في عيد الأم تنظر الي صورته كأنما تؤنبه
عناية جابرفي عيد الأم تنظر الي صورته كأنما تؤنبه ايام عجيبة هذه، التي نتابع فيها التلفزيون ساعة فساعة، ونقرأ جميع الصحف الصادرة. امس الاول الثلاثاء وكان عيد الأم، امتلأت الشوارع بحاملي الورود، تماما كما لو في عيد فالانتين، وخف السير، وكان الجو هزليا كله، ولكنه ليس سخيفا، وبسماء زرقاء. ومن بلكون بيتنا في الطابق السابع كنت اري الي الناس يمرون متأنقين ويدرجون حتما نحو بيوت امهاتهم. وكان ثمة كثير من الاولاد. الجنة تحت اقدام الامهات . جملة لا ادري كيف حفظتها ولا تني أمي تذكرني بها، وهي تبدو قد كُبر رأسها ولم تعد تقبل بأقل من الذهب هدية لها في عيدها. كأنه عيدها وحدها من دون سائر الامهات. لا احتاج الي شيء ـ تقول لي ـ فقط اذا مصّرة أنتِ، هاتِ قطعة ذهب، خاتم، اسوارة، عقد، او قرطين ناعمين، غير ذلك لا اريد شيئا. يُحنقني اصرارها علي الذهب. يمنعني من قول جُملتي الخاصة. وهي في ردِها علي التلفونات التي تصلها مُهنأة من أخوتي في أمريكا، أسمعها تذكّرهم بأن خدمات الـLibon post سريعة، وبامكانهم ارسال هداياهم عبرها، وتفضلها جميعها من الذهب. تلفن اخي من امريكا. انه النهار هنا، والليل هناك. سألني شراء خاتم لأمّي نيابة عنه. بعدين نتحاسب قال لي. كان يريد ان يضعني امام الامر الواقع، وكنت في غير وارد مثل هذه الحركات وأعاني ضغط مشاغلي، وافتقد بشدة زميلا غادر الجريدة، كما وأتأمل الاحداث السياسية بقلق.تناولنا الغداء سوية، أمي وأنا، وكان ذلك البريق في عينيها، وفي تنقلها من الطاولة الي المطبخ تلك الرقة المضاعفة علي اعتبار ان اليوم عيدها، وكانت ترتعش من دون مناسبة، وثمة الصورة، صورة أبي علي الجدار وتنظر اليها أمي بطرف عينها وتتنهد. تؤنبه علي موته، او شيء من هذا القبيل. كانت غاضبة علي خالاتي اللواتي لا يزرنها الا قليلا جدا ـ كما قالت ـ ثم تصلّبت علي كرسيها وابتدأت بالبكاء فعرفت ان الوقت قد حان. وان كل شيء سيتم في عذوبة. لماذا تبكين؟ سألتها ما في شي. يلعن ها الوقت اللّي وصلنالو. اخواتك بعاد وانتي مشغولة دايما. شو بدو الواحد يحكي..كنت أفكر ان بيروت لم تعد بعد المدينة نفسها. أية شعوذة!شعور بأنني أعيش اياما تاريخية، ولكن علي غير الطريقة اللائقة للتاريخ.قطعتُ قالب الكاتو بالسكين، وعادت هي الي تذكيري للمرّة الثالثة بأنها كانت لتفضله بالكريم شانتييه وليس بالشوكولا كما كنت احضرته. ضاق خلقي منها. كان ثمة في الأعياد بالنسبة لي، أشياء فظيعة سوداء، أكره الأعياد والآحاد والمناسبات. أمي ما زالت تطاردني وكانت إنقضت ساعة وهي تشكو لي لجنة البناية والناطور والجيران. الرؤية الوحيدة الأخاذة التي تراءت لي، كانت ظلال صورة أبي التي ظلت تسقط فوق رأسي. طوال النهار، مخابرات تلفونية وهي تردّ كالفتاة المراهقة. إنني ايضا، احتاج ان يهاتفني الآخرون، حتي ولو لم يكن لديهم ما يقولونه.قضيت النهار برفقتها، وأهديتها أخيرا هديتي الذهبية، وهدايا أخوتي، وقد تفرجنا علي التلفزيون وكان مستحيلا ان التقط الجزيرة صافية من عندها، فلم تحصل الا علي العربية وكان القتل مزدهرا في العراق علي جري عادته. قتلي من كل الاجناس، أمهات وأطفال ورجال.لا استطيع ان اكتب عواطفي حيال أمي. بل لا اكاد أكون راغبة في كتابتها. بصراحة، لا اعرف ان اكتبها. في الساعة الخامسة عصرا قصدنا بيت خالتي، وكما بدا كانت هذه مستاءة من امر ما، مثلما كانت أمي، التي عملت علي تهدئتها واضحاكها اخيرا. وقد صعدت ماغي للترحيب بأمي، وأتت نسوة جارات بأثواب أنيقة وتمازحن معا بلا مبالاة.في طريقي الي البيت عاودني الهدوء. ربما لأن أمي أعفتني من مرافقتها الي بيتها، وهي جهدت في الثناء عليّ وتعداد محاسني أمام خالتي والجارات، وكانت أخيرا غبطتها مُعدية. وصلت، واقتعدت بسرعة كنبتي الأثيرة وأستأنفت قراءة الحارس في حقل الشوفان لسالنجر، التي هجرتها منذ ليل أمس. هذه المرّة العاشرة التي أقرأها في الليل. أرق قليل. فكرّت انني أشبه أمي. ما من شبه ملحوظ سوي ان الليل لمّا يأتي، يجعلني أفكر انني أشبه أمي تماما. تُدهشني الآن الكلاسيكية المقرفة لأفكاري. إن رغبتي في التدخل بشؤون هذا الوجود ضعيفة، حتي إني لمتُ نفسي علي اضاعة نهار طويل استمعت فيه الي ثرثرات النسوة في عيدهن. يصعب عليّ أن أهتم بها كأم. في العيد المقبل ـ قلت وأنا ممددة في سريري ـ لن أفعل هذا الأمر الأخرق ثانية. أمي تعرف انني أحبّها أكثر من عيوني، فلماذا تتدلل عليّ؟0