تعديلات سيئة للنظام الدستوري الفلسطيني

حجم الخط
0

تعديلات سيئة للنظام الدستوري الفلسطيني

د. أنيس مصطفي القاسمتعديلات سيئة للنظام الدستوري الفلسطيني في آخر يوم من أيام المجلس التشريعي الفلسطيني المنتهية ولايته، وبعد أن كانت قد جرت انتخابات نيابية وأُعلنت نتائجها، أقر المجلس علي عجل تعديلا خاصا بتعيين قضاة المحكمة الدستورية. وقد أثار هذا التعديل العديد من التساؤلات والقلق حول مسيرة الدستورية الفلسطينية. ومصدر التساؤلات والقلق هو أن هذا التعديل يسير في اتجاه تعزيز السلطة الرئاسية الانفرادية وتَحَكُّمِها في سلطةٍ قضائيةٍ، هي المحكمة الدستورية العليا، التي يُفْتَرَضُ فيها أن تكون الحصن المنيع ضد الاعتداء علي الدستور من أية جهة كانت، مع العلم بأن السلطة الرئاسية والسلطة التنفيذية في اية دولة هما في معظم الأحيان مصدر هذا الاعتداء. هذا فضلا عن أن هذا التعديل ينتقص من اختصاصات المجلس التشريعي، علي خلاف المتوقع من المجالس النيابية، ويزيد من سلطة الرئيس، ايضا علي خلاف المطلوب وخلاف ما نهجه المجلس في الماضي من حرصٍ علي تقليص سلطات الرئيس تفاديا للانفراد بالسلطة، كما أن هذا التعديل يمس مبدأ اساسيا وهو عدم اخضاع القضاء للسلطة التنفيذية والحرص علي استقلاله، كما أنه لم يَجد جديدٌ، في ظاهر الأمور، يبرره ويقتضي هذه الهرولة لادخاله. تُري لو أن فتح هي التي فازت بالأغلبية أكان المجلس سيقدم علي هذا التعديل؟ أم انه كان مناورة علي المجلس الجديد بعد أن ظهر أن حماس لا تمتلك ثلثي الأصوات وبالتالي فانها ستكون عاجزة عن الغائه اذا فكرت في ذلك؟ هذه أسئلة مشروعة يثيرها التعديل والأسلوب الذي تم به وتوقيته.والتعديل الذي نتحدث عنه يتعلق بالمحكمة الدستورية العليا، فقد قضي النظام الفلسطيني الذي أقره المجلس التشريعي نفسه، وناضل من أجله، بأن يكون تعيين قضاة المحكمة الدستورية بترشيح من الرئيس وتزكية من مجلس القضاء الأعلي وموافقة المجلس التشريعي. أي أن السلطتين التنفيذية والتشريعية تشتركان في اتخاذ القرار، ولا تنفرد واحدة منهما بالامر، ضمانا لعدم تحكم احداهما في هذا التعيين، فلا الرئيس يستغل موقعه ولا المجلس التشريعي يستغل أغلبيته، وانما يأتي التعيين بالاتفاق حرصا علي أن تكون هذه الهيئة الهامة قد نالت ثقة الجميع. صحيح أن تشريعات بعض الدول العربية تجعل سلطة التعيين في يد الرئيس وحده، غير أن المجلس التشريعي رفض مجاراة هذه التشريعات العربية عندما أقر النص الأصلي القاضي بالاتفاق. وكان هناك صراع بين الرئيس، الذي كان يريد الانفراد بسلطة التعيين، والمجلس التشريعي، الذي كان رافضا لذلك. فما هي الاعتبارات الموضوعية المتعلقة بالمصلحة العليا التي اقتضت انقلاب المجلس التشريعي علي نفسه، هذا المجلس الذي قاوم بعناد يُسَجلُ له رغبة الرئاسة في توسيع صلاحياتها علي حساب المجلس التشريعي؟الشيء الوحيد الذي حدث هو أن الانتخابات النزيهة جاءت بأغلبية جديدة، أغلبية حماس بدلا من أغلبية فتح، مع بقاء الرئاسة من حزب فتح، وطموحات هذا الحزب المشروعة للعودة للسلطة. فاذا كان هذا هو السبب، فهل هو من الأهمية الموضوعية التي تبرر الخروج عن مبدأ سليم الي نظام يجعل الرئيس يتحكم في السلطة القضائية العليا في النواحي الدستورية التي قد يكون الرئيس طرفا فيها؟ هل هذا هو التوجه السليم؟ من المؤكد أنه ليس كذلك، وأن التعديل، نكسة تراجعية في النظام الدستوري الفلسطيني، هذا علي فرض دستوريته، وهي دستورية مشكوك فيها علي الأقل.وبعد أيام من اقرار هذا التعديل، في الرابع عشر من شباط (فبراير) 2006، خرجت جريدة نيويورك تايمز الامريكية بخبر مفاده أن امريكا واسرائيل قد وضعتا مخططا لاسقاط وافشال حكومة تقودها حماس بحيث تظهر أمام الشعب بأنها عاجزة عن ادارة شؤونه، فتنشأ أزمة حكومية يتولي الرئيس الخروج منها، في رأي الصحيفة، بحل المجلس التشريعي واجراء انتخابات جديدة تتوقعان أن تفوز فيها فتح. وقد نفت الحكومة الامريكية وجود هذا المخطط، ولكن من يصدق نفيا يأتي علي لسان ناطق رسمي أمريكي بعد كل الذي شاهده العالم؟ والعقبة التي تقف في وجه هذا المخطط هو اخراجه من الناحية القانونية. ذلك أن النظام الدستوري الفلسطيني لا يخول الرئيس سلطة حل المجلس، وكان هناك حديث، بعد اعلان نتائج الانتخابات، حول تعديل القانون الاساسي (الدستور المؤقت) بحيث يُعطَي الرئيس هذه السلطة، وتَوَقَّعَ البعضُ أن يُقْدِمَ الرئيس علي هذه الخطوة مستفيدا من أغلبية فتح في المجلس التشريعي، بل ووقف بعض أعضاء المجلس التشريعي المنحل يُرَوِّجُ علي شاشات الفضائيات لادعاء خاطئ مفاده أن جميع الدساتير تجيز للرئيس حل المجالس النيابية. تري هل يستطيع الرئيس الامريكي حل الكونغرس، وهل يستطيع الرئيس الاسرائيلي حل الكنيست، أم ان الحكومة هي التي تطلب الحل بعد موافقة الكنيست نفسه علي ذلك، وهل تملك ملكة بريطانيا حل مجلس العموم أم ان الحكومة نفسها هي التي تملك حق الطلب من الملكة القيام بذلك؟ هؤلاء الذين يدعون لمثل هذه الخطوات ربما لا يدركون أن الطريق للدكتاتورية هي بالضبط ما يدعون اليه من سيطرة الرئاسة علي السلطتين التشريعية والقضائية. ولحسن الحظ فان الرئيس محمود عباس لم يتقدم باقتراح كهذا لمجلسٍ تشريعيٍٍّ يبدو أنه كان علي استعداد لتأييده انطلاقا من زاوية حزبية ضيقة لا تراعي المصلحة العليا للبلاد التي تتطلب الفصل بين السلطات وفقا لنصوص القانون الاساسي نفسه واعلان الاستقلال. وتدرك الجريدة الامريكية ان القانون الاساسي الفلسطيني ليس فيه نص يجيز للرئيس حل المجلس، وأن هذا القانون لم يعدل. غير أن هذه الصلاحية، في رأي الصحيفة، هي ضمنية، أي أنه يمكن استنتاجها بشكل من الاشكال، دون أن تحدد كيفية اخراج هذا الاستنتاج. لم تشر الصحيفة صراحة الي أن حل المجلس التشريعي علي هذا الوجه قد تعترض عليه حكومةٌ تقودها حماس علي أساس أنه غير دستوري، ولكن اشارة الصحيفة الي أن عدم وجود نص لا يقف عائقا أمام الحل تُنْبِئُ بأن التوقعات الامريكية والاسرائيلية هي أن يمارس الرئيس هذه السلطة التي تفترض الصحيفة وجودها. ولكن اذا فرضنا أن المخطط الامريكي الاسرائيلي قد وضع موضع التنفيذ، وقد بدأت أمريكا واسرائيل فعلا في تنفيذه، ثم نشبت خلافات بين الرئيس وحكومة تشكلها حماس ومجلس تشريعي تسيطر عليه، فان مشكلة دستورية ستنشأ، وحينئذ يأتي دور المحكمة الدستورية العليا. فاذا كان الرئيس هو الذي ينفرد بتعيين فضاة هذه المحكمة، كما قضي التعديل، فان التوقعات هي أنه سيختار قضاة يأمل علي الأقل في أن يكونوا الي جانبه. أما اذا كان المجلس التشريعي بأغلبية حماس يشارك في التعيين، كما كان يقضي بذلك النص قبل تعديله، فان الرئيس الفتحاوي لن يستطيع تعيين قضاة ينساقون وراءه. من هنا في السيناريو الامريكي ـ الاسرائيلي تأتي أهمية التعديل والاسراع فيه، بالرغم من الشكوك الكبيرة حول دستوريته. ولو اعترضت حماس الآن علي التعديل محتجة بأنه غير دستوري، فان المحكمة التي ستفصل في الطعن ستكون المحكمة الدستورية التي ستعين بموجب التعديل، وستكون التوقعات هي رفض الطعن. والسيناريو الثاني هو أن تحاول حكومة ترأسها حماس الغاء التعديل بقانون جديد والرجوع الي الأصل. غير أن الرئيس له، وفق القانون الاساسي، الحق في رد التعديل الي المجلس التشريعي لاعادة النظر فيه. فاذا أصر المجلس علي موقفه، فانه يحتاج الي أغلبية الثلثين لفرض هذا الموقف. وليس لحماس وبقية الاحزاب الصغيرة أغلبية الثلثين في المجلس الجديد، ما لم يتنبه ممثلو فتح في المجلس لخطورة التعديل الذي تسرع المجلس في اجرائه وينضموا لحماس وبقية الاحزاب للحصول علي تأييد الثلثين. وليس هذا بمستبعد علي نواب فتح الذين قاوموا محاولات الرئيس الراحل ياسر عرفات الانفراد بكثير من السلطات في مرحلة اعداد القانون الاساسي، ونجحوا في فرض الموقف الدستوري السليم الذي يتمسك بمبدأ الفصل بين السلطات وعدم سيطرة الرئيس علي المجلس التشريعي أو السلطة القضائية. واذا لم يحدث ذلك، أي اذا لم ينضم نواب فتح لاعادة الأمور الي وضعها السليم، فان التعديل الذي أدخله المجلس القديم سيبقي، في هذه الحالة أيضا، وتبقي للرئيس سلطة الانفراد بتعيين قضاة المحكمة الدستورية، ويستمر الاعتداء علي استقلال القضاء والدستورية. معني هذا أن الطعن في دستورية ما جري أو محاولة تصحيح الأوضاع بالغاء التعديل ستواجهه عقبات تصور مؤيدو التعديل أنه لا يمكن تجاوزها.اننا لا نستطيع أن نتصور أن فتح، برئيسها ونوابها في المجلس التشريعي المنحل، قد كانوا طرفا في هذا المخطط الامريكي ـ الاسرائيلي، أو علي علم مسبق به. فتاريخ فتح ووطنية أبنائها أكبر من أن ترضي لنفسها أن تكون شريكا لاسرائيل وامريكا في مؤامرة علي الدستورية الفلسطينية أو اسقاط حكومة فلسطينية منتخبة ارضاء لهما. لقد رفض الرئيس وحكومة فتح تأجيل الانتخابات أو حرمان أحد من خوضها أو التلاعب في نتائجها، فلا نتصور أنها تتآمرعلي نتائجها بهذا الاسلوب. ربما كانت الدوافع وراء التعديل نظرة حزبية فقط، ورغبة في ايجاد سبيل للعودة السريعة للسلطة. غير أن هذا ليس بالاسلوب الذي يليق بنضال فتح، خاصة اذا تبين أنه يقع ضمن مخطط اسرائيلي ـ أمريكي. ازاء هذه الشكوك والتساؤلات حول الاهداف الحقيقية للتعديل أو ما يمكن أن يؤدي اليه، فاننا نأمل من الرئيس الفلسطيني رد التعديل الي المجلس التشريعي قبل التصديق عليه ليقوم المجلس نفسه بالعدول عنه. واذا كان الرئيس قد صادق عليه، فاننا نأمل في ألا يَرُدَّ قانونا يسنه المجلس التشريعي الجديد يلغي به التعديل الذي اقره المجلس المنحل. القضاء يجب أن يكون فوق الشبهات، وكذلك مواقف الرئيس، ولا يصح اطلاقا تغليب مصلحة حزبية طارئة علي مبدا في غاية الأهمية وهو استقلال القضاء. ففي امريكا نفسها يتطلب تعيين قضاة المحكمة العليا، وهي محكمة دستورية عليا، موافقة الكونغرس علي من يرشحه الرئيس، وما أكثر ما رفض الكونغرس الموافقة علي ترشيحات الرئيس وأجبره علي الموضوعية في اختيار المرشحين، وهذا هو السابقة التي استنار بها التشريع الفلسطيني قبل تعديله، في حين أن التعديل الجديد يقتبس منهجا منتقدا تسير عليه بعض اقطار عربية تعاني من ظاهرة الانفراد بالسلطة. وما أكثر ما حذرنا من النقل المتسرع من القوانين والدساتير السائدة في هذا الزمن الرديء في الوطن العربي. ہ رئيس اللجنة القانونية في المجلس الوطني الفلسطيني سابقا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية