عشرة أيام و19 دولة تقيم تجريبا مسرحيا يستحق الانتباه
الملتقي الثالث للإبداع المسرحي بمكتبة الإسكندرية:عشرة أيام و19 دولة تقيم تجريبا مسرحيا يستحق الانتباهالقاهرة ـ القدس العربي ـ من محمود قرني: أقام مركز الإبداع لمكتبة الإسكندرية الملتقي الإبداعي الثالث للفرق المسرحية المستقلة أوروبا ـ البحر المتوسط في الفترة من 1/2/2006 حتي 10/2/2006، وقد شارك في الملتقي تسع عشرة دولة هي مصر الدولة المنظمة بالإضافة إلي: النمسا، بلجيكا، بريطانيا، ألمانيا، اليونان، العراق، إيطاليا، لبنان، المغرب، فلسطين، صربيا، الجبل الأسود، سلوفينيا، إسبانيا، السويد، سورية، تونس، وأخيرا تركيا.وقد أشار كتالوغ المهرجان الي انه بالاضافة الي مكتبة الاسكندرية هناك عدد من المؤسسات الدولية والمحلية، من بينها، مركز الهناجر للفنون بالقاهرة، مؤسسة فورد، المركز الثقافي المصري بفيينا، المركز الثقافي النمساوي بالقاهرة، مجلس منح الفنون بالسويد، بالإضافة إلي بعض المؤسسات الأخري. وكان الافتتاح ألمانيا مصريا بالقاعة الوسطي بمكتبة الإسكندرية وتضمن قراءة شعرية مشتركة بين الألماني خوزيه أوليفير والمصري جرجس شكري وعدد من المقطوعات الغنائية للصوت الأوبرالي الفريد نيفين علوبة وكان التأليف وقيادة الأوركسترا للفنان شريف محيي الدين مدير مركز الفنون بمكتبة الإسكندرية.تضمن الملتقي عددا من العروض المسرحية التجريبية وعددا من حلقات النقاش. ومن بين هذه العروض كان العرض المصري الذي قدمته فرقة الشظية، وحسبما قدمت فرقة نفسها فالعرض يقدم بأسلوب مسرحي يجمع بين عناصر الصورة والحركة والموسيقي، وقدم العرض لأول مرة علي مسرح الهناجر عام 2003، وقد حصل العرض علي جائزة أفضل عمل جماعي في الدورة الخامسة عشرة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، كما اختير كأفضل عرض مسرحي تجريبي في مصر عام 2003 علي مستوي الجمهور والنقاد وكما حصل علي جائزة المشاهد الاندونيسي في مهرجان الفن الدولي باندونيسيا عام 2004 وقد أخرجه هاني المتناوي. كذلك قدم الملتقي العرض الصربي أوبداكسيجا: ريجور مورتيس وهو عرض يحلل ـ حسب التعريف المرافق له ـ من خلال إطار اجتماعي واقعي الأسباب التي ادت إلي تراكم مشاعر الغضب لدي الجيل الذي أمضي شبابه وسط فترة التسعينيات في صربيا، ونقطة البداية في العرض كانت الموسيقي، ثم تلتقي مع خشبة المسرح، والممثلين والفيديو، والصوت، والحركة والدراما، من خلال لغة رمزية وبناء درامي مصغر. كذلك قدم الملتقي العرض السوري هوية وقدمته فرقة ليش التي تأسست عام 1999، التي تعرف نفسها بانها بدأت البحث في مجال الحركة علي خشبة المسرح وهو مجال لم يكن معروفاً في سورية من قبل، وتقدم الفرقة ثيمات معاصرة من خلال ممثلين حاصلين علي تدريب جسدي يحاولون من خلال توظيف هذه الأجساد إيجاد لغة خاصة من التعبير الحركي، تتيح لهم عبر هذا التكنيك التجريبي قدرا من التواصل مع الآخر، والمكان والأشياء والإيقاع.كذلك قدمت فرقة تانكريف دوم من سلوفينيا عرض رقصة سريعة الذي أداه كل من سانيانسكوفيتش بيرسين و برانكو بوتوكان . تنفصل أولا أجساد الراقصين حتي يستطيعا الطفو في الهواء، والإمساك بإيقاعات وقصص مختلفة للحياة، متفردة وثنائية ولا تلمس أحذية الباليه الأرض سوي في تفكير وإيقاع ثم تطير، لتواجه الاشتباكات والسقوط في شرك غزارة الحركة بين الضوء والظلمة، والبطء والسرعة . أيضا قدم الملتقي عرض مشروع الضفيرة الشمسية وهو عرض مصري سويدي، وقد قدمه الملتقي باعتباره عرضا يعكس رد الفعل أمام التعصب والتمييز العنصري المتزايدين في المجتمع الأوروبي، ويستخدم العرض مفردات ثقافية لسكان الضواحي ويمزج في الوقت نفسه بين الرقص والتعبير الإيمائي، والصوت، والمؤثرات البصرية. وقد شارك في العرض ممثلان مصريان هما رمضان خاطر، وسعد سمير، كما شارك فيه خمسة فنانين سويديين.أما العرض النمساوي زينوبوليس الذي قدمه مسرح الغاليري بالملتقي فكان هو العرض الحائز علي افضل مشروع للمسرح الأوروبي المشترك، ويدور حول الهجرة والطقوس ويرصد العرض تفاصيل محاولة التقارب بين شخصين يعيشان تحت وطأة اختلاف الثقافات.كذلك قدمت فرقة توت المصرية عرضاً متميزا هو تعيش.. انت وهو عرض يستعرض طاقات واسعة لأربعة فنانين هم سلامة غانم، باسم عدلي، باسم وديع، وصليب فوزي والعرض موزع بين القدرة الحركية والتعبيرية علي الأداء، وكذلك التمثيل والرقص والغناء لا سيما للثنائي الموهوب باسم وديع وصليب فوزي بصوتيهما الرائعين.وقد قدمت الفرقة عرضها تحت لافتة تلاقح الثقافتين المسيحية والإسلامية. وتقول الفرقة عن نفسها ان الشعور هو محور تصورها للفن، لذلك فهي تستهدف مفردات جديدة للتعبير عن المشاعر والتواصل بها، خاصة فيما يتعلق بمواقف الحياة اليومية، وتري الفرصة ان العاطفة هي المفتاح لما يجعلنا آدميين ويميزنا عن الحيوانات، لكن الكثيرين منا غير قادرين علي التعرف علي حالاتنا العاطفية وقد يخطئون علي سبيل المثال في تفسير الغضب علي انه حزن أو الكره علي انه خوف، وبدلا من ذلك نعتمد علي التقاليد التي تعلمناها من طفولتنا وعلي العواطف التي يتم الدعاية لها ويتم تعليبها من اجل الاستهلاك العام، بحيث نجد ان بعض تعبيرات الوجه والحركات يتم التعرف عليها علي الفور علي انها تشير إلي هذه العاطفة أو تلك. لكن للعاطفة مفردات أكثر شفافية وتنوعا فيما يتعلق بكيفية تواصلنا وإحساسنا بها.أيضا كان من بين العروض الرائعة هذا العرض اليوناني المشبع بالتعبيرية والتجسيد تحت عنوان تيكو وهو فعل ـ حسب التعريف المرافق للعرض ـ يعني باليونانية تحول المادة بفعل الحرارة من الحالة الصلبة إلي الحالة السائلة، ويضيف التعريف: ان هذا الفعل هو ما يحاول ان يقدمه العرض عبر علاقة انسانية تكشف عن وجهها الحقيقي مع الزمن حتي يواجه الناس بعضهم البعض في نهاية العرض وهم عرايا .عرض الملتقي أيضا عددا من الأعمال مثل العرض الألماني مكان للتطهر و عرض لرقص الشارع والعرض التونسي انتيجون والعرض الإسباني الإيطالي لا تدعوني أشيخ وحيدا والعرض السويدي ماكبث ـ الجميع يموتون في النهاية . وبالإضافة إلي العروض التي قدمها الملتقي أقيم عدد من الندوات وورش العمل بينها الكتابة علي خشبة المسرح وهي عبارة عن قراءة لست نصوص مسرحية عربية كتبها مخرجون وقد أدار الندوة فاروق عبد القادر وقدم لها الشاعر جرجس شكري والكتاب المشاركون هم إدريس الرخ، حافظ الحديدي، جواد الأسدي، خالد ونجيب جويلي، محمود أبو دومة، ونمر سلمون.كما عقدت عدة ورش عمل منها ورشة الارتجال المسرحي أو الارتجال كوسيلة للوقوف علي التعبير الحر والصادق للشخصية الإبداعية ، كذلك عقدت ورشة عمل حول السينوغرافيا أو الوسائط الجديدة في تصميم المناظر لمسرحية، وقد استمرت اعمال الورشة التدريبية لمدة ثلاثة أيام ودارت نقاشاتها حول استخدام الفيديو والكمبيوتر في تكوين المشاهد علي خشبة المسرح، كذلك أقيمت ورشة عمل حول تقنيات الصوت، وكذلك ورشة أخري حول إدارة الانتاج المسرحي، وأخري حول التمثيل وورشة أخيرة حول إدارة الفنون وكانت تستهدف تقديم العديد من الخبرات في مجال إدارة الفنون سواء في المسرح أو الرقص أو الموسيقي واستمرت أعمال هذه الورشة لمدة ثلاثة أيام.كذلك قدم الملتقي خلال أيامه العشرة اربع موائد مستديرة حول حرية الجسد والمسرح والمجتمع، وحرية الكلمة والحرية المذكرة والحرية المؤنثة، ومشكلة التمييز النوعي وقد كانت حلقة المسرح والتغيير الاجتماعي بين الحلقات المهمة التي دار حولها النقاش، وقد أدار هذه الحلقة المخرج حسن الجريتلي وتحدث فيها عدد من المهتمين بدور المسرح حيث تناول في البداية الممثل الشاعر تامر القاضي، عبر أداء تمثيلي متميز قصة تراثية عن حكاية الكلب لـ لافونتين ثم تحدث الشاعر جرجس شكري حول سؤال : هل المسرح يلعب دورا في تغيير المجتمع؟ وأشار إلي ان المسرح لم يزدهر تاريخيا إلا في ظل ازدهار الفنون الأخري منذ نشأة التراجيديا في أثينا حتي نهاية القرن العشرين، وربط شكري بين منافع الحرية وازدهار المسرح، وقال ان المسرح لن يزدهر بمفرده ولم يزدهر عموما في ظل المناخ الشمولي القمعي.أما المخرج نجيب جويلي فقال: أحيانا ما يساهم المسرح في تحرير المجتمع، وقد شهدنا ذلك في تجارب كثيرة، ولكن ذلك لم يحدث بعيدا عن ضرورة الترسيخ لمفهوم للعمل الاجتماعي من خلال التجمعات الأهلية. ويتدخل هنا المخرج حسن الجريتلي مؤكدا علي أهمية الربط بين السياسي والثقافي إلا انه رأي ان ذلك لا يمثل المشكلة الرئيسية للمسرح الآن.أما الممثلة المسرحية اللبنانية رولا قبيصي فقالت: اننا إذا كنا نتحدث عن أهمية الحرية، فلا بد ان تنهض المسرحية بالدور الأساسي في ذلك بتوجيه المسرح نحو فهم واسع لتحرير المجتمع وان التعويل علي عناصر خارج الطاقات المسرحية هو إهدار للوقت. كذلك تحدث المخرج سيد فؤاد مدير فرقة الحركة وعرج علي أوضاع الحركة المسرحية في عمومها لا سيما المسرح التجاري وقال انه لا توجد ظاهرة يمكن ان نطلق عليها الظاهرة المسرحية سواء كان بالمعني السلبي أو الإيجابي، وان كان ذلك لا يمنع من القول ان هناك أعمالا جيدة وعروضا جيدة وممثلين جيدين لكن لا يمكننا ان نقول ان هناك نهضة مسرحية.وقد انعقدت داخل فعاليات الملتقي حلقة نقاشية بالنتائج التي انتهت إليها الموائد المستديرة فتحدثت الكاتبة والممثلة نورا أمين عن مجموعة الجسد وأشارت إلي ان مداخلات المجموعة انطلقت من طرح عدد من الأسئلة مثل موقع المحرمات في المسرح المصري وهل الجسد في المسرح قادر علي تحرير المجتمع وهل الجسد يمكن ان يكون مصدر معرفة، وهل التقليد إيمان بالحرية أم قناعة بالتبعية، واشارت إلي ان النقاشات انتهت إلي ان هناك قطيعة بين صانعي المسرح والمجتمع. وان الجسد ليس هو المشكلة ولكن حساسية الجسد هي المشكلة تبعا للثقافة التي يمثلها، والمسرح العربي ليس نتاجا لمطلب اجتماعي، وان هناك قطيعة تاريخية مع الجسد، وقالت ان الهيمنة الغربية عوقت الكثير من المفاهيم المتقدمة والتي يمكنها ان تؤثر في تطوير مفهوم الجسد في الثقافة العربية، وقالت ان هناك ايضا تأثيرا من مسرح شرق آسيا الذي انجز في اتجاه تحرير الجسد من المفهوم الغربي. و أضافت نورا أمين ان هناك هيمنة للغة الكلامية علي لغة الجسد في المسرح رغم ان لغة الجسد قادرة علي التعبير وهناك ثنائية الجسد الجماعي والجسد الفردي، وعدم وجود تربية جسدية والتحايل الواعي للمسرح علي المجتمع والرقابة او المحرمات الدينية، وهناك مشكلة في ذلك بالنسبة للجسد الذكوري والانثوي، وأشارت الي ان الحلقة تناولت الانقسام والشيزوفرنيا بين المسرحيين انفسهم حول هذه المفاهيم، وأشارت إلي ان حرية الجسد متاحة فقط بالنسبة للعروض الاستهلاكية، وان المجتمع قد يكون سببا في تعويق مفهوم الحرية بسبب عدم وجود علاقة حقيقية بين المسرحيين والمجتمع، وتناولت الحلقة أيضا الجسد باعتباره جسدا معرفيا، وكذلك الفروق في الخبرات الشخصية حول مستوي الحرية والوعي الجسدي.بقي لنا التعقيب الضروري علي التنظيم الراقي للملتقي والذي يلحق بمكتبة الإسكندرية والذي يقوم عليه الدكتور محمود أبو دومة إلي جوار فريق عمل الملتقي الذي يسهر علي دقة التنظيم ومراعاة تنفيذ برنامج الملتقي كما تم إعلانه والاتفاق عليه، لكن يظل سؤال الملتقي الناجح هو في الكيفية التي يمكنه بها ان يلتحم بجمهوره الأوسع بين فئات المجتمع، وهل تظل هذه المشكلة إطارا نظريا يغلف النقاشات البيزنطية بين المثقفين في الغرف المظلمة. وأتمني ان يشهد الملتقي الرابع، نموذجا أكثر وفاء لهذا الشرط بحيث يتحول العرض المسرحي من عمل نوعي إلي عمل يذهب لمتلقيه الحقيقيين.0