نوستالجيا بهيجة عن القيم البائدة للجواري اليابانيات

حجم الخط
0

نوستالجيا بهيجة عن القيم البائدة للجواري اليابانيات

ذكريات غيشا للمخرج روب مارشال:يحيي القيسينوستالجيا بهيجة عن القيم البائدة للجواري اليابانياتهذا فيلم ياباني الروح والحدث، وأمريكي الصنعة، وهو مبني علي كتاب آرثر غولدن الذي يحمل اسمه، وقد اخرجه روب مارشال، صاحب فيلم شيكاغو ، وتبدأ أحداثه في إحدي القري اليابانية المحاذية للبحر، حيث يضطر صياد سمك فقير إلي بيع ابنتيه إلي أحد الأثرياء في مدينة كيوتو، أما الزمن فهو في بداية الثلاثينات من القرن المنصرم، وتبدو الأجواء هنا يابانية بامتياز حيث البيوت القرميدية المتلاصقة، والنمط المعماري الداخلي المميز لها، وتبدو الأجواء مكفهرة عادة، والمطر لا يتوقف عن الانهمار، وعبر السرد للحكاية من قبل امرأة في شيخوختها اليوم، وهذا واضح من صوتها، نستعيد معها حكايتها منذ صغرها، حينما بيعت وأختها في ذلك الزمن الغابر، كان عمرها تسع سنوات، غضة لا تعرف من الحياة أسرارها، وقد اشترتها سيدة لتهيأها لتصبح غيشا حينما تكبر، وهذا المصطلح غيشا يبدو لنا أول الأمر مرادفا لمعني المومس، ولكننا نكتشف عبر أحداث الفيلم المتلاحقة أن المعني أسمي من ذلك، فهي تربي لتصبح فنانة، قادرة علي العزف، والرقص، والغناء، وتتعلم فن الإتيكيت والمشي، والتصرف بلباقة، وفن القول، وكل ذلك لكي تجيد الجلوس مع علية القوم وتسليتهم، وإمتاعهم، بجمالها، إنها تبدو جليسة، مشوقة، لا تبيع جسدها، فتلك مهنة المومسات، وهي ليست منهن، ويبدو أيضا أنه محرم علي الغيشا أن تقع في الحب، بل عليها أن تلوع القلوب الظمآنة، وأن ترفه عن الرجال المرهقين بالأعمال ومتطلبات الحياة.تلك صفات عرفها أجدادنا العرب في الجواري اللواتي كن يجلبن من أقطار الأرض كافة مسبيات أو رقيقات، ويتم تأديبهن بالدراسة، وتعلم العزف، وفهم الأمثال والحكم، والتطيب وإبراز الجمال، ثم يتم بيعهن بأثمان عالية إلي من يشتريهن من الأمراء والقادة، وكان أجدادنا يتفننون في التسابق إلي هؤلاء الجواري اللواتي كما يبدو كن يتجاوزن دورهن إلي تقديم متعة الجسد أيضا، و رغم أن فيلم Memoirs of a Geisha أظهر لنا الجانب الجمالي من هؤلاء النساء المحظيات اللواتي يعشن في عالم من الحرير، فإنه أغفل عامدا الجانب الآخر منهن، وهي أنهن يعملن من أجل المال، وأن لكل واحدة ثمنها، وأول هذا هو دفع ثمن العذرية، وبعدها يتولي كفيل ما أن يتعهد بالمرأة لتصبح عشيقته، أو كما تقول في مذكراتها كنا أنصاف زوجات، لنا نصف الليل .وإذا أردت هنا الإشارة أكثر إلي تفاصيل الحكاية، فإنني أقول بأن الطفلة شيو ذات العينين الزرقاوين، أو المليئتين بالمياه، كما كان يصفها من يراها، قد عاشت في دار المرأة المجربة أو المعلمة علي رأي المصريين، والتي تدعي الأم (كاوري مومي) تنتظر نضوجها، وذات يوم التقاها الرئيس (كين واتانابي) وهي تبكي، وأهداها قطعة حلوي، وظلت تعيش علي تلك الحادثة التي أيقظت الأمل في نفسها، حتي إذا كبرت وأصبحت غيشا حقيقية، تدير الرؤوس لجمالها، لم تعرف كيف تبث لواعج قلبها لمحبوبها، وهو أقرب إليها من حبل الوريد، يراقبها من بعيد، ثم نري الأحداث تنقلب عن بكرة أبيها، حيث الحرب العالمية الثانية تلقي بظلالها علي اليابان، و يظهر الأميركان، بقيمهم المختلفة تماما، عما اعتاد عليه أهل البلاد، لكن التحول الدراماتيكي يأخذ مجراه أيضا في الحياة الإجتماعية، وهذا ما نلاحظه في مسألة التغير عند البعض، حيث يصبخ الكومينو اللباس التقليدي، جانبا من الماضي، والتراث السياحي..!ولكن هل الفيلم مبني لساعتين أو يزيد ليؤشر لنا علي انهيار القيم اليابانية التقليدية التي أودت الحرب بها؟أم هو مثلا يريد أن ينقل لنا حبا من النوع الذي أصبح منقرضا هذه الأيام، لعله يستعيد بعضا من الرومانسية المفقودة في ظل الجفاف العاطفي الذي يشهده زمننا؟ربما يكون كل ما ذكرت، أو يزيد، فالجماليات التي ظهرت لنا بدت أيضا في التصوير، حيث الاحتفاء باللقطات بشكل مبهر، إن بعضها يذكرني بتلك الصور التي رأيتها في صغري لنساء يابانيات علي رزنامة شهرية، حيث ظننت أن مثل هذا الجمال البشري، والألبسة الزاهية لا بد قادمة من الجنة، وربما هذا ما يشعر به المشاهد في اللقطات الخاصة بالحديقة، وتلك الرقصة التي تؤديها سايوري (الممثلة زيي زانغ) التي كانت طفلة بريئة ذات يوم، وهي الآن أشهر غيشا في كيوتو، ويتسابق الرجال لشراء عذريتها.بالطبع تبدو بعض القيم، والمبالغة في البهرجة اللونية مصدر سخرية بالنسبة لأبناء الغرب وبناته اليوم، وهي أقرب إلينا نحن أبناء الشرق، إذ هي تنتمي إلي روح واحدة سادت عند أجدادنا ثم بادت قبل أن تصل إلينا، ولكن الفيلم يعكس أولا ذلك الأداء المتميز للممثلين المشاركين، صحيح أن معظمهم من الصينيين، وممثلة من جذور ماليزية، ولكن الشعور لدينا بأننا نشاهد فيلما يابانيا تماما قد وصل، فمن الصعب أحيانا التفريق بين الوجوه المتقاربة الملامح لبني الجنس الأصفر.أجمل اللقطات، وأقربها إلي القلب كانت الأخيرة حيث يعترف الرئيس بحبه لسايوري، وأنه انتظرها سنوات طويلة منذ الطفولة إلي اليوم، وربما هذه اللقطة أيضا مصدر سعادة لنا نحن المشاهدين الذين تورطوا لساعتين من الزمن في الإيقاع البطيء للأحداث وتحمل آلام سايوري وحياتها البائسة، وحبها المستحيل وصولا إلي التنهد الأخير الحمد لله وأخيرا تكرم الرجل الوسيم بإطفاء لهب الشوق الذي أحرق غيشا أو كاد.بقي أن أشير إلي أداء الممثلة المتميزة زيي زانغ التي عرفناها في أفلام كثيرة، ولا سيما الأكشن منها، حيث بدت مقاتلة خطيرة في الفيلم الصيني البطل مع جت لي، و هي حقا تمتلك قدرات تعبيرية خاصة، وهي هنا بدت معتمدة أساسا علي تعبيرات الوجه وبكل هدوء، أما المخرج روب مارشال فقد اهتم بأن يضفي الحيوية علي فيلم ذي إيقاع هاديء حتي لا يصاب المشاهد بالملل، لهذا انشغل بالمشهدية البصرية، وبالموسيقي، وبعض الأداء التعبيري الراقص، أو اللحظات الحرجة للغضب التي تستولي علي بعض الشخصيات أو الغيرة القاتلة، لا سيما عند هاتسوممو (غونغ لي)، وماميها (ميشيلي يوو)، وهن من بنات الغيشا المحترفات.فيلم ذكريات غيشا سيحبه الرومانسيون كثيرا، لأنه يمثل لهم حالة من الحب الصامت، والإخلاص الذي لا ينقضي رغم مرور السنوات، ولأن قصته تبدو مغلفة بالصدق والحنين لأيام خلت.كاتب من الأردن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية