الديمقراطية العربية بين زمنين

حجم الخط
0

الديمقراطية العربية بين زمنين

عادل الحامديالديمقراطية العربية بين زمنين تراجع جواد الديمقراطية في الوطن العربي ولم يعد مكرا ولا مفرا بل كاد يتحول إلي جلمود صخر حطه السيل في كبد كل المسارات فانحبس بعضها وتعطل البعض الآخر فيما انقطع نهرها الصناعي بل المصطنع في الجناح المهيض للوطن الجلمود، فأطبق الصمت علي مقابر الأحياء ولم نعد نسمع لهم صوتا بل لم تعد ترفع لهم شكوي كأن العالم ثكل علي فجاءة كل منظماته الإنسانية والحقوقية بعد أن أضاع رتشارد كل مفاتيحه في أزقة الفلوجة إن لم يكن في شوارع سامراء.وعلي نبض الديمقراطية العراقية التي يرقبها الجميع ويتطير منها الجميع أدركت الدوما الأوتوقراطية علي الدوام أن الوقت قد حان لغلق القوس الذي دشنه غورباتشوف. وتحت هاجس الخوف من اللون البرتقالي عمد ليونيد بوتين! سليل الـ كي جي بي إلي تأميم نصف مليون فقط من الجمعيات الأهلية المستقلة عن البيت اللينيني حتي لا تتسرب إليه حبات البرتقال الديمقراطي المستورد من مخابر عدو الأمس بعد أن أيقن الجميع أن راعي الديمقراطية الجديد وسيدها بلا منازع قد تلعثم في بابل وهو يتلو ترنيمات الأغنيات الحزينة فتراجع الجميع.وما أن أيقنت النخب الحاكمة التي لا تؤمن إلا بنفسها أن المشروع الديمقراطي في العراق كلف كل الأطراف ثمنا بات من شبه المستحيل دفعها في مغامرات ديمقراطية جديدة حتي تنكرت لوعود الحريات التي تتوق لها كل الشعوب ومطالب الديمقراطية التي يصبو إليها كل السياسيين. وخوفا من إفرازات الصناديق الجديدة وما تحمله من باكتيريا إسلامية عض التنويريون والحداثيون بالنواجذ علي مقاعدهم متفرجين علي الركح العراقي وأطرافه يغرقون في الدماء حتي أنه لم يبق من الحرب الأهلية إلا إعلانها، ليؤكدوا صدق أطروحاتهم عن المسافات التي لا تزال تفصل بين العرب والقدرة علي ممارسة الديمقراطية ويكشفوا بالبرهان زيف شعارات الديمقراطيين العرب عموما وقادة الإسلام السياسي منهم علي وجه الخصوص.نشأت الحركات الديمقراطية الحديثة في تداخل وتشابك مع حكومات الدولة الوطنية التي ورثت الاستعمار الغربي في حكم أقطار العربية. ومن المفارقات العجيبة أن هذا الغرب الإستعماري الذي استحوذ لعقود طويلة علي خيرات العالم العربي هو نفسه الغرب الذي رعا وأنشأ هذه الحركات الديمقراطية لا بل وصل به الأمر أن تحالف معها وقاد الجيوش العسكرية ليمهد لها الطريق إلي الحكم كما هو الحال في العراق، فهل تكفي سنوات الاحتلال ـ عفوا التحرير ـ الأربعة الأولي للحكم علي النموذج العربي للمعارضة في العراق؟غني عن البيان أن رائحة الطعام تنبئك عن طبيعته وأن البعر يدل علي البعير كما في التراث العربي، فملاجئ الجادرية ومغاوير الداخلية وفيالق بدر والبيشمركة والميليشيات المسلحة والجيش الوطني وقوات الشرطة وغيرها من الأسماء المتعددة كلها فرق أمنية تسهر علي إعادة الأمن للعراق لكنها تفشل في كل شيء باستثناء تصيد الشخصيات السياسية والدينية من العيار الثقيل أو إلحاق المدنيين بالرفيق الأعلي وهم علي أشد ما يحتاجون إلي حياة مضت كلها كوابيس وحروب لا هوادة فيها.لقد صاغت التجربة العراقية تعاريف جديدة للديمقراطية، فهي بالإضافة إلي كونها حكم الأغلبية لا تنفي حق المظلوم في الاقتصاص لنفسه حتي وإن كان ذلك بالتفجيرات الإنتحارية وتدمير البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وتشكيل ألوية الموت ثأرا لأيام الاستبداد الغابرة.العراق بلد الأساطير والمعجزات حتي، فعشتار ليس لها أن تهب الحياة إلا بعد موت الفينيق لتنبعث الحياة من الرماد، والأمن والرفاه في العراق ليس له أن يتأتي إلا بعد اجتثاث أعداء الأمن والحياة من البعثيين ومن والاهم من العراقيين.دماء تسيل دون انقطاع ونواح بالليل والنهار في كل شبر من العراق، والساسة الجدد حماة الديمقراطية ودعاتها في المنطقة الخضراء من خلف سبعة أبواب يعدون من تبقي حيا من العراقيين بالرفاه ويبشرون الشرق الأوسط بالنموذج الموعود..ليست المرة الأولي التي كبا فيها العراق ولا هي السابقة الأولي التي تكبو فيها الأمة بقيادته، فقد كبا وكبت ونهض ونهضت فهل نسترشد بما تنقله لنا عدسات الفضائيات العالمية وتقارير المنظمات الحقوقية عن بواكير الديمقراطية في الشرق الأوسط عن الموت الدامي في العراق أم نستقصي الخبر اليقين من الصناديق التي لا تكذب رغم كل محاولات الغش والخداع في الأراضي الفلسطينية وقبلها في مصر وقبلهم جميعا في الجزائر وفي كل الدول العربية التي خلت حكوماتها بين الشعوب وبين الاختيار الحر؟في الصورة القاتمة إشراقات أمل واعدة رغم مؤشرات الحرب الأهلية التي أطلقها من عقالها تلكؤ التحالف ونواياه المتربصة ومراهنته منذ اللحظة الصفر علي اعتماد استراتيجية الطوائف وضرب بعضها ببعض من أجل إقامة عراق ديمقراطي، مما أحالنا علي مشاهد مفزعة لحرب أهلية لم تعد حديثا ولا مخاوف بل تكلمت مدافعها وتعالت أصوات أطرافها في الداخل والخارج لعل آخرها رفسنجاني الذي حمل السنة مسؤولية ما حدث بالمرقدين في سامراء، فقد نهض ذات يوم من شهر آب (أغسطس) من العام 2005 شعب موريتانيا في مغرب العرب ليطيح بما أسماه دكتاتورية العقدين المنصرمين ويؤسس لدستور جديد استهله بفتح أبواب السجون وإخلائها من قاطنيها أصحاب الرأي وأشركهم في حوار لم تكتمل مراحله بعد ولا ارتسمت معالمه بوضوح حتي. سبق فريق الإصلاح الموريتاني القادم إخوان لهم في الديمقراطية في المغرب الأقصي سارعوا إلي إعادة النظـــــر في ســــنوات الجمر وما خلفته من ضحايا ساعين بذلك إلي تعويضات مادية ونفسية يستحقها مشروع الإصلاح العربي المعاصر ويحتاجها المغاربة لرص صفوفهم. ثم جاءت انتخابات مصر والأراضي الفلسطينية لتنهي عقود القطيعة بين الحكم والإسلاميين إلي أن ظهر قانون العفو والمصالحة في الجزائر التي تأخرت كثيرا في إنجاز الديمقراطية التي سالت من أجلها أنهار من الدماء بعد أن أجهضت في الصناديق، ثم العفو في كل من تونس وليبــــيا. هل هــــذه كلها من بركات دماء العراق أم من كبوة جواد الديمقراطية في العراق؟الثابت أن العالم في مطلع هذه الألفية يؤسس لنمط جديد من الصراع السياسي تراجعت فيه النزاعات القومية والخلافات الإيديولوجية لتطل حرب من نوع مختلف تنبأ بها علماء الاجتماع والمستقبليات وصناع القرار السياسي قبل ما يزيد عن عقد من الزمن وأسموها بصراع الثقافات. هو تحول ترجمته حروب الرموز الدينية ليس فقط تلك التي دشنتها صحيفة دنماركية وتبعتها في ذلك العديد من الصحف الأوروبية، بل حتي تلك التي أثارتها قنوات عربية في العراق وما أسفر عنه صراع الرموز منذ سقوط بغداد حتي يوم الناس هذا.هو انتقال تحتل فيه أحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) في الولايات المتحدة الأمريكية قلب الرحي من حيث أنها كانت علامة فارقة في التاريخ السياسي المعاصر بين مرحلتين مختلفتين شكلا ومضمونا. فقد سقطت دول وحكومات وتشكلت لها بدائل أقدمت علي صياغة دساتير جديدة وطبقت برامج متنوعة واضعة بذلك حجر الأساس لتجارب تزعم أنها تختلف عما كان عليه الأمر من قبل. لكن ما يبعث علي الشك والخوف أن كل تلك التحولات لا زالت تحمل ذات العقدة التي أوصلت العالم إلي هذا الاحتقان الذي يهدد بحرب كونية لا تبقي ولا تذر، وأعني بالعقدة الموقف من الدين الإسلامي كأحد أبرز مقوم للشعوب العربية والإسلامية إن لم يكن للبشرية جميعا. فإقصاء الإسلام من السياسات الدولية وسجنه في عالم الإنسانيات يشبه تماما إقصاء الإسلاميين من كل أنواع المشاركة في عقر أوطانهم.إن التعاطي الغربي مع الإسلام عقيدة وممارسة المبني علي وصفات التنويريين من العرب والحداثيين الموالين للغرب والمتشبعين بثقافاته لا تنبئ عن فهم علمي ومتوازن للمجتمعات العربية والإسلامية، بل إن المثقف العربي بدا وكأنه عراب غير أمين بين الثقافتين الإسلامية والمسيحية فأضر بالحوار وبالتالي أجهض المشروع كله فتأزمت أوضاع العالم كله تماما. وما زاد الطين بلة أن الوسيط وأعني به المثقف العربي الذي لا يؤمن بقدرة الإسلام علي المساهمة في الفعل الحضاري تجاهل عن عمد المعطي النفسي والاجتماعي الذي صاغ العقل العربي علي مدار التاريخ ولم يرقب المرجعية الفكرية لهذا الأخير فأسقطت القنابل والبرامج علي رأس متأزمة أصلا فاشتد البلاء وعمت الفوضي الهدامة حتي اكتسحت ساحة الشرق الأوسط برمته.لقد أدرك العالم الغربي هذا الفهم وعليه عمد إلي إقناع المؤسسات السياسية بضرورة العمل علي إدماج الإسلام السياسي المعتدل ضمن الخارطة السياسية العربية والإسلامية والعالمية علي نحو تتحول معه أدوات الصراع من البندقية والمتفجرات إلي الطاولة ومائدة الحوار، وهو صراع أنفع وأصلح وأصوب كما تنبئ التجارب وتبين الأحداث.لقد فشلت الدبابات الإستعمارية والسياسات العلمانية المدعومة بكل أجهزة الحكم وأدوات الاتصال القديم منها والحديث في تغيير عقائد الناس والنيل من قداستها ولم تفلح في إيجاد بديل تستريح له النفوس وتهنأ مثل الدين، لذلك جاءت صناديق الاقتراع صادقة غير مخادعة ولا مزيفة ببلاغات يعرف كتابها أنها لا تعدو كونها شطحات خيالية لكتاب صوامع ما بعد منتصف الليل.بعض من العرب وأنصارهم من الغربيين يريدون ديمقراطية لا طعم لها ولا لون، لا تؤمن إلا بما يؤمن به التنويريون التقليديون ولا تري إلا ما يرون، ديمقراطية لا تقوم إلا علي أنقاض الدين، حتي لو كان هذا الدين آخر الأديان وخاتمها… ومثلما فعلوا مع المسيحية حين أخرجوها من الحياة العامة صاغرة ليسكنوها الكنائس والأديرة جاؤوا إلي الإسلام مرة باعتباره رمزا للرجعية والتخلف والبداوة وطورا باتهام نبيهم بالإرهاب كما زعم الرسام الدنماركي في الصحيفة سيئة الذكر.ديمقراطيتنا العربية بدأت في التعود علي عدم الاستثناء واقتنعت بأن الاستئصال السياسي لا يدعم الديمقراطية ولا يحقق الرفاه ولا يدعم جهود التنمية المستقلة والمستديمة، لذلك راجعت نفسها في الحكم والمعارضة وبدأت تنحت مفاهيم جديدة للتسامي علي الخلافات والتأصيل للتعايش والتسامح بدل الثأر والتشفي. وفي قمة الخرطوم العربية التي ستنعقد علي مرمي حجر من حي المنشية ذائع الصيت الذي يسكن فيـــــه أحد أبرز الزعماء الإسلاميين المشاكسين علي الدوام د. حسن عبد الله الترابي خير دليل علي هذه المراجعة، وإن كان في هذه المراجعة بصمات ليد عمرو حتي.ہ كاتب وإعلامي تونسي يعيش في بريطانيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية