أية مشروعية لسؤال المشاركة السياسية في العالم العربي؟

حجم الخط
0

عبد الحق لبيض

ملفت للانتباه هذا الاهتمام المتزايد، في الآونة الاخيرة في الأدبيات السياسية والفكرية العربية، بموضوع المشاركة السياسية. ومرد ذلك في اعتقادنا إلي تزامن هذه الحمي في المقاربات والنقاشات والدعوة إلي عقد اللقاءات والندوات وورشات العمل حول إشكالية المشاركة السياسية (كان آخر هذه المنتديات الندوة التي نظمها المركز اللبناني للدراسات في بيروت بين 20 و21 من كانون الثاني (يناير) في موضوع: الالزام السياسي العربي: والتي شاركنا فيها بورقة حول: التمكين السياسي للشباب ومعضلة نظام الحكم في المغرب) مع النقاش والجدال السياسيين والفكريين حول المفهوم ذاته في سياق النظم الديمقراطية الغربية. والتزامن هنا ليس صدفة، كما أنه لا يعد طبيعيا نظرا للتفاوت الكبير بين التجربتين السياسيتين العربية والغربية سواء من حيث الممارسة الديمقراطية، أو من حيث تاريخ التجربة السياسية في كلا المجالين. لا شك في أننا نعيش في العالم العربي معضلة كبري فيما يخص التمكين السياسي للمواطن العربي، غير أن هذه المعضلة السياسية لها جذور وأشكال تختلف عن طبيعة أزمة المشاركة السياسية كما هو حاصل اليوم في النظم الديمقراطية الغربية. فإذا كانت أزمة المشاركة السياسية في الغرب الديمقراطي ناتجة عن سيرورة النظم الديمقراطية ووصولها لمرحلة تحول جديدة فرضتها اشتراطات تاريخية واجتماعية نابعة أساسا من قناعة الفرد الذي هو محور الفكر الديمقراطي، فإن الحديث عن المشاركة السياسية يعتبر جزءا من حديث عن منظومة متكاملة الاجزاء والمفاصل، ولا يمكن مقاربة جزء منها دون ربطه بالأجزاء الأخري والملتحمة معه بنيويا ووظيفيا. من هنا، فإن الحديث عن مفهوم المشاركة السياسية لا يستقيم إلا عندما نتناوله من داخل تشكلاته التاريخية، ونقاربه في ضوء مرجعياته النظرية والإجرائية كما أفرزتها النظم الديمقراطية في الغرب. مما يعني أن الحديث عن المشاركة السياسية في العالم العربي يظل ناقص الشرعية ما دام أن هناك عدم تلاؤم نظري ومنهجي ما بين مفهوم المشاركة السياسية في العالم العربي يظل ناقص الشرعية باعتباره إفرازا للمنظومة الديمقراطية وأحد مرتكزاتها الاساسية، إن لم يكن اسماها، وبين هيمنة نظام سياسي شمولي تحكمي وتسلطي في جل الاقطار العربية. وهذا الحكم يمكن تسويغه من خلال قراءة مقارنة بين تشكل السياسي في كل من النظم السياسية العربية والنظم السياسية الغربية، لأن من شأن هذه القراءة أن توضح دلالات مفهوم المشاركة في كل من النظامين وتحدد، بالتالي، الميكانيزمات التي تحرك إرادة المشاركة داخل النسقين السياسيين، وأن ترد، بالتالي علي أصحاب دعاوي الخصوصية الديمقراطية الذين يتجاهلون أن هناك أسسا كبري لمفهوم الديمقراطية، والتي لا يمكن أن نختلف في أنها الأسس الأكثر بديهية، بل ومن المسلمات الاساسية لأي نظام ديمقراطي.

بدأ مفهوم المشاركة السياسية في التشكل منذ بداية القرن التاسع عشر بموازاة تشكل وعي جديد بضرورة مراقبة السلطة السياسية عشية ميلاد ما اصطلح عليه بـ المجال العام Espace public، والذي كان قد أعطي شكلا جديدا لاجتماعية الفرد. وسيعتمد مفهوم المشاركة السياسية كمعيار لتقييم العمل السياسي، من جهة، والحكم علي مشروعية أي نظام سياسي ديمقراطي، من جهة أخري. وهذا بالتحديد ما عبرت عنه كتابات علماء السياسة الرواد في الغرب من أمثال مونتيسكيو وتوكيفيل وجون ستوارت ميل وغيرهم عندما ركزت علي دور المواطن الفاعل في تحديد شكل ومضمون المجال العام. لكن، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت مقاربات أخري، وخصوصا المقاربات الانكلوسكسونية التي كشفت النقاب عن المواطن السلبي الذي لا يملك إرادة المشاركة في تدبير الشأن العام، وليس مطلعا علي أمور السياسة. ومع نهاية السبعينات وبداية الثمانينات دخل مفهوم المشاركة السياسية التقليدية في المجتمعات ما بعد الصناعيةPoste industrielle في مرحلة أزمة إحدي ابرز علاماتها بروز مطالب جديدة وأشكال مشاركة والتزام جديدين تمثلت في هيمنة المطالب الاجتماعية لمرحلة ما بعد السياسية Poste politique، وهو ما يصطلح عليه في علم السياسي الغربي بالعصر الثالث للديمقراطية والمتسم بتحولات في أشكال المشاركة السياسية وظهور أخري جديدة تشكل ملامح جديدة لاجتماعية الفرد.

لن ندخل في مناقشة حيثيات التطور الحاصل في مفهوم المشاركة السياسية في سياقه الغربي، لكننا نكتفي بالتلميح إلي أن ثمة نقاشا ثريا بهذا الخصوص، وان هناك تيارا واسعا من المفـــــكرين والباحثين في مجال السياسة يؤكدون علي أن المطلب الاجتماعي لـ ما بعد السياسي لم يتطور بالشكل الذي يمكـــنه أن يكون كافيا للمواطن. فالأحــــزاب والفاعـــلون السياســـيون، كما يشير إلي ذلك Pascal perrineau، ما يـــزالون بالأســـاس الحاملـــين لأشـــكال الالتزام المؤطــــر للســـياسة العجوز vielle politique، مضــيفا أن أزمة الالتزام السياسي ليست علامة علي موت وشيك للسياسي، بقدر ما هي أزمة تحول للصيغ القديمة للالتزام وبروز أشكال أخري بديلة.

إن تمثل هذا السياق التاريخي الفكري لمفهوم المشاركة السياسية في النظم الديمقراطية الغربية، يدفعنا إلي طرح جملة تساؤلات كالتالي: هل يملك مفهوم المشاركة السياسية أية شرعية للطرح والتداول في سياق أنظمة سياسية عربية غير ديمقراطية، ما دام أن مفهوم المشاركة هو آلية الفعل الديمقراطي؟ وهل نملك في سياقنا السياسي والتاريخي كشعوب تعيش في ظل سيادة أنظمة حديدية شمولية احتكرت السيادة وألغت مساحة المجال العام وألحقته بمجالها الخاص غير المحدد الحدود ما يؤصل لفعل المشاركة باعتباره أحد مرتكزات المجتمعات الديمقراطية؟ ألسنا، عندما نتحدث عن مفهوم المشاركة نستعيد دون وعي منا إشكالات المجتمعات الغربية ونحاول تحيينها وتكييفها مع أوضاعنا السياسية ما قبل الديمقراطية؟ ثم عن أي تحول نتحدث بخصوص مفهوم المشاركة السياسية في وعي وممارسة المواطن وهو الذي ما يزال يؤمن بأن السياسة مجال محرم، وأن الفعل السياسي هو وقف علي أقلية تحتكر المشروعية السياسية وتعتبر أي تدخل فيه بمثابة مساس بـ الأمن العام؟ وإذا كانت التحولات التي مست مفهوم المشاركة السياســــية، في النظــــم الغربية الديمقراطية، نابعة أساسا من الحراك السياسي ومن عـــمق دينامية الممارسة السيــــاسية وحيوية مفـــهوم الديمقراطية المؤسس علي مبدأ التدافع السياسي السلـــمي المحتكم لسيادة الشعب ولخياراته الاستراتيجية، فأي معني للحديث عن تحول في مفهوم المشاركة السياسية العربية في ظل أنظمة سياسية مغلقة وثابتة، تمنع أي تداول سلمي علي السلطة، وتؤسس مشــــروعها الســـياسي علي إقصاء المواطن من المشاركة في تدبير الشأن العام، وفــــرض نفسها كوصي علي الشعوب المفتقرة، في رأيها، الي حس سياسي، والتي تحتاج لمن يرعاها ويرشدها ويلهمها الفكر السديد، فكان أن وجد في قلب كل نظـــــام عربي رجل واحد يمسك بكل خيوط اللعبة السياسية ويديرها بهواه وبقدرته المستمدة من الارادة الإلهية أو من وحي الايديولوجيات المتقعرة أو من تعاليم الكتاب المقدس ذي الألوان الفاقعة؟ تربطنا هذه الاسئلة، وغيرها، بجوهر السؤال الحقيقي الكامن في معضلة النظام السياسي العربي، كما تضفي كثيرا من النسبية علي المطلقات التي يمكن أن تجتاح خطاباتنا حول مفهوم المشاركة السياسية العربية داخل النظم السياسية العربية ما قبل الديمقراطية.

إذا كنا نقر بوجود أزمة حقيقية في مسألة المشاركة السياسية عامة في العالم العربي، فإنها لا تعدو أن تكون أزمة نظام الحكم في البلدان العربية. وأزمة غياب الديمقراطية.

ولنكون دقيقين وبعيدين عن الاطلاقية والتعميم، فإننا سنخصص الحديث عن النموذج المغربي محاولين مناقشة حالة المشاركة السياسية ضمن طبيعة النسق السياسي العام، وبمعني أدق، قراءة أزمة المشاركة السياسية في المغرب في ضوء مقاربة خصائص النظام السياسي، مركزين علي طبيعة النسق السياسي المغربي وعلي الآليات التي يشتغل بها. ومن هذا المنطلق سنحاول إبراز خصوصية المشاركة السياسية منطلقين من مقاربة الاسئلة التالية: ما هو السياسي في المغرب؟ ومن هو المنتج الفاعل للحقل السياسي المغربي؟ ومن هو صانع القرار السياسي فيه؟ وما هي محددات العلاقة بين الحاكم دستوريا، فهل يمكننا الحديث عن مجال محدد نتفق علي أنه مجال تحرك وفعل السلطة السياسية في المغرب.. ؟ فإذا كانت المشاركة السياسية في التعريف الديمقراطي تعني: مجموع الانشطة التي من خلالها، يكون المواطنون مدعوين إلي التواصل مع العالم الخفي للسلطة فإن السؤال عندنا في المغرب: ما هي حدود هذا العالم الخفي للسلطة؟ وما هي أشكال الانشطة التي يستطيع، من خلالها، المواطن المغربي التواصل معها، أو بمعني أدق ما هي المساحة السياسية المخصصة لهذا المواطن لمزاولة مهامه في مواكبة الشأن العام والتعبير عن مواقفه تجاه الحاكمين؟

نعلم أن المثالية الديمقراطية كانت قد قامت علي مبدأ أن السلطة السياسية نابعة من سيادة الشعب، وبالتالي لا وجود لديمقراطية بدون وجود مواطن. وفي تاريخ الفكر السياسي المغربي لا نكاد نعثر علي وجود مفهوم المواطن، وإنما ورود مفهوم تقليدي هو مفهوم الرعية. وهذا المفهوم هو الذي كان وما يزال يحدد مكانة المحكومين تجاه حاكمهم كما يعين لهم واجباتهم تجاه السلطان.

والدلالة العميقة لمفهوم الرعية تكمن في احتواء السلطان لكل الفعل السياسي، وعدم إتاحة المجال لتحرك الرعية التي تظل، كما يعرفها الماوردي، اليتيم الذي يكون دوما في حاجة إلي وصي ليحميه.

وقد ظلت هذه الثقافة التقليدانية تمد مؤسسة السلطان وبعدها مؤسسة الملكية بالقوة والحيوية، كما تجسد واقعية احتكار السلطة من لدن المؤسسة الملكية، وذلك من خلال الارتكاز علي آليات محددة منها البروتوكول السلطاني، غير المؤسس دستوريا، لكنه موروث من التاريخ القديم، ومبدأي البيعة والشفاعة.

والمتأمل في النسق السياسي المغربي يدرك أنه نسق قائم علي أسس تدافع سياسي محدود ومغلق، بحيث يظل الفعل السياسي مراقبا من طرف الفاعل السياسي الأكبر الذي هو الملك، مما يحد من الآثار الإيجابية للحراك السياسي، الذي لا يسمح به بتجاوز حدود معينة، وهو الأمر الذي ينعكس علي شكل وصورة المجال العام الذي يظل لحد الآن مجالا مبهما وغير واضح، ويبرز ذلك بالأساس في العلاقة المتوترة، دوما، بين رغبة المواطنين في امتلاك هذا المجال للتعبير أو للاحتجاج، وبين التدخل العنيف لأجهزة الدولة الأمنية لمنع تحقق هذه الإرادة لاقتناعها بأن المجال العام هو ملك لها وليس للمواطن. هذه الوضعية جعلت المنتج للشرعية السياسية في النظام السياسي ليس هو المواطن، كما تنص علي ذلك الأعراف الديمقراطية، وإنما الملك. وحسب Schnaأية مشروعية لسؤال المشاركة السياسية في العالم العربي؟er فإن المواطن به جزء من السيادة السياسية يختار عبر الانتخابات ممثليه السياسيين بكل حرية ومسؤولية. ويظل هذا المواطن هو مصدر الرابط الاجتماعي. ويضيف شنابير أنه في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة الرابط بين الناس ليس دينيا أو سلاليا، وإنما هو سياسي وهذا الرابط هو المفقود في العلاقة بين الحاكم والمحكوم كما يجسده الدستور المغربي الذي لا يستمد قوته وشرعيته من المشروعية الدستورية، وإنما من مشروعية تعاقدية ممثلة في البيعة ومشروعية تاريخية تصدر عن تجربة قرون، ومشروعية دينية ممثلة في إمارة المؤمنين، وبالتالي فإن دور المواطن هو الامتثال لمبادرة الملك، لأن الملك فوق الدستور وهو من يراقب البرلمان والحكومة وهو لا يخضع للمساءلة ولا للمحاسبة بالرغم من اندماجه الكلي في مباشرة التدبير اليومي لشؤون الامة ورسم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إن وجود رجل قوي في المشهد السياسي المغربي، كما ذهب إلي ذلك الباحث الفرنسي ريمي لوفو يحتكر كل السلطات، ويضفي علي ذاته صفة القداسة الدينية ويرتفع عن المساءلة والحساب، لن يسمح بوجود مبادرة خارج نطاقه. ومن ثم فإن مفهوم المشاركة لن تكون له أية دلالة إذا كانت السيادة ليست نابعة من الشعب، كما في العرف الديمقراطي. وهذه الوضعية الملتبسة هي ما حدت ببعض الأطراف السياسية في الحياة السياسية المغربية إلي رفض اللعبة الانتخابية ومقاطعتها واعتبارها مجرد زيف ديمقراطي. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ محمد بنجلون عشية انتخابات 2002: واعون كل الوعي بأنه لا يمكن إقامة أية ديمقراطية بدون انتخابات شريطة أن تضمن شروط اقامتها بشكل حر ونزيه وأن تكون نتيجة الشعبيتين وأن تكون لها صلاحيات للتشريع ومراقبة الحاكمين علي جميع المستـــــويات ويقــــول عبد الواحد المتوكل عضو قيادي في جماعة العدل والاحسان الاسلامية المحظورة: علي فرض أن الانتخابات كانت نزيهة، فأي سلطة للبرلمان؟ وما هي السلطــــة المخولة للحكومة ولغيرها من المؤسسات. فالهامش الذي تتحرك فيه هذه المؤسسات ضيق جدا ولا يمكنها من تطبيق ما يمكن ان تسطره من برامج ولذلك لا بد لأي طرف إذا ما تحمل المسؤولية أن يجد نفسه يناقض سلوكه ويناقض قوله ويناقض ما وعد به وإذا تمكن وصعد إلي الحكم فسيجد مجالا ضيقا لا يمكنه من العمل. بناء علي هذا التقديم المبستر لطبيعة النظام السياسي المغربي نطرح التساؤل التالي: هل يمكننا الحديث عن مفهوم المشاركة السياسية للمواطن المغربي في ظل نسق سياسي مغلق وهامش المجال العام فيه محدود ومراقب؟ هل لدينا شرعية ديمقراطية يمكن الاحتكام إليها من أجل تحديد العلاقة بين الحاكم والمحــــكوم ضمن مشـــهد سياسي واضح ومفتوح علي رهانات التدافع السياسي السلمي الذي يكون فيه الاحتكام إلي سيادة الشعب والي إرادة الامة بدلا من الارتهان إلي التراث والتاريخ لترسيخ الشرعية السياسية؟ قد يكون المغرب بحكم نظامه السياسي المرن وبفضل نضالية قواه الديمقراطية قد حقق بعض المكتسبات في مجال بناء نظام ديمقراطي حداثي، غير أن كل هذه المكتسبات قد تظل محدودة الأثر إذا لم تعزز بإصلاح دستوري حقيقي يعيد تحديد صلاحيات المساهمين في تأثيث المشهد السياسي وسن مبدأ فصل السلطات، وإطلاق الحريات العامة وذلك بإعادة هيكلة المجال العام وترسيم واضح لمساحات المجال الخاص، الذي هو من اختصاص المؤسسة الملكية. لذا، وجب علينا تأجيل الحديث عن المشاركة السياسية وعن أزماتها ومنطق تحولاتها إلي حين إحداث إصلاح دستوري حقيقي، وإضفاء المشروعية الديمقراطية علي كل ممارساتنا السياسية والتي ضمنها تحقق المواطنة السياسية.

ہ مدير المركز المغربي لحوار الثقافات8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية