وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (الاخيرة)

حجم الخط
0

وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (الاخيرة)

هناء العمري.. قرأت برقية عبد الناصر التي هنأ فيها عارف بالرئاسة وظلت تعيدها لأكثر من 25 مرةرفضت تحويل الإذاعة من أبو غريب الي الصالحية ولم يكن لدينا غيرها لنخاطب الشعب مع طائرات الحبانية وما آفة الأخبار إلا رواتها من أوراق حازم جواد: حركة 8 شباط المغدورة بين الحقائق والتشويه (الاخيرة)بعد اكثر من اربعين سنة علي وقوع حركة شباط المعروفة في التاريخ العراقي (1963) قرر حازم جواد قائد هذه الحركة وأحد الرموز المهمة فيها العودة اليها، ووضع النقاط علي الحروف. ويقدم جواد عرضا تاريخيا للاحداث وتقييما للشخصيات التي لعبت في هذه الحركة والظروف العراقية والاقليمية. وهي شهادة مهمة لانها تصدر عن واحد من اهم صناع هذه الحركة. وفي هذه الحلقة ينهي جواد مذكراته بالعودة مرة اخري لدور علي صالح السعدي في ثورة شباط، ويرد في تعليقات ختامية علي بعض النقاط ويوضح عددا من المسائل التي لا تزال مثارا للسؤال والجدل. القدس العربي لماذا غاب السعدي وما هو دوره؟إن ما قاله المرحوم علي السعدي لا يحتاج الي دحضٍ أو تفنيد فلم يكن هناك صدام أو خلاف أو جدل لا في 11 شباط (فبراير) ولا بعده بين السعدي وعارف ولم تجتمع القيادة في بيت حازم جواد بعد ذلك علي الإطلاق وكل ما قيل أعلاه كان من نسج الخيال لتبرير الجريمة الكبري بإسقاط حكم الحزب. لم يفسر لنا نعمة فارس معني تغيّب السيد السعدي في مثل هذه الساعات الحرجة التي تلزم أي قائد أو أي حزبي منتظم بالتواجد في مكان الحدث وعلي رأسه، خاصة وأن السعدي احتل موقع امين السر القطري في مخيلة نعمة فارس، او المسؤول الاول في الحزب. والعذر الوحيد لغياب هذا المسؤول الاول نقله الملازم فارس عن لسان حازم جواد ايضاً، فيقول سألت حازم جواد عن السعدي فقال انه ذهب الي منزله ليتفقد عائلته . واعتبر نعمة ان هذا المبرر كافٍ لاقناعه باسباب غياب السيد السعدي. ويتساءل المرء، كيف يرتضي انسان قبول مثل هذا العذر لغياب القائد او المسؤول الاول عن مهماته وادواره في لحظة هي من احرج اللحظات في تاريخ الحزب والبلد، خاصةً وان معركة الدفاع ما زالت مستمرة، وقاسم لم يستسلم بعد؟ يتحمل الجواب احتمالين: هما اما ان يكون السعدي مدركاً ان وجوده وغيابه سوف لن يغير من مسيرة الحركة ومجرياتها. او انه كان واثقاً من رفاقه، وانهم سيلتزمون بما هو متفق عليه. ولنضع الاحتمال الاول جانباً ونناقش الثاني. نحن هنا امام حركة سياسية يقودها حزب وليس مجرد مغامرة لمجموعة من العسكريين الطامحين بالمنفعة الشخصية التي يمكن ان تعود عليهم من هذه الحركة، ولا ادري لماذا لم يستعمل السيد السعدي صلاحياته الحزبية لوقف هذه الردة المضادة لحازم جواد. وكل القادة العسكريين المشرفين علي التنفيذ هم من الرفاق الحزبيين الذين لن يترددوا في الخضوع والطاعة لقائدهم الحزبي، وهناك اثنان منهم علي الاقل، العقيد ذياب العلكاوي المسؤول عن حماية الاذاعة، والمتواجدين بكامل استعداداتها القتالية اضافة لأحمد حسن البكر والعقيد عبد الستار عبد اللطيف في غرفة القيادة في الإذاعة. واذا افترضنا أن هؤلاء القادة يمكن ان يترددوا في الاستجابة لمسؤولهم او قائدهم الحزبي، الا يكفي وجود الملازم نعمة فارس وبندقيته الكلاشنكوف معه؟ الملازم فارس كما يدعي في مقالتيه، استطاع ان يطرد او يخرج مئات الضباط من دار الاذاعة وبمفرده، الا يكفي ان يستعمل قوته هذه للسيطرة علي غرفة القيادة وقد انفرد بها بعزلها عن بقية انصارها ومؤيديها من الضباط الذين لم يكتف الملازم فارس، وخياله الغريب العجيب، بطردهم من دار الاذاعة فقط، بل ابعدهم عن جميع المنطقة المحيطة بدار الاذاعة كما يذكر السيد نعمة ذلك بدون حرج، ثم ان الملازم فارس وبعد أن الغي دور جميع الضباط ليضع نفسه علي رأس قيادة القوات الموجودة لحماية الاذاعة، الا تكفي هذه القوات لمنع مثل هذا الانحراف او المؤامرة المضادة التي قادها حازم جواد ضد الحزب؟ بالعودة لمعرفة دور السيد علي صالح السعدي، هو دور ليس فيه ما يمكن ان يحسب له، فكما قولني السيد نعمة لتحديد دور السعدي الجالس في منزله في اشد اللحظات حراجة. وهذا الاستنتاج أو القول الذي نسبه لي يعني أن السيد نعمة فارس، نفسه جرد السيد السعدي من أي دور سيما دور القائد. تكليف جميل البياتي بالسيطرة علي دائرة الأمن العام وإطلاق سراح السعديوالحقيقة هي أنه وعندما وصلتُ برفقة بقية قيادة الحركة الي دار الاذاعة في الصالحية بعد ظهر يوم 8 شباط (فبراير)، كلفت العقيد جميل البياتي بقيادة ثلاث ناقلات جنود مدرعة، والتوجه الي منطقة السعدون للسيطرة علي مديرية الامن العامة، لاطلاق سراح السيد السعدي وأي معتقل آخر، وجلبهما الي دار الاذاعة في الصالحية. لم يكن اختيار العقيد جميل، مسألة اعتباطية، بل لان العقيد جميل البياتي، سبق له أن خدم في مديرية الامن العامة، كمدير لأمن منطقة بغداد بعد 14 تموز 1958، ما يجعله اكثر من غيره خبرة بطبيعة البناية ومعرفتها من الداخل، ومع هذا فقد نجح العقيد جميل في السيطرة علي المديرية بشكل سلمي بفضل معرفته بمدير الامن العام في حينها المرحوم مجيد جليل وبعث لي بالمعتقلين بإحدي ناقلات جنده المدرعة عصر ذلك اليوم. 3: ان ما يفضح حجم الاختلاق والتحريف في رواية الملازم نعمة، هو ادعاؤه بانه سلم البيان الخاص بتعيين عارف بعد ضغط مني الي المذيع قاسم السعدي، مع العلم وكما سبق ان ذكرت بقيت مهمة قراءة البيانات، وبرقيات التأييد، والنداءات الثورية ، منوطة بالرفاق البعثيين الذين نسبوا لهذا العمل. ولم يشارك في ذلك اي من المذيعين المهنيين الرسميين، مثل قاسم نعمان السعدي وغيره حتي منتصف نهار 10 شباط (فبراير)، بعدما انتقلت القيادة الي مقرها الرسمي الجديد . وتولّت السيدة هناء العمري قراءة برقية التهنئة التي ارسلها عبد الناصر لتهنئة عبد السلام عارف بمناسبة تعيينه رئيساً للجمهورية العراقية. والتي ظلت السيدة هناء تكرر قراءتها طيلة تلك الليلة وصباح اليوم التالي، ولاكثر من 25 مرة. وما زلت احتفظ بشرائط تسجيل للبيانات التي تم اذاعتها خلال الايام الثلاثة الاولي من عمر الحركة. لماذا رفضت تحويل الإذاعةمن أبو غريب الي الصالحية؟لقد قاومت إغراءات تحويل إذاعة البيانات من محطة أبي غريب الي محطة الصالحية علي الرغم من المكاسب الفنية والدعائية الجيدة لهذا التحويل مثل وضوح الصوت والإرسال وقوته واحتراف المذيعين. حاول العقيد ذياب العلكاوي, الذي أمطرني بتلفونات عدة حالما سيطر علي إذاعة الصالحية، إقناعي بأنه من الأفضل بدء البث منها ووقفه من أبي غريب لكنني كنت قاطعاً بمنعه من البدء بهذا التحويل الذي لم يستطع إدراك مغزاه في تلك الساعات العصيبة، وكان واقعاً تحت ضغط المذيعين والفنيين المحترفين وبعض الضباط. وعندما هاتفني للمرة الأخيرة طلبت منه إطلاق النار فوراً علي من يحاول إذاعة كلمة واحدة من الصالحية وعليه انتظاري والقيادة معي لحين وصولنا الي هناك. ظلّ موقفي هذا غامضاً للعقيد ولم يجد له جواباً شافياً إلاّ في الثمانينات بعد حوالي ربع قرن علي أحداث ذلك اليوم وكان حينها سفيراً للعراق في برلين وكنت ضيفاً عليه، فسألني عن سرّ رفضي وعنادي لنداءاته المتواصلة. وكان جوابي أن تقدير موقفي حينها في تلك الساعات العصيبة ومظاهرات الشيوعيين في الشوارع وقواتنا لم تستكمل بعد وصولها الي أهدافها المقررة فإن إذاعة أبي غريب وطائرات الحبانية، هي كل ما عند الحركة من أسلحة لمخاطبة الشعب والقوات المسلحة والعالم الخارجي وإرباك وتشتيت قاسم وأنصاره. وتحويل الاذاعة من مقر القيادة الي الصالحية التي تبعد بحدود ثلاثين كيلو متراً لا يضمن لنا عدم استردادها من قبل قوات قاسم بل من الذي يضمن عدم إطلاق الرصاص علي العلكاوي نفسه من قبل أحد المندسين وما أكثرهم في ذلك اليوم العصيب، وعندها لربما يحدث ما جري لحركة المرحوم الشواف وتوقف إذاعته والتي كانت أحد أسباب انهيار الحركة وما أعقبها من تداعيات؟ عندها أثني الرفيق العلكاوي علي موقفي وسرعة خاطري وحسن تقديري للموقف الذي بقي عصيّاً عليه إدراكه في ذلك اليوم المجيد. والمفارقة الغريبة هنا ان السيد نعمة فارس وبعض رفاقه من ضباط الدروع هم من احضر لي الشريط الذي يتضمن البيانات الاولي مسجلة بصوتي، ليقدموها كهدية عندما زاروني بعد عدة ايام في مقر عملي في المجلس الوطني لقيادة الثورة في بناية مجلس السيادة للتهنئة بنجاح الثورة. وكان قد تولي تسجيل هذه البيانات الضابط البعثي السيد قاسم الجعفري، الذي بادر بشكل شخصي لاحضار جهاز تسجيل معه للكتيبة الرابعة ليسجل البيانات الاولي. واعتزازا بهدية الضباط هذه، ولم يكن معي ما اهديه غير ولاعة غازية من نوع رونسن وقلم حبر باركر ، قدمتهما لهم مازحاً ليس لدي غيرها ما يمكن ان اقدمه اعتزازاً بهم وببطولاتهم، فتقاسموها بينكم ولا زلت محتفظاً بذلك الشريط الي يومنا هذا ومسحت اسماء الموقعين عليه احتراساً وحرصاً عليهم. وللامعان في التضليل، ونفي مساهمة عارف بالحركة، صوره بانه جاء طارئاً علي الحركة احضره للاذاعة المهندس عدنان القصاب. ولم يكن يعرف علي ما يبدو ان المناضل البعثي عدنان القصاب، هو عضو قيادة بغداد، وأنه كان مكلفا من قبلي بالذهاب الي دار عبد السلام في الاعظمية وإحضاره الي مرسلات الإذاعة في ابي غريب، حالما يستمع للبيان الاول للثورة. قمت بتكليفه بذلك الواجب، في آخر اجتماع لقيادة فرع بغداد ليلة الحركة، والذي جري في منزل السيد عدنان نفسه لمراجعة تفاصيل المهمات الاساسية والنهائية للجهاز المدني المطلوب تنفيذها، وتكليف قيادة بغداد بتولي مهام القيادة القطرية في حالة فشل الحركة وكنت قد كلفت السيد القصاب يوم الأربعاء السادس من شباط (فبراير) بالذهاب الي كركوك وإبلاغ حردان التكريتي بموعد الثامن من شباط وواجباته المطلوبة، وكانت كلمة السر مع حردان حازم يسلّم وهي نفسها عند الاتصال بعارف. وصل السيد عبد السلام عارف الي محطة اذاعة ابو غريب، وكنت اقف امام البناية مع العقيد عبد الستار عبد اللطيف وضباط التعرّض المتقدم في مدخل معسكر أبو غريب ومرسلات الإذاعة، فاستقبل عارف بالترحيب والتصفيق من قبل الضباط، الذين كان بعض منهم ممن عمل بامرته وشاركه بالتنفيذ في ثورة 14 تموز (يوليو). كان من بينهم محمد المهداوي، جميل البياتي، عزيز شهاب، سعد وهيب، وليد سيرت، مجيد محمد، وعبد الله مجيد، والاخيران كانا من مرافقيه عندما كان يشغل منصب نائب القائد العام للقوات المسلحة اضافةً لمناصبه الاخري بعد ثورة 14 تموز (يوليو)، وتوليا مرافقته بعد تعيينه رئيساً للجمهورية في 8 شباط (فبراير) 1963. ان جميع الروايات والقصص الواردة في المقالتين، هما من الضعف بحيث لا تتحملان الثبات امام اي محاججة عقلية موضوعية، لا تختلف في ضعف روايتها وحبكتها عن قصة تعيين عبد السلام. كقصة وساطة يونس الطائي لدي قيادة الثورة، والتي كانت ربما لارضاء او اشباع حاجات نفسية لاشعورية تدفعه لهذا الاختلاق، بحيث يصبح أي حدث يجب ان يمر من خلاله والا فهو غير صحيح (ألم يدّعِ أنه شارك في التخطيط والتنفيذ..؟) والقصة السخيفة المضحكة عن استقباله والسيد السعدي لعبد الكريم قاسم عند حضوره لدار الإذاعة وبدلة قاسم المكوية حديثا وكأنه أراد بذلك اخفاء أو التغطية علي شيء ما فعله ويريد الان انكاره والتبرؤ منه. ولم يفكر السيد نعمة فارس ان يدقق في رواياته ويعود لبعض المصادر للتأكد من تفاصيلها، وهو كان قد شغل منصب آمر اكاديمية البكر العسكرية ، وما يعنيه هذا من المام ومعرفة باصول البحث العلمي، والطرق العلمية لتحليل المحتوي. أجهزة اللاسلكي في مخيلة فارسفهو يركب قصصه ويربطها دائما بالاجهزة اللاسلكية، كقصة طلب البكر منه القدوم للاذاعة لتولي مسؤولية حمايتها، واتصالات البكر ببقية الضباط باللاسلكي ايضا الذي لا وجود له علي الإطلاق بدار الإذاعة. يبدو ان جهاز اللاسلكي يشكل عنده هاجسا غريبا، فهو موجود دائماً في مخيلته، حتي انه اختلق قصة غريبة تعتمد علي اللاسلكي ايضا، ويذكر فيها ان عبد الكريم قاسم اذاع نداءين او رسالتين لانصاره مستخدماً جهازاً لاسلكياً من نوع RT9، بما يوحي انه كان الي جانب عبد الكريم قاسم بنفس وقت وجوده في دبابته في باب وزارة الدفاع في صف الثوار يقاتل أنصار قاسم ، لذلك لم يسمع احداً، ولم تلتقط اجهزة الاستقبال والراديو هذه البيانات غير اذني الملازم نعمة فارس فقط، الذي لولا معرفتي بصنفه كضابط درع، لقلت انه كان ضابط مخابرة أو مخابرات، يعشق صنفه الي حد الهوس. لان قصة هذه البيانات معروفة للجميع من قادة الحركة او من تابعوا اخبارها، وهي ان عبد الكريم قاسم سجل وهو محاصر في وزارة الدفاع خطابين علي شريط واحد، يدعو فيها انصاره ومؤيديه للخروج للشارع ومقاومة الحركة وسحقها (أو عملاء الاستعمار كما وصفهم، وهو يعرف جيداً أن جميعهم من الابطال الذين ساهموا بفعالية في تنفيذ ثورة 14 تموز ـ يوليو)، واعطاها لمرافقه سعيد الدوري عسي ان يتمكن من اذاعتها. قام الضابط الدوري بتسليم الشريط الي قوات الثورة في باب وزارة الدفاع ولم يبذل اي جهد لاذاعتها لعدم وجود اذاعة، لذلك لم يسمعها الا الملازم فارس وحده من دون كل العراقيين .!؟ السقوط والختام: لكل هذه التفاصيل المشوشة بل والمشوهة لقدسية الحركة التي لا انفي، واشعر بالأسي ايضاً، ان واحدا من ابنائها يأتي لتشويهها لأهداف لا شك انها لا ترقي لنبالة اهداف ثورة 8 شباط (فبراير) 1963. كنت مترددا في البدء عن كتابة هذا الرد، رغم اني ادرك لعبة السيد نعمة فارس الذكية باستخدام مثل هذه التفاصيل الصغيرة ليوحي للقارئ، بأنه مطلع علي أبسط التفاصيل ودقيق في سردها ليمرر بذلك تخرصاته الكبيرة التي تقف دافعا وراء هكذا كتابة. رغم انني واثق من ان القارئ الذكي المطلع يمكن ان يكتشف طبيعة هذا التشويه بنفسه. كما الح علي بعض الرفاق والاصدقاء بعدم اعطاء قيمة لما كتبه نعمة فارس، فهو لا يستحق أن يرد عليه، خاصة ان بعض تفاصيل احداث الحركة نشرت في جريدة الحياة قبل عامين تحت عنوان حازم جواد… يتذكر . الا ان ما غيّرَ رأيي، وكما ذكرت في المقدمة، هو ما اطلعت عليه من تعليق وافٍ للكاتب العراقي الدكتور موسي الحسيني، الذي لم أتشرف بمعرفته سابقاً، الا من خلال متابعاتي له من خلال التلفزيون، ومثابرته علي التعليق والتحليل الواعي حول الاحداث العامة والمتسارعة في العراق منذ احتلاله الغاشم من قبل قوي العدوان الامريكي ـ البريطاني ـ الصهيوني، فعز علي ان ينبري هذا الضابط القومي لتفنيد مقالتي نعمة فارس، مستندا علي المراجع وشهادات المشاركين في صنع الحدث، كباحث علمي ومؤرخ منصف فكأنه كان في قلب الحدث، مع انه لم يكن كذلك، بعد ان علمت انه التحق بالكلية العسكرية بعد اكثر من اربع سنوات من ثورة شباط (فبراير) 1963، في حين يلوذ بالصمت الكثيرون ممن عاشوا او تعيشوا عقوداً من الزمن علي ذلك الحدث التاريخي في العراق او سورية، وكأن الامر لا يعنيهم، رغم ان ذاكرة الجميع حبلي بوقائع تلك الاحداث وشخوصها، والتي يمكن ان يكتبوها دون تزويق او وجل وخوف. لذلك قررت كتابة هذا الرد والتعليق، مع انه لم يدر بخلدي يوما ان اتواجه مع احد رفاقي السابقين علي صفحات جريدة القدس العربي الغراء الصادرة في لندن، وبعد اكثر من اربعين عاماً علي تلك الملحمة الرائعة، التي ستظل تمثل صفحة مشرقة من صفحات التاريخ العربي والعراقي، نحن أحوج ما نكون فيه في عصر الهزائم والتراجعات، ان نستجلي تفاصيلها وذكراها، ونبسطها امام انظار اجيالنا المعاصرة والقادمة لتستمد منها العزائم والدروس لمواجهة الهجمة العدوانية الشرسة علي امتنا وتاريخها وهويتها. كنت اتمني لو انه التزم بما طرحه في مقدمة مقالتيه من عزم علي تصحيح ما ورد من تشويهات طالت كل ما هو مشرق ومشــرف من صفحات هذه الحركة. من فمك ادينكوأختم تعقيباتي هذه علي شهادة الزور التي قدمها السيد فارس نعمة في مقالتيه موضوعي البحث، ليضيف تشويها جديداً، يضاف الي ما ذكره هو من تشوهات مقصودة ومتعمدة يحاول البعض من خلالها الاساءة لحركة 8 شباط المجيدة، كل له اسبابه علي ما يبدو. اقول تزويرا ، بدون تردد أو حرج، وإن لم يكن هناك ما يدعم اتهامي هذا سوي شهادة السيد نعمة فارس عن دوره في يوم 8 شباط (فبراير)، التي قدمها للكاتب علي خيون في كتابه دبابات رمضان ، كدليل، فهي شهادة كافية لادانة السيد نعمة، وقديماً قالت العرب عن مثل هذه الادلة: من فمك ادينك . لا يستطيع السيد نعمة التبرؤ من شهادته تلك، لانها كتبت في وقت كان فيه احد اعمدة السلطة في قيادة الجيش، أي انه يمتلك القوة للاعتراض علي الكاتب علي خيون، لو كان قوله بقول لم يقله. أو الرد عليه كتابة علي الاقل. وكان السيد فارس قد جند كل ما لديه من امكانات للتزييف وشهادة الزور ليبرّز (الملازم في حينها، التلميذ في مدرسة الدروع)، عدنان طلفاح كبطل اساسي من ابطال 8 شباط (فبراير) الذي لولاه لما تمكن الحزب من تنفيذ الحركة والانتصار بها. ومن يزوّر مرة، لا اعتقد أنه يتحرج في المشي علي طريق التزوير مرات عديدة. ويبدو أن انحدار السيد نعمة وانحرافه عن اخلاقيات حزب البعث ومبادئه بدأ منذ ذلك الوقت، ما جعله مهيأ سيكولوجياً للسير في طريق الانحراف، والقبول بدور المستشار (الذي لا يعني في الحقيقة الا وظيفة مخبر يقدم المعلومات عن بلاده وجيشها للاعداء، مقابل ثمن بخس)، في دوائر البنتاغون التي كانت تتهيأ لاحتلال بلاده. مع كل هذه الحقائق فإن ما يثير دهشتي وحيرتي، وعجزي عن فهم وادراك معني هذه الحمية والشهامة التي نزلت فجأة علي السيد نعمة فارس تجاه المرحوم الأستاذ علي صالح السعدي. يمكن أن افهم لماذا يزوّر السيد نعمة التاريخ والوقائع ليخصص دوراً قيادياً مميزا لعدنان طلفاح، ويمكن ان افهم ايضا لماذا ينهار امثال هؤلاء الناس امام صورة الدولار ويتحول الي مخبر للاعداء ضد بلاده وشرفه العسكري، بل حتي النظام الذي عاش بدلال مطلق في ظله. أما هذه الحمية المفتعلة علي السيد السعدي، المفاجئة كالحمّي التي تضرب الانسان فجأة فلااستطيع فهمها. ولماذا الان فقط، بعد مرور اكثر من اربعين عاما علي الحدث، واكثر من ربع قرن علي وفاة المرحوم علي صالح السعدي، ويعطيه الان فقط هذا الدور المميز في احداث 8 ، 9 شباط (فبراير) مع انه يقول في مقالته الاولي انه لم يرَ السيد السعدي الا في الساعة العاشرة مساء، وانه عرف من حازم جواد ان السعدي ذهب بعد اطلاق سراحه الي منزله لتفقد اهله والاطمئنان عليهم. ربما يعتقد بعض القراء، ان مصدرها علاقة حميمية بين السيد نعمة والسعدي، مثلها مثل العلاقة او المعرفة المختلقة مع البكر يوم 8 شباط (فبراير). الا أنني متأكد أن تلك العلاقة لا تتجاوز علاقة الرفيق الحزبي برئيس خليته الذي لم يلتق به غير مرتين او ثلاث مرات فقط خلال الشهرين السابقين علي 8 شباط (فبراير) 1963. ثم اذا افترضنا انها حمية وشهامة صديق حميم، فاين كانت نائمة طيلة هذه السنين التي تجاوزت الاربعين عاماً، اين كانت مثلا عندما قدم شهادته للكاتب علي خيون، وهي شهادتان وليست واحدة. قدم الاولي لكتاب علي خيون الاول دبابات رمضان عام 1988، وقدم الثانية لنفس الكاتب في كتابه الثاني بعنوان ثورة 8 شباط 1963 في العراق عام 1990. أي انه سكت أو اخفي هذه الحمية لمدة اكثر من 34 سنة وهو ينعم بامتيازات خاطفي حزب البعث الثنائي البكر ـ صدام. وكان له متسع من الوقت والسلطة والحرية للمساهمة في عشرات الكتب والندوات والابحاث ليصحح هذا الاهمال المفتعل لدور علي صالح السعدي في يومي 8 و 9 شباط (فبراير)، كما يعتقد سيادة الفريق الركن السابق. لا تتوقف التساؤلات في ذهن المطلع علي مجريات الاحداث وهو يقرأ مقالتي نعمة فارس. فأين كان عندما كان صدام حسين في بداية الثمانينات يستهزيء بابطال 8 شباط (فبراير)، ويسميهم الزعران ، ويتباهي بطردهم من الحزب في بيان كتبه بيده عام 1964، ولم يأخذ منه الامر اكثر من خمس دقائق؟ واعتقد لو ان صدام كان يشك مجرد شك او يعرف ان السيد نعمة يكنّ أي التزام بمبادئ ثورة 8 شباط (فبراير) او اية مودة للسيد السعدي، أو غيرة عليه، لما ابقي عليه في الخدمة علي الاقل ولا اقول في الحياة، كما حصل للكثير من رفاقه. لكن السؤال الملح يظل دائما يبحث عن اجابة، هو معني هذه الحمية المفاجئة للسيد نعمة فارس علي المرحوم السعدي. تلك الحمية التي لا تتماشي مع مواقفه المعلنة والمعروفة من قبل الجميع. والا فأين كان السيد نعمة فارس عندما زج النظام بأرملة السيد علي صالح السعدي في سجن ….. ثم ما الذي منعه من تفقّد أولاد السيد السعدي، يوماً، وقت محنة امهم؟ بنفس الالحاح يتساءل الانسان لماذا لم يحرك ساكناً او يتحرك السيد نعمة ولو همساً وهو يري رفاقه الذين شاركوا بصنع حركة 8 شباط يخرّون صرعي أو مرضي في أقبية تعذيب نظام البكر ـ صدام الواحد بعد الاخر في عمليات التطهير المبكرة في صيف 1971، والتي تتنافي مع كل المعايير الخلقية، والالتزامات الحزبية وكان اولهم الشهيد الذي قاد السيد نعمة ورفاقه نحو ثكنة وزارة الدفاع العقيد المرحوم عبد الكريم مصطفي نصرت بعملية خسيسة وجبانة و دنيئة. بل إن القحة بلغت بالسيد نعمة أنه لم يأت علي ذكره إطلاقاً في (روايته) المنشورة.وكذلك الحملة الوحشية المسعورة التي طالت كلا من الرفاق المجاهدين: محمد علي سعيد، محمد المهداوي، حامد جواد، فاضل جاسم العاني، جميل البياتي وعدنان محمد نوري، وداود عبد الجبار وكثيرون من رفاقه الاخرين الذين قضوا الواحد بعد الآخر. وعملية التطهير الثانية التي جرت في 1979 التي ضمت الكثير من رفاقه التي شملت عدداً اخر من منفذي 8 شباط (فبراير)، وزملاء السيد نعمة فارس مثل الشهداء رياض قدو، زهير قاسم شكري، ووليد محمود سيرت، محمد صبري الحديثي بالاضافة للآخرين الذين عانوا الويل من سجون وقمع النظام السابق مثل سليم شاكر الامامي، حامد الدليمي وغيرهم. كنا نتمني من السيد نعمة فارس أن يقدم خدمة أفضل لشعبه وللتاريخ عامة بتقديمه للدراسات العلمية عن حرب الكويت، او الحرب العراقية ـ الايرانية، وهو من معاصريها ويفترض أنه يمتلك الخبرة الاستراتيجية التي تمكنه من ذلك لا أن ينغمس بتقليب الدفاتر القديمة التي هي منه ومن أمثاله براء. ومهما نبش فيها وقلب في صفحاتها فلن يجد لنفسه موقعاً أو مكاناً فيها. ربّـنا لا تُـزِغ قُـلُوبَـنا بـعدَ إذ هَـدَيـتَـنا وهَـبْ لنـا مـن لَـدُنـكَ رحمـةً إنّـكَ أنـت الوهـاب صدق الله العظيم. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية