الكلها شغف بالشكل وباللون، يدك التي ملأ كل زاوية في بيتك بالمنحوتات واللوحات والخشبيات والخزفيات، ذلك البيت في بيروت حيث جمعتِنا اصدقاء لك واكلنا الاكل العراقي الشهي الذي طهته والدتك.هكذا يا نهي صُدمتُ برحيلك، انت التي مرةً اتيتِ اليّ ولم اكن اعرفك، قلتِ لي انك فنانة تشكيلية وانك تكتبين، ولذا كنتِ مهتمة بتلك الندوة الادبية في احدي الجامعات حيث كنت انا ناشطةً واحببتِ ان تتكلمي معي. احببتك نهي منذ ذلك الوقت، وصرنا نلتقي من وقت لآخر، الي ان نهشك المرض نهشاً ولم اكن ادري، وصرتِ من ثم لوحة وصورة بين لوحاتك وكل اعمالك في الصالة التي تحمل الآن اسمك في بيروت.اصبحتِ لوحة ابدية يا نهي، كما كانت قد اصبحت بغدادك صورة علي الشاشات وانت تتشوّقين اليها عن بعد!سبقتِنا يا نهي الي الازل او الي العدم، وتركتِ لنا اعمالك في صالتك في مسرح المدينة، كما قد نترك يوماً ما شيئاً منا هنا او هناك. دخلتُ الصالة التي تحمل اسمك في مبني مسرح المدينة وتحمل اعمالك الازلية، وكنت تنتظريني علي المدخل، متربعة هادئة علي السجادة وفي وجهك الاسمر الهادئ كل المحبة وفي عينيك كل الصدق، صدق الفن يا نهي. ونقاؤك ذكّرني بما يحدث اليوم وكل يوم من التباس في المجالات الفنية علي اختلافها، وكم كنتِ انت، ايتها الناصعة، مختلفة. لم تبحثي عن شهرة يوماً، ولا عن ضجة، اذ لم تكوني مهتمة سوي بعملك. عملتِ صامتةً، هادئة، بعيداً عن اي وصولية او نفاق او تملّق. لم تهتمّي بأضواء الكاميرات لأنك اكتفيتِ بنور روحك وابداعك، وها هو العمل قد خلفك وانارَ غيابك في حضوره الكثيف يا نهي. وكنت تدركين ان من يبحث عن ضوء الكاميرا فهو من ليس له قدرة علي الابداع. قرأت قبل فترة في جريدة دي تسايت الالمانية هذا: هل علينا ان نصدّق وسائل الاعلام؟ انه سؤال جوهري اطرحه عليك يا نهي الراضي في غيابك المادي ولكن في حضورك الملائكي.انه السؤال الذي يعنينا كلنا الآن، ولو اني لا انتظر جواباً منك ايتها الاثيرية الخالدة في جنّة الابداع والخلود. ومع ذلك اتساءل وادعك تنظرين اليّ وانا في محاولة مني لأجيب عن هذا الســــؤال الذي قرأته بالألمانية. فماذا علينا ان نصدّق في الاعلام وماذا علينا ان لا نصدّق؟ الجواب ليس صعباً، لكنه مخيب، اكان من عندي ام من عند تلك المقالة في الجريدة المذكورة آنفاً وتقول: القارئ والمشاهد لم يعودا مستعدَّين علي تصديق كل شيء”. وانا اقول الشيء ذاته. وما من قارئ او مشاهد في هذا العالم بات ساذجاً او مغشوشاً، اذ نراه آجلاً ام عاجلاً، قادراً علي التمييز بين تَنَك الاعلام وبين ذهبه، بين صمتك يا نهي وتواضعك ومتانتك، وبين ما لا يشبهك و لا علاقة له بالابداع.لا نصدّق يا نهي الراضي سوي عملك الذي لم تأخذيه الي صخب الاعلام لأنه صاخب بذاته وبموتك المفجع وبضوئك الكثيف الذي يطغي علي الاضواء ويطغي علي الوقاحة الكاذبة لأنك يا نهي صنعت نفسك بنفسك.شاعرة وكاتبة من لبنان0