العراق: تحطيم وطن وتقويض دولة وتشظية شعب
د. بشير موسي نافعالعراق: تحطيم وطن وتقويض دولة وتشظية شعبثلاثة أعوام علي غزو العراق واحتلاله. ثلاثة أعوام نستعيدها هنا للتذكر فقط، وإلا فلم يعد لمحددات الزمن من معني. الموت اليومي لا يتوقف عند ذكري ما، والدمار اليومي لا يعتذر من ذكري ما، وتبديد ثروات العراق وتمزيقه، لا يستأذن ذكري ما. ثلاثة أعوام علي واحدة من أكثر الحروب الحديثة افتقاداً للمسوغ والتبرير، وأكثر الحروب الحديثة مأساوية، وليس ثمة من يعترف بالمسؤولية أو يعرف مخرجاً من هذا الجحيم. المسألة التي نعرفها علي وجه اليقين، ان العراق لم يتقدم خطوة واحدة في ظل الاحتلال، وان الحديث عن التقدم ليس أكثر من مجرد وهم واشنطني كبير، أو محاولة أخري للتنصل والهروب من الفشل إلي الأمام. علي العكس، عراق اليوم أسوأ بكل المقاييس مما كان عليه عشية الغزو.منذ ولادة التسنن والتشيع لم يعرف العراق ما تتناقله الوكالات من قتل علي الهوية. لم يعرف العراقيون في تاريخهم قط عصابات قتلة مهمتهم الوحيدة قتل الشيعي لأنه شيعي وقتل السني لأنه سني. كما ان العراق لم يشهد في تاريخه قط هذه الهجرة المكتومة الخطرة للأسر السنية والشيعية من المناطق والأحياء التي يكثر فيها أبناء الطائفة الأخري. ولن يمر وقت طويل، ربما، قبل ان تبدأ الأسر الواحدة بالتفكك بين زوج وزوجة ينتمي أحدهما لهذه الطائفة والآخر لتلك. وليس ثمة من تفسير لهذا التشظي المستمر للشعب العراقي أكثر فجاجة من الادعاء بأن الانقسام الطائفي كان حقيقة واقعة، لم يمنعها من البروز إلا قمع النظام الدكتاتوري السابق. هل كان النظام المملوكي ـ العثماني (محدود السيطرة)، أو نظام الملك فيصل، قمعياً؟ لماذا لم يقتل العراقيون بعضهم البعض علي الهوية الطائفية، لا في العهد العثماني، ولا في العهد الملكي، لا في عهد قاسم ولا الأخوين عارف، ولا حتي البكر وصدام حسين؟ لماذا كان العراقيون ينتشرون في بلادهم بلا عائق طائفي ولا خشية. يقطن السنة والشيعة المثلث جنوب بغداد منذ عهود طويلة مضت، يسكنون أحياء بغداد والبصرة المختلفة، غرب بغداد وشرقها، يتزاوجون ويتجارون معاً، يذهب أبناؤهم إلي مدرسة واحدة وجامعة واحدة ودائرة عمل واحدة. ولم يكن الواحد منهم يتصور ان يأتي يوم يقوم فيه الشيعي أو السني بسفك دم نسيبه أو جاره أو زميله إلا عندما حلت قوات الاحتلال وحلفاؤها أرض وطنهم.وبالرغم من الانقلابات العسكرية المتكررة وفقدان الاستقرار وعنف بعض الحاكمين، فقد استطاع العراقيون خلال القرن العشرين بناء دولة حديثة لا تقل كفاءة عن أفضل دول العالم الثالث. عرف العراق التعددية السياسية الحزبية في سنوات الحكم الملكي، واستعاد هذه التعددية من جديد في الفترة العارفية. أقام نظاماً تعليمياً حسدته عليه شعوب المنطقة، ووضع أسس نهضة صناعية هامة، نوعياً وكمياً. وقد أصبح العراق بتعداده الصغير نسبياً أحد أهم مراكز الثقافة العربية، وسوقاً لا يوازيه سوق للكتاب. أمم العراق قبل ثلاثة عقود صناعة النفط، التي ظلت تحت سيطرة أجنبية منذ تدفق النفط العراقي في الثلاثينات، وقد أظهرت الشركات الوطنية من ثم كفاءة نادرة في إدارة نفط البلاد، استخراجاً ونقلاً وتسويقاً. أسست الدولة العراقية الحديثة جيشاً لا بأس في أدائه، وأقامت أمناً في بلد تصل مساحته إلي ما يقرب نصف مليون كيلومتر مربع، تحده ست دول أخري، لم تحتفظ جميعها في الوقت نفسه بعلاقات جيدة مع بغداد. ولكن الأهم من ذلك كله، ان العراق الحديث كان وطناً لأبنائه، بغض النظر عن عسف السلطات الحاكمة ومعتقلاتها ومنافيها. ما عدا حفنة من السياسيين المحترفين الأكراد، نما لدي العراقيين في القرن العشرين وعي جمعي وطني، تداخلت في نسيجه عناصر التاريخ والطموحات القومية والإسلامية، والشعور بالانتماء للعراق. وحتي المسألة الكردية، لم تحاول دولة من دول المنطقة إيجاد حل لها كما حاولت الدولة العراقية، التي كانت هي من أطلق فكرة الحكم الذاتي وجعلت منها تشريعاً.ليس هناك من شك في ان العراق الحديث تعرض لنكسة كبري منذ بدء الحرب العراقية ـ الإيرانية، وفي شكل أكبر منذ فرض العقوبات الدولية في 1990. ولكن أسس العراق الحديث ظلت راسخة ومتماسكة إلي حد كبير، وكان يمكن للعراق ان يتعافي خلال سنوات قليلة من رفع العقوبات والحصار. ولكن أمل العراقيين المعاصرين في رؤية وطنهم ينهض من جديد يتبدد الآن أمام أعينهم. فغزو العراق واحتلاله لم يكن مجرد غزو عسكري، أومحاولة أجنبية لإحلال نظام حكم مكان نظام حكم آخر. خلال السنوات الثلاث الماضية، تعرض العراق لتدمير كل منجز من منجزات زهاء قرن من الزمان. دمرت مكتبات الجامعات ومراكز البحث وقاعات الدراسة ومراكز الوثائق والذاكرة العراقية؛ قتل ويقتل أساتذة الجامعات وكبار العلماء والباحثين؛ أشعلت وتشعل النيران في الصناعة النفطية، بينما تقوم عصابات الحاكمين الجدد بنهب ما تستطيع نهبه من الثروة النفطية المستخرجة. ولم تبق مؤسسة واحدة من مؤسسات الدولة لم تتعرض للتدمير، أو التشويه، أو إعادة البناء لتلائم شروط العراق المنقسم علي ذاته: المؤسسة التعليمية ومناهج التدريس، الجيش، الشرطة، المؤسسة الأمنية – الاستخباراتية، القضاء، البرلمان، رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، والدستور ذاته. حتي المساجد باتت عرضة للحرق والتدمير والاستلاب الطائفي البشع. لم يعد هذا وطناً، بل مجموعات متصارعة علي القوة والنفوذ والثروة باسم حقوق أو مظلوميات هذه الفئة أو تلك. في العراق وحده تحتاج الانتخابات اكثر من شهر لتعرف نتائجها، وتحتاج البلاد شهوراً ومساومات إقليمية ودولية لتشكيل حكومة عرجاء، بينما لم تبق حارة أو حفنة من الطامحين لم تؤسس محطة إذاعة أو تلفاز للنطق باسمها وزرع أساطير هويتها الانقسامية أو المطلبية فــي وعي أنصارها.وفوق ذلك كله، يكتب دستور عراقي جديد علي أسس فيدرالية، ليكون العراق أول بلد عربي (وربما أحد بلدان قليلة علي مستوي العالم) يبدأ موحداً لينتهي أجزاء عدة. في غفلة من العراقيين، وبقوة السلاح الأجنبي، استولت علي مقاليد البلاد وفضائه العام عصبات من المغامرين والسياسيين العجزة والقتلة والمتمركزين حول ذواتهم. ولأن هؤلاء جميعاً لا يملكون ميراث الشرعية الذي يمكن ان يستند إليه لتأسيس طبقة سياسية قائدة، فسرعان ما توسلوا إلي الهويات البدائية الانقسامية. بدون ان يسألهم العراقيون النصح، روج هؤلاء لاستحالة عيش العراقيين مع بعضهم البعض، روجوا لفكرة انقسام جغرافي وهمي بين وسط وشمال وجنوب، وأوقعوا الخطاب العراقي السياسي في هوة الفيدرالية التي لا يعرف أحد متي سيخرج العراق من عواقبها.من المسؤول عن هذا الجحيم الذي يعيشه العراق الجديد ؟ هل هي حفنة المحافظين الجدد التي أرادت ان تجعل العراق نموذجاً لهندسة الشعوب العربية علي الصورة التي تروق المشروع الإسرائيلي، بدون ان تعرف عن العراق وشعبه وتاريخه شيئاً يذكر؟ هل هي عصابات السياسيين العراقيين المرضي بأحلام القوة والسيطرة التي طفت علي سطح العراق بقوة الدفع الأميركية، بدون ان تكون لها جذور في الوعي الوطني العراقي؟ ام هي الدول العربية والإسلامية التي ضحت بالعراق خدمة لأهداف التحالف مع الولايات المتحدة، أو الثأر من النظام العراقي السابق، أو طموح القوة الإقليمي الذي يجد في العراق القوي عقبة أمامه؟ الحقيقة ان الجميع مسؤولون، جميع هذه الأطراف شارك بهذا القدر أو ذاك في إيصال العراق والعراقيين إلي ما هم عليه. والجميع سيدفع الثمن، وليس العراق وحسب. الذين سهلوا غزو العراق مسؤولون، الذين تحالفوا مع الغزاة ووفروا لهم الغطاء السياسي والدعائي مسؤولون، الذين أدخلوا نظام المحاصصة الإثنية والطائفية علي الوضع السياسي الجديد مسؤولون، الذين أوغلوا في دم العراقيين سنة وشيعة بلا وازع ولا رادع ولا ضمير مسؤولون، الذين تكالبوا علي الثروة والحكم في ظل الحراب الأجنبية مسؤولون، الذين يجعلون من طموحاتهم الصغيرة مبرراً لتقسيم العراق مسؤولون، والذين يجعلون دمار العراق أداة لطموحاتهم الإقليمية مسؤولون.السيئ ان وضع العراق الحالي سيطول؛ فهذا البلد الذي يمثل صورة مكثفة للاجتماع العربي – الإسلامي في عمومه ما تعرض للانفراط في تاريخه قط إلا وأخذ زمناً طويلاً للالتئام. كونه متعدد الأعراق والطوائف، كونه عرضة لأطماع الخارج والجوار، موقعه في جبهة العروبة، التكالب علي ثروته النفطية، والخوف من إمكاناته وطموح أبنائه، يجعل من الصعب عودة العراق إلي ذاته التاريخية السابقة قبل ان تستنفذ تيارات الانقسام والتشظي والتهديد قواها. هكذا سارت دورات العراق التاريخية، وهكذا علي الأرجح سيكون علي العراق ان يعاني. بيد ان هناك ما هو أسوأ. فهذا العراق لا يعيش في فراغ، ولا هو من الهامشية بحيث يمضي في طريقه بلا أثر ولا صدي. إن كانت العروبة تبدأ من حدوده، فإلي حدوده تنتهي؛ وإن كان التسنن والتشيع قد ولدا في مدنه فإلي مدنه ينتهيان؛ وإن كانت النزعة القومية الكردية قد تجلت أولاً علي مرتفعاته فإلي مرتفعاته تنتهي. هذا الانفجار العراقي الكبير، هذا النزيف المستمر، لن يقف عند أبواب الفلوجة وسامراء والكوفة والبصرة. خلف هذا الموت، موت العراقيين وموت الغزاة، ثمة موت آخر قد يجيء. الذين يظنون أنفسهم آمنين خلف أسوار المنطقة الخضراء مهددون بهذا الانفجار والموت، والذين فتحوا الطريق للعاصفة العاتية مهددون بهذا الانفجار والموت، والذين يحسبون ان سنتهم وشيعتهم وعربهم وكردهم في منأي عن سنة العراق وشيعته وعربه وكرده مهددون بهذا الانفجار والموت. في جلسات الحوار الخاصة، يعترف المسؤولون الأميركيون في بغداد بخطأ الغزو، وخطأ التورط في التحالف مع من فتح الاحتلال أبواب العراق لهم، وخطأ النظام الذي أسس في العراق المحتل، بل وخطأ الدستور الذي أقر بهذه الطريقة أو تلك. بينما يكابر قادتهم في واشنطن بالدفاع عن جريمة السنوات الثلاث، يدرك أميركيو بغداد، شهود الموت اليومي المستمر، ان بلادهم ارتكبت خطأ فادحاً في حق ذاتها وحق الآخرين. ولعل هذا الإدراك، الذي لم ينعكس علي سياسات واشنطن بعد، هو ما يحمل بريق أمل ما. وإلي ان يري العالم هذه الأخطاء كما هي، إلي ان يري هذه المأساة الكبري التي انتهت إليها حرب القرن الحادي والعشرين الافتتاحية، علي العراق ان ينتظر. 9