لاحظوا التالي: بعد إسقاط الإنفصاليين الأوكرانيين (كما تتجه أغلب التحليلات) طائرة مدنية ماليزية، وهو فعل إرهابيّ بامتياز، لم نجد في التغطيات الغربية وصفاً لهذا الحادث بـ «الإرهابي»، وهو يعني، فيما يعنيه، تجنّب الإعلام الغربي، وهو الإعلام الذي يحدد المصطلحات والأوصاف في العالم، إطلاق صفة «الإرهاب» على أوروبيين وحصرها، على ما يبدو، في المسلمين والعرب.
عام 1987، وبعد ضغوط مارستها الإدارة الأمريكية على الأمم المتحدة، مررت الأخيرة قرارات عن الإرهاب، يستنكر أقواها جريمة الإرهاب بأقوى المصطلحات التي تدعو جميع الدول الى العمل لمكافحته، ولكن الغريب ان القرار وافقت عليه 153 دولة ورفضته دولتان فحسب: الولايات المتحدة وإسرائيل.
سبب استنكاف أمريكا وإسرائيل عن التصويت لصالح القرار كانت عبارة فيه تقول: «ليس في هذا القرار ما يمكن أن يسيء بأية طريقة الى الحق في تقرير المصير، والحرية والاستقلال، كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة، للشعوب التي حرمت بالقوة من هذا الحق خصوصاً الشعوب التي ترزح تحت نظم استعمارية وعنصرية واحتلال أجنبي، أو تحت اية اشكال أخرى من السيطرة الاستعمارية، ولا على حق تلك الشعوب في الكفاح من أجل هذه الغاية والسعي الى الدعم وتلقيه».
رفض أمريكا كان وقتها لأن وصف الإرهاب كان ينطبق على جنوب إفريقيا في أيام الحكم العنصري، أما رفض إسرائيل فهو لإشارة القرار بوضوح الى الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان، وبالتالي فقد كانت مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لا تعتبر إرهاباً.
وبالنتيجة فإن إسرائيل وأمريكا وأوروبا (ولاحقاً الأنظمة العربية المغرمة بـ «مكافحة الإرهاب»، وكل الأنظمة التي تستخدم المصطلح) تقوم كلها على تفسير انتقائي لكلمة الإرهاب، فكل ما تمارسه هذه القوى ضد قوى أخرى او شعوب ليس إرهاباً، والعكس صحيح، وبجملة أخرى: كل ما يعجبنا من أفعال ليس إرهاباً وكل ما هو ضدنا إرهاب!
وبهذه الطريقة تعتبر أمريكا وإسرائيل ما تقوم به المقاومة الفلسطينية إرهاباً أما ما تقوم به إسرائيل فهو «دفاع عن النفس».
وتعتبر روسيا وحلفاؤها نضال الشيشانيين لانتزاع بلدهم من براثن الروس إرهاباً، كما ترى الثورة ضد الرئيس الأوكراني الموالي لها إرهاباً، فيما لا تعتبر – كما يبدو – اسقاط الأوكرانيين الموالين لها طائرة مدنية بكامل ركابها إرهاباً.
لا أحد مهتمّ بتعريف الإرهاب لأن هذا التعريف يلزم من يعرّفه به ويمكن أن يورّطه سياسيا وقانونيا وأخلاقياً، وبناء على هذا الخلط المقصود لكوكتيل الإرهاب سنجد أطرافاً متناحرة كل منها يسعى لاستنكار الإرهاب فيما تقوم كل منها باستخدامه ضد بعضها البعض بأبشع أنواعه، تحت أي تعريف كان.
في «مونديال» مكافحة الإرهاب يتنافس إرهابيون كبار على حيازة ملكية التعريف واستخدامه كيفما وأنّى شاؤوا والى الجحيم بكل البشر.
بعد أن تخففت إدارة باراك أوباما من عناء مصطلح «الحرب على الإرهاب» الذي ورثته عن الإدارة السابقة عليها استخدمت وسيلة لا يمكن إلا ان تدخل في تعريف الإرهاب: كسر القوانين الدولية لحدود الدول وقصف من تختارهم، دون أي محاكمة، بطائرات دون طيار: إرهاب نظيف لم يمارسه أحد ولم يره أحد ولكن ضحاياه بالمئات.
أما منافسو أمريكا في الطرف الآخر، مثل روسيا وإيران، فلا تقلّ حماستهما في «مكافحة الإرهاب» عن حماسة واشنطن، باستثناء أن الأولى ما زالت تفضل وسائل الحرب المباشرة: الدبابات والمدافع والصواريخ والاحتلال المباشر (في الشيشان وجورجيا وشبه جزيرة القرم)، وتستخدم الثانية تمويل وتحريك فرق وألوية وأحزاب وحركات وتوظيفها في القتل المباشر وغير المباشر لأعدائها.
وبسبب المنافسة الشديدة بين زعماء العرب على منصب المعتمد عالمياً كمكافح ضد «الإرهاب» فقد شهدنا مجازر ضد الشعوب بالأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة والمدافع والدبابات وحتى السكاكين والسواطير، كما في سوريا والعراق، أو بطرق أخرى، كما في فض اعتصامي «رابعة العدوية» و»النهضة» في مصر، أو بضرب الميليشيات «الثورية» للجماهير التي ناضلت من أجلها، كما في ليبيا.
وبالنتيجة، ففي «مكافحة» هذه القوى الكبرى والصغرى (والمتوسطة) للإرهاب شهد العالم إرهاباً عزّ نظيره في تاريخه.
رأي القدس