الصحافة الليبية بين تشكيل الرأي وأزمة الكلمة
سعاد الطيف الفيتوريالصحافة الليبية بين تشكيل الرأي وأزمة الكلمة ضمن أبسط مقاربة واقعية نجد أن معظم صحافتنا العربية تنتظم وفق آليات الحكومات، تاركة مهمتها البارعة وسلطتها القوية، تدور ضمن فضاءات مغلقة، ومسيجة بأسلاك رقابية صارمة مما يجعل الكلمة معلقة بخيط يصلها بأصابع الرقيب فلا مجال للمناورة أو التمرد، والتمرد هنا غور الواقع وكشف الأزمات من أجل حلول واقعية، ولكن احياناً يبدو أن الأمر يسير باتجاه آخر حيث تحاول الصحافة أن تخلق أزمة أو تعطي أزمة ما أبعاداً غير ابعادها، وبالتالي تأتي الحلول أيضاً خارجة عن الأبعاد الحقيقية وتكون عادة حلولاً مأزومة كولادة طبيعية لفكر مأزوم لا ينتمي إلي تراب الواقع ولا إلي تطلع المواطن الذي ينتظر من الصحافة أن تكون هي الرئة التي يتنفس من خلالها ويطرح ما عنده من هموم ومشاكل تلامسه يومياً، لكنه للأسف وبعد طول انتظار لا يجد إلا الاحباط والخذلان.فكما أن الفكر لا يستطيع أن يعمل في المجالات المعرفية الجاهزة والمعدة سلفاً كذلك الرأي الحر لا يعمل في صحافة جاهزة ومعدة سلفاً.فالحقل الصحافي في الدول العربية هو حقل جاهز ومعد سلفاً، والنتيجة لا يجد الرأي الشجاع ولا الفكرة غير المدجنة مكاناً في حقول صحافتنا.وهذا بدوره يجعل المواطن لا يكترث بالصحافة ولا يعيرها اهتماماً لأنه يعرف أنها صحافة ميتة ولا تمت لتطلعاته بشيء ولا تتصل بواقعه ومشاكله بشكل من الأشكال علي خلاف ما هو موجود في الكثير من الدول الأوروبية حيث تشكل الصحافة السلطة الرابعة التي لها حق توجيه النقد للجميع.والملفت للنظر فيما يتعلق بالصحافة الليبية أنّ الدولة الليبية بدأت خطوات كبيرة علي طريق الشفافية والإنضمام بشكل عملي وواقعي إلي القرية الكونية بنوايا حسنة وخطوات جريئة، من هنا تبدأ أزمة الكلمة في الصحافة الليبية ومهمتها في تشكيل الرأي وإيضاحه لاسماع السلطة وإطلاعها علي هموم المواطن ومشاكل المجتمع، لكن الصحافة الليبية تخلفت عن مواكبة الدولة في توجهاتها الأكثر شفافية وصراحة أمام الرأي العام العالمي، لذا نهيب بالصحافة الليبية أن تتبوأ مكانتها الحقيقيه وتخطو خطوات شجاعة لتشكيل ديناميكية موازية ومنسجمة مع متطلبات الشعب والإستفادة من التوجه نحو الديمقراطية والشفافية ولتكن الصحافة هي المعبر عن الفكر وحرية الكلمة والنقد الهادف للسير بالجماهير نحو تحقيق ما تصبو إليه من إيصال صوتها ونقل همومها إلي مرافق الدولة.والذي جعلني اكتب بهذا الإتجاه هو أن الدولة فتحت ميادين واسعة علي المستوي الدولي وخطت خطوات اشرنا إليها من الجرأة والشفافية هكذا دولة يجب أن لا تغفل أهمية دور الصحافة باعتبارها الوجه الحضاري للبلد والعلامة الديمقراطية الكبيرة لما لها من دور في تفعيل مشاركة المواطن في ابداء آرائه وسماع معاناته، اضافة إلي تأهيله للشعور بالمسؤولية إزاء التوجه الديمقراطي للدولة. فعلي الصحافة أن تساهم بشكل فعال للسير مع خط الدولة في هذا المضمار.لماذا كل هذا التمحور حول مواقع قديمة تجاوزتها الدولة! لا ا ستطيع أن أجد مبرراً لهذه الفجوة بين واقع يسير باتجاه الآخر وصحافة تتمحور حول ذاتها، لتكرس سلطتها التي يفترض أن تكون داعمة لقضايا الجماهير، ساعية لاكتشاف الرأي وتشكيله بما يناسب المرحلة التي يمر بها البلد ويمر بها العالم من خلال مد الوشائج لربط الواقع الوطني ضمن سياقات ومتطلبات التوجه الكوني نحو عولمة لا يمكن تجاهلها ولا الوقوف بوجهها، بل السعي لفهمها ومعرفة دورنا إزاءها وبشكل ايجابي بناء وهذا ما سعت إليه الدولة لمد الجسور مع العالم والإقتراب بشفافية صادقة نحو فهم المجتمع الدولي وتجنيب الوطن والمواطن دفع ضريبة العزلة والانكفاء، والمتابع للشأن الليبي يري هذا بوضوح، لكن المشكلة التي لا تزال ترهق الجماهير الشعبية هو عدم التوافق بين سياسة الدولة المنفتحة وبين صحافة مغلقة، خلف استار لا تسمح للصحافي أن يسمع صوت الناس ويري حاجاتهم ويلبي مطالبهم.هذا ولا ننسي أن للمواطن دوراً في امكانية استيعاب مثل هذا الانفتاح الديمقراطي وحرية التعبير، هل أن سلبية بعض المواطنين وعدم ا ستيعابهم لمثل هذه التجارب الرائدة، هل هذا يعتبر مبرراً للاحجام عن فتح مجالات حرية الكلمة والتعبير؟اقول ان هذا أمر طبيعي يمكن معالجته من خلال توجيه المواطن لفهم أهمية حرية الكلمة والتعبير ضمن الحدود المعقولة والإبتعاد عن السلوكيات السلبية والممارسات الخاطئة واستغلال هذه الظاهرة الحضارية بأعمال غير لائقة ولا حضارية.السؤال القديم الجديد هو متي تتجاوز الصحافة الليبية واقعها وتخرج من تقاليد موروثة ضمن سياقات الصحافة العربية بشكل عام؟هل التغيير علي الأبواب ليري النور بعين المواطنين لا بعين اساطين الصحافة الديناصورية المحنطة والتي ما باتت تنفع في شيء إلا أن تصبح قطعة أثرية في تأريخ تطور الصحافة!متي يخرج الصحافي الليبي من الصحيفة إلي الصحافة، واعني إلي هيبة مفهوم الصحافة المتحضرة والمواكبة للتطورات المحلية والعالمية؟ہ كاتب من الجزائر8