لطالما كتبتُ

حجم الخط
0

لطالما كتبتُ

صباح زوينلطالما كتبتُطالما كتبتُ، وكتبتُ، ولطالما ملأت أعمدة وزوايا وأسطرا في الصحافة، ولم أنتبه الي الكمّ الذي أفرغته من عندي في مساحات الورقة اليومية سوي اليوم، عندما قررتُ أن أجمع مقالاتي وأن أرتّبها لأرشفتها. فتذكرتُ مواد مهمة كنتُ قد نسيتُها، من نقد شعرٍ أو رواية، ومن نقد في السينما ومن حوارات في السوسيوليوجيا والسياسة وحوارات مع أدباء وترجمات. بل كتبتُ في الترجمة ولم أترجم فحسب، إنما ليس لأني مولعة بها علي الإطلاق بل لأني مولعة بالفيلولوجيا والإيتيمولوجيا وهما مادتان تشغلانني علي الدوام. فالكلمة بجذورها وأصولها وفروعها هي التي أقع في غرامها وهي حافزي وهدفي منذ صغري حتي اليوم (كتبت حول هذا الموضوع مقالا مفصلا في ملحق الجريدة اللبنانية في 5 ايلول ـ سبتمبر 2004). كذلك هي علاقتي باللغات التي أعرفها، بحيث أنها علاقة فيلولوجية وليست علاقة ببغائية في حفظ اللغة أياً كانت. الكلمة ، في كل ما تعنيه هذه الكلمة، في كل ما تحمله من إشارات ورموز ومعانٍ وثنايا وطبقات، هي وحدها تعنيني. ولستُ أفهم كيف استطعتُ أن أمغط الكلمة كل هذا التمغيط لكي أكتب، علي مدي عقدين من الزمن، كل تلك المقالات حيث كنتُ أتقاتل يومياً مع تلك الكلمة من اجل ان لا تتكرر وأن لا تذبل وأن لا تذوب وأن لا تبوخ وأن لا تتعفّن. وكان عذابي كبيراً، ليس فقط بسبب مشاكستي مع الكلمة، إنما وبشكلٍ خاص بسبب ما أنفقته من طاقة بعيداً عن الشعر.وكتبتُ قبل سنتين عن زنوج الكتابة (في الصفحة الثقافية للجريدة حيث كنت أعمل) وكتبتُ في الفترة ذاتها 3 تشرين الاول (اكتوبر) 2004 في ملحق الجريدة عن الجامعات التي تعلّم كتابة الشعر في المانيا وانتقدتهاُ، وقبل عشر سنوات كتبت في جريدة عربية تصدر في لبنان عن الجامعات التي تعلّم كتابة الشعر في كندا وأيضاً انتقدتها. انتقدتها فقط لأنها غير بريئة، إذ تفعل هذا لأسباب اقتصادية صرفة، هذا من ناحية. من ناحية أخري، ما ينتج عن هذه الجامعات، هو نموذج أو لنقل مساطر متشابهة من الكتاب كما من الكتابة: فالكاتب هنا لا يكون خلاقا إنما تلميذا بكل ما تحمله الكلمة من معني ! إني لا أتكهن: إذ حضرت شخصيا قراءات لـ كتاب من هذا النوع ورأيت انهم جميعهم ، أولا متشابهو الأسلوب، ثانيا أنه أسلوب مدرسي مدروس وليس تقنية إبداعية والفرق شاسع بين هذا وتلك، ثالثا يشعر المرء إزاء هكذا كتابة إنها غير حرة و الكاتب يكون داخلها كمن لا يجرؤ علي الخروج علي القاعدة التي لقنوه إياها! لكن وفي اي حال أين نحن من تلك الجامعات المنظمة؟! ليتنا نملك في بلداننا هكذا كلّيات، لكنّا تجنبنا همجيات الشعر وأكاذيب الكذابين. فنرانا في بلداننا في غياب تلك المعاهد أو الجامعات، لكن نرانا في حضور الكتاّب الزنوج، وأصبح كل شيء مباحاً، كل شيء مبتذلاً.وما أبشع من الغش سوي الوقاحة حيث التافه ينتقد التافهين والقطة تنتقد القطقوطات، وما أحلي السلطة، ما أحلي المرء عندما يكون مصفَّحاً بالنفوذ وبالدعم المعنوي ولو ظلماً. لكن لا أطالب السلطات المعنية بأن تنشئ معاهد تعلّم كتابة الشعر (وفي أي حال ليس الهدف من ذلك في الغرب سوي اقتصادي محض كما قلت أعلاه) بقدر ما أطالبها بأن تنشئ مكاتب تهتم بالترويج للشعراء . بكلامٍ آخر، أتمنّي إنشاء مكاتب تؤمّن لكل شاعر وشاعرة وكيلاً يروّج له ولها إعلامياً، أي يروّج لكل كتاب يصدر ويسعي له في الصحف من أجل الدعاية، تماماً كما يحصل في الغرب حيث دائماً ثمة موظّف يقيم الصلة بين الشاعر ودار النشر والصحافة. أطالب بذلك من أجل حرية وديموقراطية الشاعر عامة، والشاعرة خاصة، أي الشاعرة التي تصنع إسمها بذاتها، بعرق جبينها، والتي تتّكل علي عملها فحسب. فتتساوي عندئذٍ الحظوظ، ولو أن المساواة هنا ظلم!!هذا الكلام يعيدني بعض الشيء الي فيلم شاهدته مؤخراً، مذكّرات غيشا ، حيث يمكنني المقارنة بين حياة بعضهن ممن يحببن الشهرة (اما بحث الشاعر عن اعتراف العالم بأعماله في الصمت وبعيداً عن الصخب فشيء آخر) ويأتين خطأ إلي الكتابة مثلاً، بدل ان يذهبن إلي الطرب أو الرقص أو عرض الازياء وما يدعو للسخرية هو انهن ينتقدن الراقصة وعارضة الازياء! وهذا يذكرني بمثل شعبي اسباني يقول: الميّت يفزع من القتيل !، إذن أقارن بين حياة بعضهن ممن يلهثن وراء الأضواء، وحياة تلك الغيشات اليابانيات: فهذه كما تلك، لا تجد الحصانة والنفوذ سوي بدعم من الرجال، ذوي النفوذ والسلطة والمال، إذ أولئك لا يحبون سوي اصناف القطط.لكن هذا الكلام بدوره يأخذني قليلاً إلي سلطة الجسد، بعيداً بعض الشيء عن السلطة الأخري، لأعبّر عن إعجابي بطريقة تناول موضوع جسد المرأة في هذا الفيلم. فهو جسد خفي وأثيري ولو حقيقي، وجميل لأنه سرّي، ومدهش لأنه علنيّ، لكن علنيّته مهذّبة وذات استيتيكية عالية، راقية. إنه الجسد الجمالي! إنه الجسد الشعري بامتياز ولما كان لاق بكازانوفا (فيلم كازانوفا، أو لنقل البطل كازانوفا خفيف الي حدّ بعيد) ولا ببطل لوليتا لنابوكوف (بعيداً عن التزمّت البروتستانتي الامريكي، لستُ أفهم كيف يستطيع بعضهم أن يمدح ما يُسمّي علمياً بالبيدوفيليا! علي الارجح، هذا البعض لا يميّز بين الحرية الجنسية الجميلة وبين الفوضي المؤذية).يقول بورخس في حوار كنتُ قد ترجمته قبل سنتين (أيضا في الجريدة المذكورة أعلاه) ولم يُترجم من قبل الي العربية، يقول (رداً عن هذا السؤال: بورخس، هل الفن طريقة لبلوغ الأبدية؟ ): بما اني لا أتوقّع بلوغ الأبدية، فالأمر لا يهمّني .لم يكن يهتم بورخس بالأبدية إذ لم يكن يؤمن بها، وكان يري إلي الدين كإحدي الفانتازيات الأدبية وكان يري الي حتمية الموت بعين زاهدة كي لا أقول باردة. بورخيس كتب كثيراً ولم يأبه لنرجسيّته.وأتساءل، عمّا قد يبحث كل مرء يطبع (ولا أقول يكتب) كتاباً؟!قد يبحث عن اشباع أناه وأنانيته وغريزة نرجسيته وغروره، هذا في أسوأ أحوال التفاهة، وقد يبحث عن الأبدية، هذا في أفضل أحوال العمق، لكني لم ألهث يوماً وراء الأبدية اذ ذهبتُ إلي أبعد منها قبل ان أعيها، ذهبتُ رغماً عني الي ما هو أصعب منها، لأني كتبتُ الشعر في محاولة مني لفهم الكلمة،هذا فحسب،ولم أقم سوي بذلك، سوي بالوقوع في شرك الكتابة والحرية كما وقعت الغيشا في شرك الطاعة والعبودية. نهاية، قلت دائما لكل من يسألني، الشعر ليس إلهاما (كلمة رديئة إذ عتيقة)، إنما فعل كتابي فحسب. فعل كتابي حر يضاف إلي حالة شعرية نادرة ! كاتبة من لبنان0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية