العشـــــــــــاق : رواية البشــــــارة والثــــــــورة
الفلسطيني ليس عابر سبيل… ولم يولد من الحائط.. بل هو وريث حضارة موجودة في بطن الأرض وعلي وجههاصوت ام كلثوم يقابله صوت الطائرات وابتهالات الدراويش يغطي عليها قصف المطارات العربية.. ضاعت فلسطين العشـــــــــــاق : رواية البشــــــارة والثــــــــورة د. رابعة حمو تطل علينا رواية العشــاق للأديب الفلسطيني رشاد أبو شاور في طبعتها السادسة (2004)، عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت، في زيها الفلكلوري الفلسطيني. ويحمل هؤلاء العشاق وردة حمراء تعتلي سطح الرواية كعربون محبة وإخلاص لمعشوقتهم. صورة مفتاح تشكل خلفية بصرية للعنوان لتُرسخ من فكرة الحب والتفاني الذي ينصهر في معمار الرواية مكوناً ملمحها العام وعنوانها الرئيسي. لكن أي عشـاق هؤلاء؟ وأي معشـوقة تلك؟ سرعان ما نكتشف من أولي اسطر الرواية أنهم عشاق الأرض الفلسطينية الذين تماهوا وتشبثوا بهذه الحبيبة الغالية. وتكبدوا لهيب هذا العشق في أقدم مدن التاريخ أريحـا .تنفرش الرواية علي ثلاثة أقسام منفصلة شكليا ومتداخلة فنياً لتشكل في مجموعها 281 صفحة، هي مجموع صفحاتها من الحجم المتوسط الكبير. ويحتل عنوان مدينـة القمـر ، اسم القسم الأول منها الذي يتفرع عنه سبعة عشر جزءا مرقما من 1إلي 17، يبدأ في الصفحة 33، وينتهي عند الصفحة 142، مكونا بذلك أكبر أقسامها. ويتقدم هذا القسم سبع عشرة صفحة تعد بمثابة مقدمة وتمهيد لديناميكية السرد في الرواية. في الألـف الأول بنـيت أريحـا . عبارة استهلالية تفتح بها الرواية أبوابها علي أقدم مدينة في التاريخ. ويأخذنا أبو شاور من يدنا لنجول معه وكأنه دليل سياحي ليطلعنا علي هذه المدينة العريقة. بل نكاد نسمع صوته وهو يقص علي مسامعنا معلومات تاريخية وطريفة. أعاد الكنعانيون العرب تشييد أسوارها وأبراجها، لحمايتها من الغزاة . ارتفعت أسوار أريحا وحدا وعشرين قدما، وعند زوايا السور جثمت الأبراج حيث يطل الحراس من الشقوق المائلة لمراقبة السهول الفسيحة، وسفوح جبال مؤاب شرقي الأردن ص5. أريحا مدينة القمر، تنبت أشجارا استوائية وجبلية وساحلية، مدينة جهنمية، غريبة، خصبة، أريحا ليست مدينة، إنها تاريخ، في تربتها تمتزج الأساطير بالواقع التاريخي. إنها مدهشة، البحيرة الوحيدة الميتة في العالم . ص8. لقد وجد علماء الآثار بقايا عظام أطفال في جرار فخارية تحت جدران البيوت في أريحا، فظنوا أن أهالي أريحا كانوا يذبحون أطفالهم أضحيات للآلهة كي تحفظ بيوتهم من الانهيار… أما موتاهم الكبار فكانوا يوارونهم في مقابر جماعية كي يدرأوا عنهم الوحشة . ص9.ويتدرج أبو شاور في تعريفه بأريحا منذ عهد أجدادنا الكنعانيين الذين عمروا الأرض، وغرسوا الأشجار، وحصّنوا المدينة بالأسوار والأبراج. فرحلوا وخلّفوا وراءهم هذه المدينة، وحكمتهم الخالدة: الحجــارة لا تحصـن المدن، الأســوار لا تـرد الغـزاة . ثم ينتقل إلي العصر الحديث، فيروي لنا عن سجن أريحا الذي شيده الانتداب البريطاني. وخلَّفه لقائد المقاطعة الأردني الذي تركه بأوراقه وأضابيره وملفاته ليصبح مقراً للحاكم العسكري الإسرائيلي بعد حرب 1967. ولا ينسي أبو شاور أن يعرج بنا علي مخيمات اللاجئين الذين تدفقوا علي أريحا بعد نكبة عام 48 وهي: عين السلطان، مخيم النويعمة، ومخيم عقبة جبر أكبرها وأكثرها كثافة سكانية.أما القسم الثاني من الرواية فيحمل اسم الحـرب: القسـم الأول . وقد قُسَّم هذا القسم إلي ثمانية أجزاء. يبدأ من الصفحة 144 وينتهي عند الصفحة 182. وفيه نتعرف علي استعدادات حرب 1967. فتطل علينا أم كلثوم بأغنيتها الوطنية: جيش العروبة يا بطل الله معك يا ويل … يا ويل من يمنعك ودي فلسطين الحزينة بتنتظر جايين نحرر البلاد … جايين نطهر الحمي طالعين كما طلع الصباح من بعد ليلة ظلمة ص144 وفي هذا القسم نستجلي ضعف الجيوش العربية المشاركة في هذه الحرب. فالجيش المصري لا يعرف جغرافية البلاد. والجيش الأردني انقطع عن جنوده الطعام في أولي أيام الحرب. فينتهي هذا القسم بالهزيمة، واحتلال الضفة، ومرتفعات الجولان، وقطاع غزة. ويصبح أهل فلسطين في زنزانة واحدة تضمهم بعد أن تقطّعت أوصالهم تسعة عشر عاما من الاحتلال الأول لأراضيهم عام 1948. وتستمر وقع أحداث النكسة إلي القسم الثاني من الرواية الذي يبدأ من الصفحة 148 إلي الصفحة 281. وفيه تتبلور حركة الشعب الفلسطيني القابع تحت الاحتلال برفض الذل والاستكانة. فيبدأ العمل الفدائي والسعي من أجل خلاص فلسطين وإعادة أبنائها إليها. وعند تتبعنا للحدث السردي في الرواية، نلاحظ أنه يبدأ من نقطة مغلقة، يتسع شيئاً فشيئاً، حتي يصل إلا ما لا نهاية. فالرواية تبدأ من أريحا، تتسع مروراً بحرب الأيام الستة، وتنتهي إلي ما لا نهاية ممثلة بالأمل، وفعل المقاومة الذي وُلد بعد هذه الهزيمة.أريحا: حرب 67 ميلاد المقاومة (الأمل)تحمل اللوحة النهائية في الرواية دلالات عدة. فارتباط محمود وندي بالزواج ورغبة الأب بإنجابهما الكثير من الأطفال، تشبه الارتباط والزواج الروحي الذي تم بين شطري فلسطين المحتلة، الشطر الذي احتُل عام 48، والشطر الذي احتُل بعد حرب 67 وما خلَّف هذا الارتباط المقدس من ولادة الطفل الذي يمثل حركة المقاومة الفلسطينية التي أخذت زمام المبادرة وقادت آمال وطموحات الشعب الفلسطيني بالتحرر من رقبة الدول العربية أولا وإسرائيل ثانياً. فصوت الطفل الذي يملأ الآفاق، هو البشري بميلاد المقاومة الفلسطينية عام 67، التي كانت ضرباتها الموجعة في العمق الإسرائيلي، ولعلعة رصاصها الحل الوحيد للتحرر. محمود وندي = أهل فلسطين 48 وأهل 67الارتباط/ الزواج (بعد خروج محمود من السجن) = الارتباط / الزواج الروحي (بعد انشطار دام 19 سنة)صوت الطفل/ ميلاد الطفل = صوت الرصاص هو حركة المقاومة البشارة / أمل المستقبل = البشارة / الأمل في التحرير الأبعاد السياسية في رواية العشـاق تشغل الأبعاد السياسية في رواية العشــاق جانباً مهماً. بل نجزم القول إنها تؤرخ لهزيمة 1967. وتبين الظروف السياسية التي فُرضت علي الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع قبل هذه الهزيمة. إذ تفضح الشخصيات الروائية من خلال أحداث الرواية أسباب النكسة..الهزيمة، أي هي رواية تأريخية انشطار دام 19 سنة ولا تقف عند هذا فحسب، بل وتفندها إلي 3 أقسام رئيسة. وهنا يترك أبو شاور لشخصياته العنان لتكشف عن هذه الأسباب. فنسمع صوت الأستاذ محمود وهو يميط اللثام عن تواطؤ الدول العربية مع إسرائيل، وتسهيل مهمتها في التهام ما تبقي من الأراضي الفلسطينية. وذلك بزرعها بالعملاء والجواسيس والمارقين واللصوص الذين تسلَّطوا علي رقبة الشعب الفلسطيني، وساهموا في طحنه، وتعطيل قواه الوطنية، وملاحقة الفدائيين والمثقفين أينما كانوا، كشخصية أبـي صــالح/ رئيس بلدية أريحا، وأحـمد خطّـاب / الضابط في السجن الأصفر، والمختار / خال الأستاذ محمود، وإدريس/ ضابط الشرطة في المقاطعة. فكل واحد من هذه الشخصيات كان معولاً في ظهر الشعب الفلسطيني وأذاقه الأمرين. فأبو صالح لا يهتم بالسياسة. لكنه يجب أن يمثل الشعب في البرلمان. فالسياسة عنده مجرد وجاهة وليست مسؤولية وطنية، ومشروع مقاومة لطرد العدو. بل هي وسيلة: لاستدراج كبار المسؤولين في النظام من أمراء وضباط مخابرات ووزراء، وبعد الاحتلال استقبل في المحفل كبار اليهود إخوته في الماسونية ص17.أما شخصية احمد خطّاب، الضابط الفلسطيني في سجن عقبة جبر فكان سوطاً يُجلد به أبناء المخيم. ويفضح محمود أفكاره المتواطئة مع السلطة بالمونولوج الذي دار بينه وبين أحمد خطاب وقت خروجه من السجن. نحن جميعا نحب فلسطين. ولكن لكل أمر أوانه. ثم نحن لا نعرف من هم هؤلاء الذين يتسللون عبر الحدود. يدعون أنهم يقاتلون إسرائيل، حسناً، ولكن فليسفروا هؤلاء عن وجوههم. لماذا يتحركون في الظلام. يريدون جرنا إلي حرب لم نقرر خوضها بعد ص37.ولم يقف موقف العملاء علي الوشاية والجاسوسية. لكن تعداه إلي اللصوصية والسرقة من قوت الشعب الفلسطيني، الذي يقبع في المخيمات ويلحقونه علي لحسة الحليب . فها هو الشيخ أبو نعمان ناطور المخيم، ومؤذن الجامع يتلقي الضرب المبِّرح علي رأسه من الجواسيس واللصوص. لأنه كان يراقب تحركات كبار المسؤولين والموظفين في مخازن الاونروا، ويعرف سرقاتهم ودسائسهم. هذا شقيقي، الشيخ أبو نعمان، لقد هاجمه مجهولون ليلة أول أمس وانهالوا بالعصي علي رأسه، وظهره، كادوا يقتلونه… ولكنه لم يخبر الشرطة… الشرطة ورئيس المخفر ومدير المخيم، ومساعد مدير المخيم يشكلون عصابة، أما المخاتير فواحد منهم شريك في العصابة، لأنه قوي ويعرف قائد المقاطعة ص 61.ومن مهام هؤلاء الجواسيس أيضاً خنق الشعب الفلسطيني، وبعثرة آماله في الحياة، وقتل كل شيء جميل في حياته. فمحمد الفنان الذي يتأبط عوده وكأنهما عاشقان، يتلقي الضرب والاهانه لأنه يغني في الحفلات الأغاني والأهازيج الفلسطينية ولا يغني لملك البلاد. هي أنت، يا ولد تعال. ارتجف قلب محمد، توجساً وغضباً، فهذا الشرطي إدريس، اشتهر بالاعتداء علي شباب المخيم، وإهانتهم أمام الفتيات.ها ماذا تريد يا سيد إدريس. قال إدريس: نريدك أن تنظف لنا المرحاض… أدار محمد ظهره، خطا خطوة واحدة، وإذا إدريس يمسك به من ظهره ويثبته… يا ابن الكلب، ستنظف المرحاض… قال إدريس: هاتوا المقص… احضر احد الشرطة المقص وناوله إدريس، الذي اخذ يجذب شعر محمد وهو يضحك… تغني في الأعراس، ها سيدنا لا يعجبك ص 98.أما السبب الثاني الذي تُفصح عنه الشخصيات في الرواية، فهو قلة الاستعدادات العربية لخوض معركة كبيرة وحاسمة كهذه. فالإذاعات العربية خاضت حربا إعلامية هزّت الوطن العربي بطوله وعرضه، ووعدت الشعوب العربية بنصر مظفر علي إسرائيل، والادهي من هذا النصر استعادة فلسطين من قبضة إسرائيل. بينما الواقع علي أرض المعركة شيئ آخر. فقد هُزمت الجيوش العربية الثلاثة في ستة أيام، واحتلت إسرائيل ما تبقي من فلسطين وسيناء والجولان. إذا كانت الاستعدادات العسكرية بقوة الأغاني، وجودة الألحان، فالنصر حليفنا، أما إذا كانت الأغاني أفضل من الاستعدادات فالويل لنا ص 146. ارتفعت أصوات في الخارج: سلاح، سلاح، نريد سلاح ص 153. والله العصا أفضل من بنادقكم التي خاضت الحرب العالمية الثانية.هذه بنادق أكلها الصدأ. إنها لا تنفع لصيد العصافير ص 161.ولم تقف قلة الاستعدادات علي قلة الأسلحة وعدمها في مناطق أخري. كذلك قلة التموين. فأنـّي لجيش يتقدم في المعركة وينتصر ولم يصل له الطعام منذ أول يوم في الحرب؟! وبدل أن يدافع عن الشعب، أصبح عبئاً عليهم ينتظر امدادات الطعام منهم. صورة مقلوبة، تؤدي إلي نهاية معكوسة! يا شاويش المخفر هل ستعيدون فلسطين بجيش انقطع عنه التموين في اليوم الأول للحرب؟ يا شاويش المخفر، أمس سألني احد ضباط الأمن عن الطريق المؤدي إلي عين الديوك ، إنه ضابط استطلاع ولكنه لا يعرف أين تقع عين الديوك، وهل توجد طريق ترابية عريضة توصل إليها أم لا. ومع ذلك تقول أنها حرب ص158.أما ثالث هذه الأسباب فهو عدم وجود قيادة فلسطينية سياسية وعسكرية تقود الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات. فمنذ الثورات الأولي في فلسطين، وقيام الاضرابات الكبري فيها افتقدت الحركة الثورية الفلسطينية لقيادة تقود الشعب الفلسطيني نحو التحرير. فاحتلت الدول العربية القضية الفلسطينية. وأصبح حال الفلسطينيين كالأيتام علي مائدة اللئـام . وبقيت أمورهم كذلك حتي بزغت شمس المقاومة بعد نكسة 67. وأثمر صبرهم عن ميلاد حركة المقاومة التي ولدت من رحم المخيمات، وعزائم شبابه ونسائه. وولَّدت تحركات الفدائيين المتسللين أملا في الخلاص من الاحتلال. وتشير آخر فقرة في الرواية الي ميلاد هذه الحركة الثورية التي مثلت الأمل في التحرير وعودة الحقوق المغتصبة. أخذ المساء يهبط ناعماً، رطباً بالنسمات المنعشة، تمتم أبو خليل وهو يسير بمحاذاة الجدول، مصغياً للخرير: (تزوجا يا محمود أنت وندي، وأنجبا كثيرا من الأطفال)، أنا اعرف انه موافقة. سمع ضحكة طفل، ضحكة طفل جذلي، مرحة، ولكن الرصاص كان يقطع تلك الضحكة، التي كانت تعود لتنطلق من جديد، حلوة ومرحة ص281.الأستاذ محمود وفعل المقاومةتعج رواية العشــاق بالشخصيات، وتتحرك بين دفتي الرواية بطقوس كرنفالية مهرجانية تضبط إيقاعها شخصية الأستاذ محمود، الذي يمثل مركز الرواية وثقلها، وترتبط به وكأنها فتات الحديد في حقل جاذبيته. لكن من هو الأستاذ محمود الذي يقود دفة الشخصيات في الرواية؟ يشي اسم الأستاذ محمود بمهنته. فهو أستاذ للغة العربية في مدرسة الوكالة في المخيم. سجن لأنه كان يحرض الطلاب ضد الحكومة. ما كنا نستطيع فعل شيء العين بصيرة واليد قصيرة، لنفرض أنك حرضت الطلبة علي الاضطراب. لماذا حرضتهم؟ لأن وطنهم امتهن. والمواطن أذل علي يد الغاصبين، ماذا في ذلك؟ ص80.اغتيل والده عباس عام 1955 علي أيدي حرس الحدود الأردني عندما كان طفلاً صغيراً. والدنا الذي اغتاله حرس الحدود الأردني، وهو يعود من الأرض بعد أن قاتل مع رفاق له ضد الاحتلال ص82. ويعتبر عضواً فعّالاً في الجبهة الشعبية ـ نستدل علي ذلك من أحداث الرواية ـ المحظورة من السلطات الأردنية في الضفة آنذاك. أحب ندي المعلمة أيضا في مدرسة الوكالة. فخططا للزواج، وبعد حلول النكسة عام 67 قررا البقاء في أريحا والصمود فيها. ونلاحظ أن الأستاذ محمود هو بؤرة العمل الوطني/ الايجابي في الرواية الذي تلتقي عنده جميع الشخصيات الايجابية والوطنية. فهو يؤسس مع أخيه مقهي ليتخذه غطاء لتحركاتهم الفدائية. ويشكل مع صديقيه (حسن و زياد) خلية للعمل الفدائي في أريحا. كما يرتبط بعلاقة صداقة قوية مع الأب الياس الذي يساعد الفدائيين ويعمل علي تغطية تحركاتهم ويبارك عملهم. كذلك يحب أبو خليل والد ندي (حبيبته) المتشبث بأرضه وزيتونته، الرافض التعاون والتجسس لصالح داوود الإسرائيلي. فالأستاذ محمود هو عصب الرواية وعمودها الفقري الذي ترتبط به بقية الشخصيات الأخري: الأستاذ زياد / حسن محمود ندي /أبو خليل المقاومة الأب الياس/ محمدكذلك نلاحظ أن الرواية تنفتح به وتنغلق به. إذ تنفتح اللوحة الأولي في القسم الأول علي خروجه من السجن بتهمة التحريض ضد الحكومة، ومساعدة الفدائيين في التسلل من أغوار الأردن إلي الضفة الغربية. فخروجه من السجن يمثل تحرره من رقبة العساكر الذين كسروا أضلاعه وضربوه في السجن. أما اللوحة الأخيرة فتغلق المشهد السردي برغبة والد ندي أن يتزوج محمود من ابنته، وان ينجب الكثير من الأطفال. وبهذا يصبح الأستاذ محمود حاملاً لدلالات عدة: 1 ـ الأستاذ محمود = فلسطينتحرر من السجن = تحررت من رقبة الدول العربية2 ـ محمود وندي = فلسطين 48/ فلسطين 67.3 ـ ارتبطا بالزواج = ارتبطا بعد انفصال دام 19 عاما محمود وندي = فلسطينرغبة الأب بإنجاب الأطفال = أنجبت المقاومة الشخصيات الدينية في الروايةتتوزع الشخصيات الدينية في الرواية علي أربع شخصيات محورية هي: الشخصيات الإسلامية ممثلةً بالشيخ أبو نعمان. والشخصيات المسيحية ممثلةً بالأب حنا والأب الياس. والشخصيات اليهودية ممثلةً بداوود. وتضفي هذه الشخصيات المِسحة الدينية علي الرواية. ونلاحظ أن دخول هذه الشخصيات ليس من قبيل المصادفة، بل هي تأكيد علي دورها الذي لعبته أثناء نكبة الفلسطينيين. فالشيخ أبو نعمان فقد زوجته وأولاده في حرب 48، يعمل مؤذناً لجامع مخيم النويعمة وناطورا لمخازن أغذية الاونروا التي كانت تصرف المؤن للاجئين الفلسطينيين. فكان لحسِّه الوطني وخوفه علي لقمة الطعام للأطفال الفلسطينيين، انه اكتشف العملاء والجواسيس الذين طالت أيديهم مؤن الاونروا. فكان نصيبه تهشيم رأسه وضربه وفي النهاية قتله. الشيخ أبو نعمان، لقد هاجمه مجهولون ليلة أول أمس وانهالوا بالعصي علي رأسه… ضربوه لأنه يحرس مخازن توزيع مؤن الوكالة، إنه يراقبهم بحزم، لقد رفض أكثر من مرة أن يسمح لهم بإخراج المسروقات ص 60. اليوم الجمعة، قلت أروح واصلي مع خالك ابو نعمان… رحنا إلي المسجد. كنت أنا داخل المسجد أصغي لآذانه حين دوي الرصاص، تمددت علي الأرض، وبعد قليل انقطع الرصاص، فنهضت وركضت بلا وعي … فرأيت خالك وقد سقط عن المئذنة والدم يبلله، وجسده ساكن بلا حراك ص 264.أما الأب حنا فقد ساعد الفلسطينيين اللاجئين عام 48. ودلّك أقدام أطفالهم عندما هجم الثلج في تلك السنة، وبحث عن الحطب في بيوت أهالي بيت لحم. جسده الصغير ووجهه الطيب السمح، وعينيه الحزينتين، أتذكر كيف عمل بدأب وشجاعة لمواساة اللاجئين عام 1948 ص123. مسكين الأب حنا، ظل يعمل ليل نهار، يدلّك أقدام أطفال بالماء الساخن، يحضر الطعام، يتفقد الأسر المكدسة لصق بعضها… والله انه مات شهيدا لقد أحب المسيح فيكم وأحبكم في المسيح ص 88.أما الأب الياس فهو حزين جداً وشارد الذهن لا يأكل ولا ينام، يدور في شوارع المخيم وأزقته، كأنما يبحث عن الناس ص 199. لكنه يستعيد قوته وهمته بعد أن بدأت هجمات الفدائيين، كأنما أحييت الأمل في صدره من جديد بعودة الوطن. أنا مع حمل السلاح في سبيل تحرير الوطن ص127.أما رابع هذه الشخصيات فهو شخصية داوود اليهودي القادم من عصير الأساطير والخرافات ليثبت حقه في ارض فلسطين. فهو ينقب عن الآثار، ويبحث في الأرض، ويروي الخرافات ليثبت وجوده في فلسطين. وتمثل هذه الشخصية دور الشخصيات الدينية التي تستند علي التوراة والأساطير لتثبت حقها في فلسطين. لكنه يتلقي ضربة علي رأسه بعظمة كبيرة أخرجها والد ندي أبو خليل من جوف الأرض، وكأن أبو شاور أراد لهذه الشخصية أن تموت بعظمة مستخرجة من باطن الأرض كرد منها أن هذه الأرض ليست له، وأنها تتكلم عربي .المفارقــــــــة في روايــــــــــة العشـــــــــــــــاق يحمل مصطلح المفارقة في طياته معاني عدة كالسخرية، الغمز، الهزء، اللذع، والقبض علي التناقض، الهجوم علي المستقر الراكد، خرق السنن، قلب الدلالات، وأخيرا تجريد الخصم من المميزات بطريقة هزلية. وحين نعيد النظر في العشـاق نجد أن مظاهر المفارقة بادية في كل شيء. في الشخصيات، في الموقف، وفي وصف الأحداث. وهذا ما يشيع روح السخرية في عروقها، وما يفتح من فكاهة سوداء ترفع من نبض النص الروائي، فتترك وراءها أسئلة وأسئلة قائمة في النفس بحثاً عن المعني المقصود. ويقلب السرد عند أبو شاور ذلك النفس الفكاهي في الجمع بين النقائض حيناً، والانتقال المفاجئ بين حالتين لا تنتميان إلي حالة مزاجية واحدة أو وضع روحي واحد، أو من خلال الجمع بين الجد والهزل، أو غير ذلك مما يصعب حصره إلا بمواجهة الرواية. وسأبدأ بأولي لوحات السخرية عند أبو شاور وهي:1 ـ السخرية في الشخصياتنلاحظ أن أبو شاور سلَّط السخرية علي الشخصيات العميلة والجاسوسة في الرواية. وهذا ما يطمح إليه المبدع. الانتقام من شخصية الطاغية والمستبد بالضحكة السوداء التي توجه كالسهام إليه وتنتقص من قوته، بل وتذله أحياناً، وتثير الهزل والسخرية منه أمام الضعيف صاحب الحق حتي يحقق التوازن السردي في الرواية. إنها مفارقة خفية تجعل الابتسامة تتسلل بخفةٍ إلي الأعماق لتخرج من بين الشفتين في لحظة، وتتركنا ننفجر بالضحك في لحظة أخري أمام موقف مبني علي الحقد والكره لهذه الشخصية المنهزمة أمام نفسها وأمام محتلها، الذي جعل منها ألعوبة بين يديه. فتتبدد الضحكة السوداء وتنطلق كالسهم آخذة بثأر الضعيف الذي لا حول له ولا قوة.نتوقف عند أولي هذه الشخصيات وهي شخصية أبـو صـالح . فأبو صالح الذي فتح كراج بيته مرتعاً للماسونية، وكبار الموظفين، ووكالة الغوث ودوائر الدولة في أريحا، وقدم نفسه رخيصة للمحتل ضد أبناء شعبه، لا يفهم بالسياسة، لكنه يجب أن يمثل الناس في البرلمان. علاوة علي ذلك أنه ألثغ اللسان ينطق الكلام بطريقة مضحكة. وهنا نلاحظ أن أبو شاور جمع بين النقائض. فأبو صالح لا يفهم بالسياسة لكنه ماسوني (وهو حزب سياسي يرتكز علي أسس دينية). ويجب أن يمثل الناس في البرلمان (وما يمثل البرلمان من عرض لمطالب الناس والدفاع عن حقوقهم) إلا أنه ألثغ اللسان ينطق الكلام بطريقة مضحكة. إذا، كيف سيمثل شعباً تحت قبة البرلمان وهو يحتاج إلي من يفسر له كلامه؟!لكن وفر لنا أبو شاور هذا الجهد فهو الذي يقوم بهذه المهمة ففسر لنا كلامه بين قوسين بدل أن نقع في حيص بيص !ـ يا ثمير (سمير)، اذهب واثرخ (اصرخ)، قل لهم : غداً إضراب، بأمر رئيث (رئيس) البلدية. ص14ـ أطرق أبو صالح ثم رفع رأسه ببطء وقال … آ، ثحيح (صحيح)، لا تذهب. ص15ـ لقد أحرقتم الاقثي (الاقصي).. انتثرتم (انتصرتم) في الحرب معلش، استوليتم علي البلاد، ماشي الحال. لكن أن تحرقوا مثاجدنا (مساجدنا)ـ قال أبو صالح: أنا اثكر (أسكر) وأيضاً أحب النثوان (النسوان) واقترف كل الموبقات، لكن لا اقبل الاعتداء علي الدين.قال أبو صالح: غدا إضراب يا حاكم عسكري… ستحبس إذا حدث إضراب يا رئيس البلدية.ـ الحبث (الحبس) للرجال يا حاكم عسكري.ولا تقف السخرية من شخصيته المضحكة. كانت حملته الانتخابية كذلك: ففي كل يوم ومنذ الصباح، يدور سمير منادي البلدية والطلبة علي جنبه والأولاد خلفه وهو يتأوه ويتحشرج ويلهث، والعرق يتصبب من كل جسده:يا بو صالح عزك داميلبق لك البرلمانأما النساء الريحاويات المستأجرات، فكنَّ يغنين داخل ساحة البلدية تتوسطهن (فتحية) ذات السمعة السيئة، وهات يا خلع وغناء، ونقر درابك وتفقيش ولوي قدود. لكن أكثر أطراف الحملة انبساطاً هم شلة السواقين والزعران والحشاشـين، لقد كانوا يدورون بالباصات وفي سـيارات تزينها، أو تغطيها صور المرشح المستقل أبو صالح… كانت الباصات تمخر شوارع المخيم الترابية بسرعة جنونية مخلفة الغبار والضجيج، بينما الأبواق تمرق في الفضاء، فيتقافز الناس مبتعدين ويطلقون اللعنات علي المرشح المستقل وشلته. بعدئذٍ كانت قافلة الباصات وسيارات الشحن والتاكسي تتجه نحو البحر الميت، وهناك تأخذ الشلة في السكر والتحشيش، والعربدة، ويعودون بعد هبوط المساء مترنيحين فيسألهم أبو صالح أين كنتم يا أولاد؟فيجيبون وقد تعتعهم السكر:كنا نعمل دعاية في مخيمات اللاجئين. فينبسط الرجل، ويهتز جسده الضخم، وترتعش شراشيب طربوشه ص13.فهذه الحملة الانتخابية التي تتقدمها الدرابك، والراقصة فتحية، ويروج لها السكيّرون والحشاشون أجدي بحملة دعائية لافتتاح مرقص أو ملهي ليلي وليس حملة انتخابية للترشيح في البرلمان. هنا تنطلق الضحكة من هذه الحملة المشبوهة.أما الشخصية الثانية التي سأتناولها فهي شخصية بكر بيك الشركسي المثيرة للضحك، القريبة من الرسم الكاريكاتيري. فهو متوسط القامة، له رأس كبيرة، تستقر علي منكبين ضيقتين، متحفز النظرات، بذيء، كرشه كبيرة، قبضتاه كبيرتان، في الخمسين، خداه مكتنزان، شعر رأسه قصير أشيب، يضع (قلبقاً) علي رأسه في الشتاء. ويتدثر بفروة دائما ص20.ورغم غلظة شكله وجلافته التي توحي بالجد والصلابة والقسوة، إلا أنه أكل قتلة من زوجته أمام العسكر، في الدور الثاني من سجن أريحا، حيث كان يسكن، فتحطمت هيبته. لقد وشي أحدهم. للمرأة، بأن بكر بيك كان يخونها مع امرأة ريحاوية، وأعطاها العنوان، فداهمت زوجها في بيت الريحاوية ولكنه لاذ منها بالفرار، وفي الليل عاد مؤملاً العفو، لكنها تناولته بحذائها، فسال دمه ص 21.نلاحظ الانتقال المفاجيء بين حالتين لا تنتميان إلي مزاج واحد. فبعد أن عرفنا غلاظة بكر بيك وجلافته وشكله القاسي، ننتقل مباشرة إلي وضع مضحك. لقد أكل قتلة من زوجته. فنحس أن أبو شاور أراد الانتقام من هذه الشخصية بالسخرية منها أمام الجميع فهو قد أكل هذه القتلة أمام عسكره، لذا انكسرت هيبته ورحل من المنطقة كلها.وقد استطرق أبو شاور في هذه اللوحة. ففي إحدي المرات جلس بكر علي مقهي الدحمس الملاصق للمخفر مباشرة. فسأله احد الوجهاء عن سبب كرهه للشيوعين! فاحمر وجهه وقال: اكرههم فقط … لقد كانوا يلاحقوننا من مكان لآخر، كنت طفلا ولكني أتذكر … لقد كان أبي يدافع مع ألوف الرجال عن القيصر والدين الإسلامي.فسأله الوجيه مرة أخري: وما علاقة القيصر بالدين الحنيف. فقال: القيصر ما كان يريد الاستيلاء علي الأرض التي تخص والدي، ولكن الحمر كانوا يريدون الاستيلاء علي كل شيء من أجل الرعاع .وضحك الوجيه، فما كان من بكر إلا أن نادي حرسه، والشرطة من المخفر، وهو ملاصق للمقهي، وطلب إليهم اعتقال الوجيه لأنه احمر.لكن المخاتير ترجوا بكر بيك، وباسوا لحيته، بل إن أحدهم عمد إلي تقبيل (قلبقه) بأسلوب تبجيلي، ثم انتهت بتغريم الوجيه بدعوة بكر بيك والمخاتير علي خاروف ص 21. وبهذه النهاية تنفجر الضحكة فمن ملاحقة علي مدار ايام، وخوف، وغضب، واحمرار وجهه، وحرب ضد قيصر روسيا، ينتهي الموقف إلي دعوة علي خاروف. فالانتقال من الجاد إلي الهزل هو ما يبعث علي الضحك المتشفي من بكر بيك عدو الحمر .2. السخريــــــــة في المــــــوقفتظهر مفارقة الموقف الهادفة حين يكون هناك قلب في المواقف. فالكوميدي يصبح تراجيديا، والجد يتحول إلي الهزل. وأمثلة ذلك في الرواية كثيرة، ولكن سأكتفي بذكر حادثة واحدة. إذ يذكرنا أبو شاور بالمظاهرات التي قامت ضد حلف بغداد عام 1955، ويصف لنا حال الشعب الفلسطيني في تلك الفترة: في تلك المظاهرات حمل الناس الشهداء، والجرحي واندفعوا يهتفون والدم الساخن ينزف أمامهم، ويحني ملابسهم وأجسادهم لكن الجنود طلوا برؤوسهم الصغيرة من وراء الصخور البركانية السوداء، وقد طلّوا وجوههم بالهباب الأسود وسددوا فوهات بنادقهم، ثم حيث تقدم الناس أطلقوا عشرات العيارات النارية فسقط المزيد من الجرحي ولاذ الناس بالفرار… وفي اليوم التالي تدفقت الجموع الغاضبة من المخيمات الثلاث، وهدرت ألوف الحناجر، وتمكن الناس من بلوغ الساحة الرئيسة في المدينة … وفيما كان احد الحزبين يلقي خطاباً يدعو فيه إلي الوحدة العربية، ويمتدح جمال عبد الناصر، ويكيل اللعنات للجنرال (تمبلر) ونوري السعيد، وحلف بغداد ارتفع صوت مجهول:ـ إلي مشروع العلمي يا شباب. لندمر العملاء يا شباب … بلغ الناس البوابة الخارجية، تدفقوا إلي الداخل، واقتلعوا الأشجار، حطموا السيارات الأمريكية الأنيقة، لكنهم لم يسيئوا للعمال المقيمين. فتحوا أبوب المداجن، وتدفقوا ليمسك كل واحد منهم دجاجة سمينة بيضاء أو اثنتين ص19.وتنطلق الضحكة من المفاجأة والمباغتة في انقلاب الموقف. فمن أجواء متوترة ومشحونة بالغضب، ورائحة البارود التي تزكم الأنوف، وصورة الجنود مطليي الوجوه بالهباب الأسود، وأصوات الهتافات، وسقوط الجرحي والشهداء ننتقل من هذا التوتر والوضع المتأزم. فتنقلب الصورة رأساً علي عقب. حين نري هذا الانقلاب الأبيض في خبر جريدة اليوم التالي للمظاهرة: ذهبوا يهتفون، وعادوا يكاكون ص 19.3. السخريــــــــة بالحـــــدثتستعرض رواية العشاق أوضاع الشعب الفلسطيني في المخيمات قبل حرب 67، وتعود قبل هذا التاريخ الذي ينبني علي أسلوب التداعي واسترسال الذكريات ثم العودة إلي زمن القص عند سرد الأحداث لنكسة 67 التي يغوص بها إلي أدق أسبابها. ومن هنا تتجلي السخرية في حدث الرواية، إذ تجسد الأغاني الوطنية، والمهرجانات الغنائية، وابتهالات الدروايش، والاجتماعات السياسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. استعدادات الدول العربية للحرب، فصوت أم كلثوم يقابله صوت أزيز الطائرات الإسرائيلية بطل النكستين. وابتهالات الدراويش يقابلها قصف المعسكرات والطيارات العربية الرابضة في المطارات. والاجتماعات الكوميدية للزعماء العرب يقابلها انتصار إسرائيل في حربها واحتلالها الشطر الثاني من فلسطين. وبدل استرجاع ما اغتصب من فلسطين، تحتل إسرائيل أراضيَ عربية أخري.وبعد هذه الوقفة القصيرة مع رواية العشـاق ، حريٌ بنا أن نسلط الضوء علي ما رسخت له هذه الرواية التي تعدُّ احد علامات الطريق في الرواية الفلسطينية، وهو: أن الشعب الفلسطيني ليس عابر سبيل، ولم يولد من الحائط، بل هو وريث حضارة قديمة تركت آثارها في باطن الأرض كما علي وجهها، وما السبيل لاستعادة الحقوق المغتصبة إلا بالمقاومة والسلاح، وبذل النفس، وليس بالخطب الحماسية، والأغاني الوطنية، كما رأينا في ثنايا الرواية. ہ أكاديمية فلسطينية مقيمة في باريس.7