معركة قانونية حامية الوطيس تدور بين المسلمين ومركز فيزنتال حول مقبرة مأمن الله في القدس

حجم الخط
0

ضرر بالغ سيسببه اقامة متحف باسم يهودي ضد النازية فوق عظام الموتي المسلمين

في وقت ما من عام 1945، شعر حارس مقبرة ماميلا (الاسم العربي مأمن الله) الاسلامية بأن أمورا غريبة تحدث هناك. مجهولون قاموا بفتح القبور وأخرجوا الموتي وانتزعوا منهم الأسنان. الحارس أعلم المسؤولين بالأمر ووصلت القضية الي عِلم مدير عام الأوقاف في القدس. في الخامس عشر من حزيران (يونيو) 1945 أرسل المدير العام رسالة الي مدير الأوقاف وطلب منه تقريرا مفصلا. الحارس ضبط يهوديا أو غيره وهم يسرقون أسنان الموتي، كتب المدير العام، بودي أن أعرف ماذا فعلت بهذا الصدد. نسخة من هذه الرسالة ما زالت محفوظة في ملف سميك في مكتب الأوقاف في الحرم.

مقبرة مأمن الله في ماميلا قديمة جدا. وقد كان المسلمون في القدس يستخدمونها منذ القرن الثالث عشر علي الأقل، والتقاليد المروية تتحدث عن أن بعض صحابة النبي محمد قد دُفنوا فيها. ملف المقبرة في مكتب الأوقاف سميك ليس بسبب قِدم المقبرة، وانما بسبب واقعها الحالي أو مستقبلها في واقع الأمر. مركز شمعون فيزنتال ينوي بناء متحف التسامح في الموقع بميزانية قدرها 200 مليون دولار. المسلمون يحاولون ايقاف هذا المشروع.

لا خلاف علي أن الموقع المُعد للمتحف يمثل مقبرة مكتظة. في كانون الاول 2005 بدأت سلطة الآثار بتفحص المنطقة كمرحلة تمهيدية للشروع في الأعمال. ولكن سرعان ما تبين أن الموقع مزدحم بالقبور، كما جاء في رد سلطة الآثار لمحكمة العدل العليا. مئات الهياكل ظهرت في المكان وبعضها في صورة شبه كاملة، الأمر الذي يشير الي انها ليست قديمة جدا. وحسب وجهة نظر سلطة الآثار، هناك 200 قبر قد تم اخلاؤها إبان الحفريات واكتشاف 200 قبر غيرها. نتائج الحفريات تُدلل حتي الآن علي دفن بخمسة مستويات، جاء في رد سلطة الآثار للمحكمة. المقبرة منظمة بصورة نموذجية، الأمر الذي يشير الي ادارة مركزية لها عبر الأجيال.

الاعمال جرت بصورة سريعة الي أن تم التداول في القضية في أروقة محكمة العدل العليا. عملت في المكان طواقم من 200 شخص، وفي دوريات أطول من المعتاد. سلطة الآثار نفت أن تكون الاعمال قد تمت بصورة حثيثة حسب مطلب اهود اولمرت. حجاي الياس، الذي كان ناطقا بلسان اولمرت كرئيس للبلدية خلال سنوات، ويعمل اليوم مستشارا اعلاميا مستقلا لاولمرت ولمركز فيزنتال، يقول إنه لم يكن هناك أي توجه من اولمرت لسلطة الآثار من اجل تسريع وتيرة الاعمال. الي جانب ذلك أيد اولمرت المشروع وما زال علي موقفه حتي الآن. منظمتان عربيتان اسرائيليتان الكرامة النصراوية لحقوق الانسان و جمعية الاقصي ذراع الحركة الاسلامية الشمالية برئاسة الشيخ رائد صلاح، شرعتا في اجراءات قانونية لايقاف اعمال سلطة الآثار. وهذا ايضا سبب كافٍ لتسريع وتيرة الاعمال.

المسؤولون في مركز فيزنتال يقولون إنهم لم يعرفوا بوجود مقابر تحت الارض التي خصصتها بلدية القدس لهم لبناء المركز الراقي الذي كُلف المهندس المعماري الامريكي الشهير فرانك غاري باعداد مخططه. النية تتجه الي اقامة متحف في المكان الذي كان حتي قبل أشهر ساحة لوقوف السيارات علي أطراف حديقة الاستقلال، وقد نشر الأمر في كافة الصحف بما فيها صحيفة عربية توزع في القدس. إلا أن أحدا لم يتقدم باعتراض، كما يقولون في مركز فيزنتال.

الأوقاف حذرتحسب كمية المراسلات الموجودة في مكاتب الأوقاف، لم يكن علي بلدية القدس علي الأقل أن تستغرب من الجلبة المثارة حول القضية. في عام 1985 مثلا قدمت الأوقاف اعتراضا عندما نشرت البلدية خطتها لتوسيع ساحة وقوف السيارات في شارع هيلل المجاور للمقبرة. عدنان الحسيني، مدير الأوقاف، يقول إنه وأعوانه قد أنقذوا عظاما كانت قد تكشفت خلال الحفريات. لقد أرونا العظام، يقول أمير حشين، مستشار الشؤون العربية في البلدية، ولكننا قلنا لهم إنهم قد جلبوها من موقع آخر، وإنه لا يُعقل أن يكونوا قد وجدوها في ماميلا. ورفضنا ادعاءاتهم.

منذئذ أخذ الملف المخصص للمقبرة يمتلئ بالرسائل التي تُرسلها الأوقاف محذرة من المس المحتمل بالمقبرة. في كانون الاول (ديسمبر) 1991 رد آفي ملماد، مستشار البلدية للشؤون العربية حينئذ، لقد تلقيت رسالتكم وزرت الموقع ولم أشاهد أي شيء مما تتحدثون عنه حول الحفريات أو ساحة الوقوف. الأوقاف تلقت ردا مماثلا من ايلان كوهين، مدير عام البلدية في آب (اغسطس) 1994. في كل مرة نقترب فيها من ماميلا تبدأ جلبة في الجهاز، يقول أمير حشين، أنا أذكر أننا قمنا بشق شارع من شارع أغروز الي شارع هيلل عبر حديقة الاستقلال، وقد شاهدت بأم عيني عظاما في داخل الارض.

حشين يقول انه حاول التوصل الي تفاهمات مع المسلمين في كل مرة تظهر فيها مقبرة. في منطقة المالحة مثلا ظهرت مقبرة إبان بناء مدرسة، ومن خلال الحوار مع المسلمين اتفق علي احاطتها بحيث لا تتضرر المدرسة. وفي حالة اخري في العيسوية اتضح أن توسيع أحد الشوارع يستوجب المس بالمقبرة المحلية. وعندها توجهت البلدية الي شخصيات القرية فقاموا بزحزحة المقابر كما أرادوا. حشين علي قناعة أن قسم التخطيط في البلدية علي الأقل يجب أن يعرف أن هناك مشكلة في ماميلا لان النظر في الملفات وحده كفيل بايضاح الأمر. من صادق علي بناء متحف هناك تصرف بحماقة وعدم احساس وتجاهل الواقع، يقول حشين.

المسؤولون في مركز فيزنتال لا يدعون فقط انهم قد حصلوا علي الارض بصورة قانونية بل انهم يوردون في معرض ردهم تدعيما من الشريعة الاسلامية. مقبرة ماميلا حسب قولهم هي مقبرة متروكة ولذلك زالت عنها صفة القداسة منذ سنوات كثيرة. الدكتور شموئيل بركوفيتش المحامي والخبير في الاماكن المقدسة في القدس قال في وجهة نظره التي قدمها للمحكمة باسم مركز فيزنتال انه في عام 1927 اقام المفتي الحاج امين الحسيني فندق بالاس علي ارض تقع في الطرف الجنوبي من مقبرة ماميلا. بركوفيتش استند حسب ما ظهر علي مذكرات مقاول يهودي قام ببناء الفندق بتكليف من المفتي. المقاول كتب بانه وجد عظاما في المكان وأعلم الحسيني بالامر فطلب منه هذا الاخير أن يلتزم الصمت واصدر فتوي تحظر مواصلة الدفن في مقبرة مأمن الله. الا ان بركوفيتش لم يجد هذه الفتوي. المهندس المقدسي دافيد كرويانكر يقول ان المجلس الاسلامي الاعلي قد خطط لاقامة جامعة اسلامية منذ الثلاثينيات علي ارض المقبرة. وهو يرتكز علي صورة لنموذج راق كان قد شاهده علي جدار في مكتب مهندس الاوقاف قبل سنوات كثيرة. مهندس الاوقاف تهرب من اعلامه بالغاية من هذا النموذج الا ان كرويانكر علي قناعة انه يتلاءم حسب قياساته وابعاده مع مساحة مقبرة ماميلا. كرويانكر ايضا لا يملك خطة مفصلة تدلل علي تقديم طلب بناء جامعة في المكان.

في مكتب الاوقاف ينفون هذه الادعاءات. فندق بالاس كما يقول عدنان الحسيني بني علي ارض وقفية خالية من القبور. والفتوي المزعومة لم تصدر ابدا ولا وجود لمستند خطي يبرهن عن ذلك والفتوي غير المكتوبة ليست بفتوي. وفي كل الاحوال المسلمون واصلوا دفن موتاهم في مأمن الله حتي احتلال المكان علي يد اسرائيل في 1948. المثال الذي يورده الحسيني علي ذلك هو رسالة الحارس حول سرقة أسنان الموتي. كيف يمكن اعتبار المقبرة مهجورة ان كان لها حارس؟ سأل الحسيني.

بركوفيتش ايضا يملك ادعاء قويا. في عام 1964 توجه رئيس بلدية القدس في حينه موردخاي ايش شالوم الي المحكمة الشرعية في يافا طالبا منها الاعلان عن مقبرة مأمن الله كمقبرة مهجورة. ايش شالوم اراد بناء حديقة بلدية هناك (التي تحولت لاحقا الي حديقة الاستقلال). ولذلك اراد الحصول علي تخويل بازالة الشواهد. المجلس الاسلامي الاعلي قرر ان ماميلا هي مقبرة مهجورة كتب ايش شالوم للقاضي الشرعي الشيخ طاهر حامد وعليه اطلب منك ان تصادق علي ذلك. الشيخ حامد صادق بدوره مستندا الي نصوص اسلامية معروفة. بركوفيتش يقول الان: ان كانت المحكمة الشرعية قد صادقت علي ان مقبرة ماميلا مهجورة منذ 40 سنة فلماذا يأتي المسلمون فجأة الان للاحتجاج؟ ان لهذا الامر دوافعه السياسية يقول.

المسلمون يردون عليه بالقول ان فتوي حامد كانت غير سليمة حسب قول ضرغام سيف من منظمة كرامة. هو لم ير قرار المجلس الاعلي وانما استند الي رسالة ايش شالوم الذي يدعي انه رأي القرار. سيف يقول ان الشيخ حامد لم يزر الموقع علي ما يبدو والا لشاهد العظام الحديثه فيه. وعدا عن ذلك بعد صدور فتوي الشيخ حامد بفترة قصيرة ادين بالحصول علي رشوة مقابل اصدار قرارات طلاق مزيفة فكيف يمكن الاستناد له اذن؟

المحامي سيف توجه للمحكمة الشرعية طالبا منها اصدار امر بايقاف الاعمال في مقبرة مأمن الله. هو لم يفعل ذلك صدفة. الشيخ احمد الناطور يترأس المحاكم الشرعية وهو يعتبر ليبراليا ورائدا في اتباع نهج مستقل في مواجهة مؤسسات الدولة. من جهة اخري، هناك من يدعون انه مستقل جدا ومقرب جدا للحركة الاسلامية.

خشية من تضرر صورة اسرائيلبعد مدة قصيرة من دخول الناطور الي منصبه اصدر امرا يؤكد قداسة المقابر الاسلامية ويعتبرها خالدة وغير قابلة للازالة. بركوفيتش اشتكي من ذلك. المحاكم الشرعية في اسرائيل صادقت طوال 40 عاما علي تحويل المقابر الاسلامية الي مواقع بناء حسب قوله الي أن جاء الناطور وتجاهل كبار المشرعين الاسلاميين الذين يتيحون ازالة القداسة عن مقبرة بعد 36 سنة من تاريخ دفن اخرجت فيها. الناطور رد في رسالة جوابية للحاخام مارفين هاير مدير مركز فيزنتال بأن الشريعة تقف الي جانبه وان من المحظور زحزحة مقبرة مأمن الله من مكانها. المحكمة العليا هي التي ستقرر الان من الذي ستصدقه مركز فيزنتال أم ممثلو كرامة و جمعية الاقصي. الاعمال الان مجمدة وبناء علي قرار المحكمة التي ارسلت الجانبين للوساطة وعند القاضي المتقاعد مئير شمغار. المحامي سيف يرفض زحزحة المقبرة ولكنه يوافق علي نقل المتحف لمكان آخر وجمعية الاقصي مثله ايضا. اما في مركز فيزنتال فيعبرون عن الاستعداد لدفن الهياكل خارج الموقع المعد لهم. هم يريدون اقامة متحف التسامح علي ارض المقبرة كما أن سلطة الاثار حسب قولهم قد اخلت 85 في المائة من الهياكل حتي الان. المنطقة نظيفة. الا ان سلطة الاثار تقول ان نصف المقابر ما زالت في مكانها بعد. في مركز فيزنتال يدركون الضرر الذي ستسببه اقامة متحف باسم مناضل يهودي ضد النازية فوق عظام الموتي المسلمين كنموذج حي للتسامح.

عمير ربابورتكاتب في الصحيفة(هآرتس) 16/3/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية