صنعاء.. عاصمة بلا حدائق!
د. عبد العزيز المقالحصنعاء.. عاصمة بلا حدائق!كثيرة هي قصائد الشعراء المعبرة بصدق عن حبنا بل وعشقنا وولهنا بهذه المدينة التاريخية الاقدم بين عواصم العالم بشرقه وغربه. لكن هذا الافتتان لا يعني الرضا الكامل عن واقع هذه المدينة وما عانت وتعاني من مشكلات مزمنة وحديثة واهمها غياب المساحات الخضراء والهجوم المتواصل علي كل شبر يمكن ان تنمو فيه شجرة او حوض زهور. ولن اتحدث عن مذبحة الاشجار المعمرة في شارع حده، تلك المذبحة التي شاركنا جميعا في اقامتها اما بالصمت او بالموافقة العلنية الي ان صار الشارع عارياً ينتظر ان تنمو اشجار الزينة التي لن يغني وجودها عن تلك الاشجار التي ذهبت ضحية الاهمال والتصور المغشوش لمدينة رمادية من دون اشجار.في الماضي البعيد للعاصمة كانت مكانة الحديقة من مكانة المسجد، وكانت البساتين جزءا لا يتجزأ من كيان المدينة انطلاقا من مبدأ ان الانسان ليس حيوانا يأكل ويشرب فحسب، بل انسان يحب الجمال ويحترم الطبيعة، ويقدس الله في مخلوقاته. وجمال الوطن هو الذي يجعل الانسان يتفاني في حبه ويدفعه الي الاخلاص في العمل، اما القبح والدمامة فلا يصنعان الا الكراهية والموت والحقد علي كل شيء. وقد كنا وما نزال نفتقد التربية الجمالية في بيوتنا وفي مدارسنا وخلت المعاهد والجامعات من تعليم الذوق السليم واصبح التعليم تلقينا للنجاح في المقررات وليس النجاح في التعرف علي معني الحياة والاستعداد لعمل ما يمكن عمله من اجل الوطن والارتقاء به وبأبنائه روحيا واخلاقيا وجماليا.وبالمناسبة، لا انسي دهشتي عندما قرأت بحثا علميا عن الحدائق في الولايات المتحدة وانها تربو علي مليون حديقة عامة، غير حدائق المنازل التي يصعب حصرها، وغير الضواحي التي تعد مروجا ومتنفسا قريبا من المدن: ومهما قيل عن فارق الامكانات الطبيعية والاقتصادية وعن الانهار وكمية الامطار فان الانسان هو صانع حياته وبيئته وصانع مصادر الجمال تحت كل الظروف، وقد علمت من الدراسة السابق ذكرها ان المؤسسات التي تتكفل برعاية الحدائق في المدن الامريكية تتألف من المدارس والكنائس والاتحادات والنقابات ونوادي رعاية الحدائق وان العناية بالاشجار والزهور في العالم الحديث بعامة مبدأ اساسي وجزء لا يتجزأ من اصلاح النفوس سياسيا واجتماعيا وصحيا، ويبدو ان ذلك وراء تقبل المواطنين في العالم الحديث لفكرة الحوار البعيد عن التشنج والانفعال والمبالغة، وهو لا يفضح ما يستدعيه جفاف البيئة من جفاف مماثل في النفوس والعقول ومن غياب الاخضرار في الكلمات التي تحولت الي سكاكين ومسامير والي اشواك تدمي الاكباد علي حد المثل الشائع.لقد كان من الممكن ان تكون صنعاء عاصمة نموذجية للجمال، وهي بطقسها وبتكوينها الفطري جديرة بان تكون كذلك لو انها قد لقيت قدرا من الرعاية ليس من المسؤولين عنها رسميا في الامانة والبلدية والانشاءات والمجالس المحلية وحسب وانما من كل سكانها، ومن كل فرد يريد ان تقع عينه صباح كل يوم علي منظر رائع وجميل. واذا كان بعض المسؤولين قد جانبهم التوفيق واساؤوا بقصد او بدون قصد في صرف الاموال المخصصة للعناية بالمدينة وهي كبيرة، فان وسائل الاعلام قد جانبها التوفيق اكثر. فاذا كانت قد اشارت بحذر الي مذبحة الاشجار فيميدان قاع العلفي التي كانت تزين الفضاء القريب من وزارة الخارجية فانها ـ اي وسائل الاعلام ـ لم تكتب حرفا واحدا عن مذبحة الاشجار في شارع حده.. وقد حدثت علي مرأي ومسمع من عشرات الالوف من الناس الذين يبصرون ولهم عين تفقع الحجر.خلاصة القول ان صنعاء العاصمة التاريخية بحاجة الي المزيد من الحدائق والي المزيد من العناية واذا كان محيط المدينة الحالي قد اصبح مكتظا الي درجة يصعب معها العثور علي مساحات خالية فان في الضواحي الجديدة والارباض الزراعية التي بدا الجشعون في الاستيلاء عليها، مساحات كافية لاقامة اكثر من حديقة وبمواصفات حديثة، واذا تم ذلك، واتمني ان يتم فان الاجيال القادمة من سكان العاصمة ستقول لنا جميعا شكرا لكم ايها الاباء.. شكرا لكم ايها الاجداد.تأملات شعرية:يا أنتِيا حديقة الروحِويا جميلة الجميلاتوبيت الحب يا صنعاء.لا تحزني اذا استحال الظل عتمةوالاخضرار عوداً يابساًووردة الصبح إلي أفعي.لا تحزني إذا أتاكِ العاشقونليس في أكُفهِم سوي قلائد الشعروآيات من الدعاء.0