أيام الإنسان السبعة
عزت القمحاوي أيام الإنسان السبعة1الأسبوع الماضي فكرت أنني لست مجبراً علي البقاء في مدينة تختنق بالدخان وفوقه تراب الخماسين، وفوق ذلك أنني وأمثالي من البسطاء لانستطيع أن نستخدم شوارعها إلا بعد أن تمر مواكب الكبراء، مثلما يأكل الخدم بعد رفع مائدة السادة. والإنسان ليس مجبراً علي البقاء طوال الوقت في مقام الخدم الذين يأكلون بعد فراغ سادتهم، أو من اغتصبوا السيادة، فجهزت حقيبة تكفي لعدة أيام وبها بعض زاد القراءة حتي لا أكون مجبراً علي قراءة صحف نتحازن فيها دون أن يكون السادة مجبرين علي أن يرقوا لحالنا؛ فهم مشغولون في كل ساعات الصحو بإحصاء مكاسبهم. وإذا ما رفع أحدهم صوته بالكلام عن مفاسدهم حبسوه حتي لا يلخبطهم ويجعلهم مجبرين علي العودة إلي العد من البداية.2من بين الكتب التي حملت في حقيبتي رواية أحمدو كوروما الله يفعل ما يشاء وعنوانه الأصلي في الفرنسية الله ليس مجبراً لكن يبدو أن المترجم عدنان محمد كان مجبراً علي ترجمة العنوان بهذا الشكل اتقاءً لهبة المسلمين الذين لم يعد يفهمهم أحد، حيث يحتجون علي الرسم والكلمة التي تسيئ إلي المقدسات، بينما يتولون بأنفسهم نسف المقدسات في العراق!علي كل حال لم أكن مجبراً علي العيش في جرح العراق، فقد تولي أحمدو كوروما تزويدي بالجرعة المطلوبة من الآلام عبر سرده لوقائع الحروب العبثية في أفريقيا، علي لسان الراوي الطفل المحارب إبراهيما الذي شارك في رش الآخرين بالكلاشينكوف ليتساقطوا كالذباب دون أن يكون بينه وبينهم أية قضية أو ثأر شخصي، لكنه كان مجبراً علي فعل هذا، بعد أن فقد والديه وأصبح وحيدا، ولم يعد لديه ما يقوم به سوي أن يصبح محارباً طفلاً ويستمتع بأكل القلوب والأكباد البشرية مشوية أونيئة، فهو ليس مضطراً إلي الأكل بذات الطريقة كل مرة.3وفكرت: إنني لست مجبراً علي مجالسة أي كان في رحلتي التي أستريح فيها من مدينة ينزل السادة شوارعها دون أن يكونوا مجبرين علي ذلك، لافتتاح مشروع مفتتح سلفاً أو مشاركة الناس فرحة نصر كروي، دون أن يكونوا مجبرين علي ذلك، ولكنهم إذ يفعلوا يكونون مجبرين علي إعلان فرحتهم من وراء حاجز زجاجي مضاد للرصاص. جلست بحريتي في مقاه وبارات، دون أن أكون مجبراً علي تبادل الكلام مع أحد من الغرباء حولي، ولكن أذني التقطت مجبرة بعض طرطشات كلام لا أستطيع الآن أن أربط منها جملة واحدة مفيدة، ولست مجبراً علي تقويل الغرباء الطيبين مالم يقولوا، لكن والله العظيم، كثير من الكلمات المتطايرة كانت: مافيا، عصابة، بنما، وكلمات من هذا القبيل. 4لا أفتري علي الآخرين، كما أنني في الوقت ذاته لست مجبراً علي مساعدتهم في صنع جمل مفيدة بتعبئة ما تركوه بلؤم من فراغات بين هذه الكلمات الموحية. وقد عاهدت نفسي قبل أن أصل إلي المدينة الساحلية علي تأمل البحر كأفق للجمال والحياة المختلفة. ورغم أنني أتطلع إلي جهة الشمال فلست مجبراً علي تذكر ممدوح إسماعيل صاحب العبّارة المنكوبة، الذي صار الآن علي الضفة الأخري من المتوسط، دون أن يكون مضطراً إلي الاعتذار عن قتل ألف وأربعة عشر مواطناً، ودون أن يستوقفه أحد. ولكنه هو الذي كان يقتحم جلساتي، كنت مجبراً علي ذلك، لأن الآخرين كانوا مصرين علي الحديث بإعجاب عن الرجل الذي يمتلك إحدي صفات الله تعالي: أن يميت دون أن يحاسبه أحد.5رغم كل طرطشات الكلام التي وصلتني عنوة كنت في أسعد أحوالي، ولكنني للأسف كنت مجبراً علي العودة مرة أخري إلي المدينة المغبرة بالدخان وتراب الخماسين. ولأسباب مهنية بحتة كنت مجبراً علي معاودة النبش في الخراء، أي قراءة ما فاتتني من صحف أيام العطلة القصيرة، لأكتشف أنهم غافلوني وشرعوا في إهداء سلسلة محلات عمر أفندي إلي مستثمر سعودي! هل كانت الثورة مجبرة علي نزع ملكية المصريين لإهدائها بعد أربعين سنة إلي السعوديين؟ الإمبراطورية الاقتصادية تضم اثنين وثمانين فرعاً بمخازنها وسياراتها، بينها فرعان مسجلان علي لائحة الآثار ولا يقدران بثمن! وتم الشروع في بيع هذه الإمبراطورية للسعودي بنصف مليار جنيه مصري أي بتسعين مليون دولار، وهو مبلغ يساوي ثمن خمس شقق سكنية في عمارة معروفة علي النيل!6السلسلة العملاقة التي تتراوح مساحات فروعها بين الثلاثة آلاف والعشرة آلاف متر بلغ نصيب المتر منها في الصفقة مائة جنيه مصري، بينما يتعدي سعر متر الأرض الفضاء بجوار كثير من هذه الفروع العشرين ألفاً من الجنيهات. والقارئ ليس مجبراً علي تصديق هذا الجنون، ولكنه حدث بالفعل. وقد أرسل الله للمصريين نبيلا واحداً بين أعضاء لجنة التقييم رأي أنه ليس مضطراً إلي قبول هذه المهزلة، فامتنع عن التوقيع وتوجه إلي النائب العام ببلاغ يتهم فيه محمود محيي الدين وزير الإستثمار، تأملوا اسم الوزارة! ومعه هادي فهمي رئيس الشركة القابضة للتجارة يتهمهما فيه بتسهيل الاستيلاء علي المال العام. ولم يكن الوزير وشريكه مضطرين للسكوت فتقدما ببلاغ ضد يحيي حسين عبدالهادي رئيس شركة الأزياء الحديثة وعضو اللجنة اتهماه فيه بإفشاء أسرار اللجنة الذي من شأنه أن يفسد مناخ الإستثمار، لأن ما يطلقه أصحاب المصالح الخاصة من ادعاءات واتهامات لا أساس لها من الصحة من شأنه أن يهدد ليس صفقة واحدة، بل مصداقية مناخ الاستثمار بأكمله وحق الشعب المصري في التمتع بالعائد من زيادة حركة الاستثمار، هكذا قال الوزير والله العظيم، ولست مجبراً علي هذا القسم، فالكلام منشور في صحف الدولة! والقارئ ليس مجبراً علي أن يفقد عقله، كما أن يحيي حسين عبدالهادي، الاسم الذي يحفظه المصريون اليوم عن ظهر قلب، ليس مضطرا للدفاع عن نفسه.7في كل جمهوريات الموز لا تكون السلطة مجبرة علي إقامة العدل دائماً، لكن ما يفرق بين عمر النظام في جمهورية موز وأخري هو عدد المرات التي يتطوع فيها صاحب المزرعة بإقامة العدل. ولو أن سيدنا المسيح جاء اليوم فلسوف يتخلي حتماً عن الأمثولة البسيطة للسمكة والحية؛ ففي أرذل التاريخ الذي نعيش الآن أتصور أن تكون موعظة المخلّص: من منكم يطلب منه ابنه دولة فيعطيه خرابة؟ ولكن فرصة الهداية قد فاتت، وهو عليه السلام قد أعذر من قبل، وليس مجبراً علي الصراخ مجدداً في البرية. ہ لم أكن مجبراً علي استخدام هذا العنوان، وكان بوسعي أن أستخدم عنواناً ورعاً الموعظة الأخيرة للمسيح أو عنواناً شاعرياً مثل: النبش في الخراء لكنني أحببت أن أتذكر الراحل العذب عبدالحكيم قاسم صاحب رواية أيام الإنسان السبعة .0