الوَرَثة!

حجم الخط
0

الوَرَثة!

مفلح العدوانالوَرَثة!للبعيدين أخفض جناح الشوق من اللهفة، وأهمس شفيف صمتي: قتلني السر!!للبعيدين أسوق توق الفراش لمعانقة النار، وأبتدي بوح الحكاية، كاشفا الناموس الذي أتكتّم عليه ؛ في أني لم أكن أحب العنب، وما كنت أرغب يوما في مقاتلة الناطور، غير أنهم أرغموني!!ہہہهكذا يترتب سرد ما حدث:الأحمر الذي أتوق لرؤيته، لم تلوثه بشاعة الدم الذي كان يثيرني، فيتصبب عرقي، وأوشك علي التقيؤ ما ان أراه يسيل حتي وإن كان كذبا علي جسد ممثل، غير أني كنت أرسم هذا اللون في مخيلتي مُلفّعا بغلالة الورد، أو مبهورا بنشوة النبيذ، لذا فأنا أدخل الآن كهف الكلام مغمضا عيني كي أنحت ما أريد أن أري رغم قتامة ما حولي من مسميات..أبدأ طقوس كتابتي، فأقدح البوح بصوان حرفي كي أنير جزءا من ذاك الظلام.. ها قد بدأت أري، عيني الي الداخل مقلوبة تسعي لاكتشاف كمأ الحكاية التي نفرت بعد أول ومض، فكان أول الدهشة سؤال: كيف دخلوا الي كرمي هنا ؟! كرمي الذي أحطته بالضلوع، والشرايين، والأعصاب، والنبض، والحلم، والذاكرة، والهجس، وحصّنته بصمتي الذي تعالت دلالته لتتساوي مع اعظم القديسين!!***لم اكن اريد قتل الناطور، لكنني حين اكتشفت أنه لم يتبقّ عنب في الكرم، ولا نبيذ في الخابية، راقبته بشوق لمعرفته، لسبر كنهه، لرفع الحجاب عن بشاعة جشعه، وقرف نهمه، ودناءة رغبته في مصادرة الكرم، والتسلل الي نبض صاحبه، ومحو ذاكرة مالكه!!شاهدته: حين يشبع ينام، وحين يجوع يبيع!! ہہہحملت خنجري، وقتلت!!ہہہأحاول الآن الحفاظ علي صورة الكرم في الذاكرة كما هي حين صادروه..أتوجه بكل ارادتي الي صندوق رأسي، حيث الجمجمة التي تتكدّس فيها كل تجليات الماضي عن المكان الذي أحببت، وفيه نضجت..صارت التفاصيل تبتعد قليلا، قليلا، وبات الرعب يخلخل جلال الكرم نقطة، نقطة، وأنا أحاول مرة الهروب، ومرة التذكر!!بيني وبين رأسي مسافة تكلست فيها الأفكار حائرة بين الخوف من الآتي، وبين محاولة استعادة الكرم حتي ولو كان خاوياً من أي عنب، وخاليا من أي بشر!!ہہہالخطوة الأولي كانت تغيير اسم الكرم، لكني عرفته، رغم محاولة الغرباء، الذين كانوا يقلمون دواليه، ويعملون علي تغيير تضاريسه..الخطوة الثانية ؛ لم تعد تهمني ملامح الناطور، لأنه لم يكن يظهر لي بعد أن قام بتأجير حقلي، وأخذ منه كفايته من العنب، ومن معتق النبيذ، فصار الغرباء يهتكون براءة الدوالي، ويتسللون بضجيج عبثهم الي كل تفاصيل روحي فيمزقون نقاء دمائي باستفزازهم لي…زادت سطوة الناطور، ومعه تجبر الغرباء، فتجاوزوا حدود الكرم باتجاه جسدي..اقتربوا.. صاروا علي مرمي همسة مني، وكنت أريد أن أواجه الغرباء، وأعاتب الناطور، لكنه، وقبل أن يتعالي حبل الكلام بيننا وجدته يشير الي قائلا لهم: منحتكم نبضه، وأقطعتكم ذاكرته!! اقتربوا أكثر، وابتعد الناطور عني حاملا عناقيد العنب، وزقاق النبيذ!!تحولت ملامحهم الي هيئة ذئاب، ونبتت لهم أنياب تسيل حولها خطوط دم بلون قان أكرهه، ولا أطيق مشاهدته أبدا.. خفت، فتراجعت..هربت، فتبعوني.. عشرات السنين وهم يتعقبونني، بينما الكرم غائب عني، وطعم العنب تغير، وتكرّش الناطور، ثم أقام في مسكني، وزادت سلالته أبناء من طينته، ومن معتق خمري..بقيت أهرب، وأرقب لحظة يغفو فيها الناطور..كنت أخاف علي صندوق ذاكرتي، ومشكاة روحي من أن يصلها الغرباء بعد أن أطلقهم الناطور، كلاب أثر، ورائي..أهرب، فيتعبون ولا أتعب، حتي نام الناطور وكان خنجري بيدي، فقتلته.. لم يتوقف الغرباء..رأيتهم يضحكون كثيرا، ولم يبكوا حين فارقهم الناطور بل أحضروا ورثته ليكملوا أكل العنب بدلا من أبيهم المرحوم، واستمروا في مطاردتي!!ہہہلا أري احدا..كأني محبوس في تلك الزاوية من الشهيق والزفير فقط، وأتحرك في مساحة لا تتجاوز بصمة يدي..الآن.. لا أريد العنب، ولا جثة الناطور.. هل استطيع الاحتفاظ بصندوق ذاكرتي قبل أن يتقاسمه الورثة، أو يسرقه الغرباء!!قاص من الاردن0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية