نحب الحياة لعبد الكريم غلاب: شيخوخة مزدهرة نابضة بالحياة

حجم الخط
0

نحب الحياة لعبد الكريم غلاب: شيخوخة مزدهرة نابضة بالحياة

نحب الحياة لعبد الكريم غلاب: شيخوخة مزدهرة نابضة بالحياةالرباط ـ القدس العربي : يواصل الكاتب والمفكر المغربي عبد الكريم غلاب عطاءه الممتد علي مدي عدة عقود بإصدار كتاب جديد يحمل عنوانا معبرا في مقاصده نحب الحياة ، يحذو فيه حذو مصلحين كبار من أمثال المشايخ محمد عبده والأفغاني ورشيد رضا وعلال الفاسي الذين جمعوا بين الالتزام الابداعي والالتزام السياسي والاعلامي من منطلق تنويري متفتح ورؤية عميقة لقضايا الحياة والانسان المعاصر.ويحمل كتاب غلاب هذا عناصر مشروع فكري وتربوي كما ساد في مرحلة من التاريخ النهضوي العربي من خلاله طابعه الشمولي ومقاربته لمجمل القضايا المعاصرة اجتماعا واقتصادا وسياسة وثقافة وأخلاقا، من منطلق بناء خطاب نقدي حول مظاهر الأزمة العامة بهدف بناء شروط التقدم ومقومات التنمية الشاملة انطلاقا من التفاعل الايجابي مع المتغيرات الطارئة والتحولات الحالية.وقال تقرير لوكالةالانباء المغربية انه علي عكس بعض المثقفين الذين يعيشون في برج عاجي، وبعيدا عن المفاهيم المجردة التي يوظفها الكثير من المثقفين والتي يضيع معها القاريء في نقاشات عقيمة وسفسطائية، يحاول الكاتب هنا، من خلال خلاصات تجربة حياة طويلة وثرية، وبلغة بسيطة تأخذ بالسهل الممتنع وتعتمد الأساليب العربية الأصيلة، أن يقارب أسباب الاخفاقات ومظاهر العجز، بوضوح في الرؤية وتماسك في البناء وطرح للبدائل.ويلخص غلاب تلك المظاهر المتعددة في الإحساس بالضياع وفقدان الرغبة في الحياة وتراجع القيم وضعف مشاعر المواطنة وانهيار الروابط العائلية وتشيؤ العلاقات الاجتماعية وتنامي مظاهر النفاق الاجتماعي والانتهازية والوصولية وتراجع قيم العمل والواجب وانحطاط الأخلاق واضمحلال الاحساس بالمسؤولية وانفجار المؤسسات التقليدية من خلال التحولات التي طالت الأسرة والمؤسسة التعليمية والنقابة والحزب، وفي كلمة واحدة، مختلف مظاهر التخلف المجتمعي.ويلخص غلاب المقومات والشروط التي بها يكون الانسان إنسانا في أن يعتبره المجتمع صادق الكلمة، وذا عقل حكيم، وقلب سليم، وضمير حي، يقبلون كلامه أو يختلفون معه وهم يحترمونه، فلا يسلط عليه لسان بسوء، ولايتخطاه أحد بمكروه.إنسان مثله قد لا ينجح في الحياة، التي أصبحت عملتها التلاعب بالقيم المثلي، والتعامل بالغش والكذب والاحتيال والمرواغة والنفاق، وكسب المال، مهما كان مصدره حلالا أو حراما (…). الانسان الحقيقي الذي وصفنا هو الذي يكون مجتمع الخير في كل مشارفه الثقافية والاقتصادية والاجتماعية، وفي كل معاملاته البشرية .وفي مقاربته للتحولات العميقة التي طرأت علي المجتمعات الانسانية، يعتبر غلاب أن ثقافة القلب والروح تعيش أزمة ربما كانت أخطر من أزمة ثقافة العقل من خلال طغيان الفكر المادي والفلسفة النفعية، وهو ما دفع بالكثيرين الي الانصراف عن الروح والقلب .وينطلق غلاب في مقاربته لإصلاح المجتمع من ضرورة إصلاح الانسان الفرد منذ الطفولة، ويري أن مسؤولية ذلك تعود إلي العائلة والمدرسة والهيئة السياسية والثقافية، علي اعتبار أنه من الفرد ينبثق مجتمع الأحرار والأخيار .فلإعادة تجديد القيم وتجاوز العلاقات الانسانية بين الشباب، التي أصبحت تتسم بالاستلاب وطغيان المصلحة الفردية والأنانية، يؤكد غلاب أن مسؤولية الحياة هي أيضا رسالة تحقيق الكينونة : كينونة المرأة كإنسانة تملك طاقة تتفجر في الآخر ، وكينونة الرجل كإنسان يملك طاقة تنفجر في الأخري .ويسعي غلاب، انطلاقا من مفاهيم فلسفية واجتماعية وإنسانية وبوعي عميق بالانهيارات والانكسارات التي أصبح شباب اليوم فريسة لها، إلي إبراز إيجابية الحياة والتعامل معها بقلب متفتح، حتي فيما يبدو من جانبها المظلم لأن الفكر المتفتح والنظرة الخضراء للحياة والناس يحولان دون سوداوية الانسان في تعامله مع الحياة ، وبالتالي يمنعان كراهية الانسان للحياة، وإن لم يعترف علانية بأنه يكرهها .وفي فهم أسباب الاخفاق العربي وعوامل التخلف، يؤكد غلاب علي تراجع دور وأهمية المعرفة والثقافة في المجتمعات العربية ويقول في هذا الصدد : …ولعل القراءة والثقافة عموما، لا تشملها التنمية (…)، وليست المشكلة في نوعية القراء ولكنها مشكلة الفكر عموما الذي تسوده السطحية، أو هي بصراحة الأمية الفكرية التي تعم البلاد غير القارئة. وهي أخطر مشكلة تمس التنمية (…)، فالقافلة تسير في بلاد يقرأ المتعلمون فيها. أما في البلاد غير القارئة، فأغلب الظن أنها معوقة لا تسير .ويفرد الكاتب حيزا مهما لقضية الحرية ودورها في التقدم المجتمعي فيقول في هذا الصدد إن الحرية تؤدي إلي تنامي الاقتصاد، والانسان لا طاقة له للخلق والابداع بدونها، فإن وجد حرية في العمل سيبدع، وكذلك المؤسسات التي تحد من حرية موظفيها فهي في الحقيقة تحد من اختراعاتهم وإنتاجاتهم . ويخلص إلي أن المعادلة ستبقي قائمة بين فقدان الحرية وفوضي الأمن، ما دامت النظم في الدول الكبري والصغري تضل الطريق، فتصادر الحرية لتحقق الأمن والاستقرار .ويقف عبد الكريم غلاب علي مظاهر الأزمة التي تطال الاقتصاد والبنيات السياسية والثقافية والفكرية والاجتماعية، فيعتبر في مقاربته لثقافة العمل أن الدول الديمقراطية غير متشبثة بالليبرالية المتوحشة، تنظم العلاقات بقوانين العمل ومحاكم العمل، والمفاوضات المستمرة بين عناصر الانتاج : العمال وأرباب العمل والمركزيات النقابية. كما يعتبر أنه لو تمكنت ثقافة العمل من هذه العناصر الثلاثة لتطور الإنتاج وارتفع مستوي الجودة فيه، وساد السلم الاجتماعي ميدان العمل، وكان الإنصاف هو الخلق الذي ينظم العلاقات بين الأطراف الثلاثة .وفي معرض تشخيصه لأزمة العمل السياسي يري غلاب أن من بين أسباب تخلف هذا العمل ارتكازه علي القبلية عوض العلاقات الحزبية الديمقراطية. ويتساءل في هذا الصدد عما إذا كان التنظيم السياسي وأساسه الحزبي يستهدفان تعويض القبيلة بكل سلبياتها، مستنتجا أنه يمكن أن تكون البلاد الغربية التي تطبع حكمها الديمقراطية قد تخلصت من بعض مظاهر القبيلة البدائية (…) ولكن الشعوب النامية التي تفتقد عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية وفكرية ما تزال القبلية فيها تحتل مكانها من التنظيم السياسي، وتتدخل في المسار الديمقراطي للبلاد .فمن خلال هذه الرحلة الفكرية الممتعة يشهرغلاب في وجوهنا حقائق وخلاصات جديرة بالتأمل من أجل إعادة النظر في أحوالنا المجتمعية بضمائر ملتزمة ومسؤولة من خلال رد الاعتبار للأخلاق والالتزام بقضايا الأمة والارتباط العضوي والفعلي، لا الشعاراتي، بمصيرها ومسارها نحو التقدم والرفاهية، وهي أفكار تأخذ ثقلها من تجربة غلاب الطويلة في معاركة الفكر والسياسة ومعانقة القلم وسحر الكلمة، بنفس شبابي يجعلنا ننسي تماما أن من يخاطبنا في هذا الكتاب هو رجل امتد به العمر.لكن إذا عرف السبب بطل العجب كما يقال، فهو يقــــول عن نفسه بأنه يعيش شيخـــــوخة مزدهــــرة، لأنه من الذين يحبون الحياة، ويسعون لتــــكون نابضة بالحيوية والازدهار .0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية