سيرة بني غازي: جولة في ارجاء مدينة اختفت (1 من3)
ملعب 24 ديسمبر صغير ويضم المنقسمين الي أهلاوية و هلالية .. وهناك فهد ارتوي من حليب نيدو شجرة أرز ماتت وظل الشارع باسمها وسينما الحرية صاحبها فلسطيني واشياء اخري للتشبب بمدينة تنعت بالعجوزسيرة بني غازي: جولة في ارجاء مدينة اختفت (1 من3)أحمد الفيتوريہ كنت مثاليا. فمنذ عودتي من مصر سنة 1957، وأنا أنظر إلي ليبيا نظرة تقديس. كنت أري البشر فيها كآلهة الأولمب، لا يسقطون، وان سقطوا فسقطتهم تهز الأعماق، ويأتي بعدها التطهير المطلق !، كنت أراهم مجردين من خطايا البشر. صدقني إذا قلت لك أنني كنت أنظر فأري كناسا – مثلا – يكنس الشوارع فأود لو أجري مقبلايديه. صدقني أنني وصلت بنغازي ورأيت بيوتها مهدمة من أثر الحرب، ورأيت النفوس مطحونة ولكنها معاندة وصلبة، فأحسست وكأنني هبطت إلي مستقر أبطال طروادة . عبدالله القويري.عين الغزالة، ميدان الشجرة معروضات محل من سوق الظلامالذي هدم في فترة الثمانينات الجو بارد لهذا أتلحف وفي النفس مرجل يضطرم، أتدفاء بالذكريات أن الوالد كان كواش صاحب مخبز، وعن هذا و عن ما بي أنشغل بالشارع وحيويته.بعد الافطار في حمأة ليال رمضان أتمشي، في مدينتي بنغازي، من حي البركة، حيث أسكن، مخترقا شارع جمال عبد الناصر، الاستقلال سابقا، حتي ميدان الشجرة؛ شجرة الأرز ـ التي ماتت ـ ما حمل الميدان اسمها فبقي الأسم رغم موت المدلول، في ركنه ثمة نخيلة عجفاء تحتاج لمسبار لتتبين وجودها. في هذا الميدان محل أحذية يقف أمامه صاحبه مثل شجرة، منذ تجرأت في مقتبل العمر وخالفت الوالد وزحفت من حي الصابري نحو قلب المدينة النابض المتلألئ. أخترق الشارع الرئيس من ميدان البركة، ما تغير حتي شان، البركة حي نصف شعبي، حي الطبقة الوسطي منذ سالف الايام، ومساكن هذا الحي في الغالب معمارها قديم، منازل ليبية فيها ما فيها من طرز عثمانية ولا أقول تركية: المدخل قوس حجري بزخرف أحيانا. والباب بابان في باب، قوسان، يدعي في الجملة باب بوخوخة، علي الباب الصغير الذي هو لدخول البشر مدق بوجهي الاله الروماني جانوس وكذا حدوة حصان لدرء العين والحسد، لون البابين أخضر في العادة، تجتاز الباب فتلتقيك السقيفة المستطيلة التي تحولك ان كنت ضيفا للمربوعة وشكلها في اسمها ومساحتها تدل علي صاحب البيت، الشيخ، الوجيه، الثري: مضيفتهم واسعة وفيها تكايا والمساحة الضيقة لغير هؤلاء، للسقيفة مدخل مقوس عادة ما يفصل البيت بشرشاف يحجز النظر لصحن البيت الذي لا سقف له وقد تكون فيه بئر ونخلة، تطل علي هذا الصحن غرف نوم مستطيلة ومساحتها صغيرة وأبوابها حيز لمفرد أما النوافذ فكوة للتنفس، في جانب من الصحن كنيف ضيق ومطبخ أضيق مما يجعل النسوة في الملمات يطبخن في وسط البيت، الذي يبني في مجمله من الحجارة والجير، الحيطان في عرض نصف متر والاسقف من جذوع النخيل وتبن البحر والطين، يسمي نوع البناء هذا بضرب الباب. كثيرا ما تكون مساحة البيت شاسعة ولكنه بيت يفتح علي داخله، الشمس ضيف ثقيل والهواء أثقل لأنه يستجلب معه قرينه العجاج ابن الصحراء المدلل. هناك منازل معمارها ايطالي مميز وشهير، ثمة بيت قرب سينما الزهراء بالبركة من هذا الطراز الايطالي، اعتني به صاحبه واصانه واعاد الحياة له فجعله بهذا يشد الروح لمن مثلي يغتبط بكل جميل حي قدم. في البركة منزل شريك والدي، أعيش فيه كما يعيش أبناؤه، أختلف معه في سيارته الكبيرة الواسعة إلي مكتبه، أحضر مباريات كرة القدم وأعجب بـ تعولة ، وألعب الكرة في شوارع المدينة الخالية، غير هياب ولا وجل، فقد كان محمود إلي جانبي، وكان شوقي، بجسمه العريض وصوته الجهوري وعنته، يخيف حتي الجنود البريطانيين الذين يحمون كل شئ بما في ذلك اليهود وتجارة الخردة التي يجمعونها من الصحاري ويكدسونها في الساحات، ليشحنوها علي عربات كبيرة كاطود، ويجنون منها آلاف الجنيهات، ويركبون السيارات الفاخرة، ويقيمون الولائم للسادة السنوسيين وكبار الضباط، كان علي ومحمود أن نبرر بقاءنا في بنغازي، أن يكون لوجودنا عند الرجل الكريم مردودا ما غير لعب الكرة في الأزقة والشوارع، وإيذاء الجيران ومخاصمة الأولاد، ومتابعة مغامرات شوقي في المدينة كأنه يملكها. راجع محمود حسابات تصدير الكاكاوية ، فاكتشف خطأ أعاده إلي صواب، ومن يومها صارت له مهمة أن لا ينام حتي يراجع الحسابات، وكانت الحسابات بسيطة لا تعدو الجمع والطرح. كان لابد أن يطعم من يريد الدخول إلي مصر أو من شاء أن يتوقي الوباء ولو كان بعيدا عنها، أوقفتنا السيارة أمام مستوصف البركة وأدخلوا في جلود ذراعينا إبرة حادة ظلت تنتفخ حتي خلت أنها سوف تنمو أكبر من رأسي، ويومها خفت أن أموت ! فلا أنا بالأزهر ولا أنا بـ صالحه و لا أنا بالمحلة.. ولا شيء، سوي حفرة بسيطة يهيل عليها أناس أغراب التراب، في زاوية منزوية في جبانة مجهولة، يتوسطها ولي لا أعرف له اسما وينحسر عني ظله ليمتد إلي مريديه. سافر محمود، فقد كانت له فيزا، وبقيت في انتظار أن يحل الوباء عن مصر وأن تفتح الحدود، وأن انتقل إلي جامع الأزهر. ولفترة الثلاثة أشهر التي انتظرت فيها، وحياة اللهو، والاختلاف إلي المدينة، ومكتب السيد عمر، طفقت صورة الحاج حسن وصالحة التي بهتت رويدا رويدا حتي خفـــــت أن تنمحي.. !. وبطريقة ما، يعرفها المهربون ورجال الصحراء، قاموا بشحني مع اثنين من طلبة بنغازي علي ناقلة للخردة، لم تعرف طريقا يمر بالبوابة أو القري حتي استقر بها المقام في الاسكندرية.. و يا خاش مصر منك ألوف .سوق التركة الذي احترق مطلع السبعيناتعلي عجل من أمره مر كامل المقهور علي البركة، كاتب القصة ـ المحامي ـ وان حطبه المقام فترة فقد شده شغف لمصر، ما منعه وأوقفه وأسكنه بحي البركة إلا انتشار وباء الكوليرا في مصر مبتدأ الخمسينات، مر كامل المقهور علي عجل في سيرته الذاتية بمحطته بنغازي، بذلك البيت، منزل شريك الوالد، ما سكن آنذاك وبقيت هامته مرفوعة في وجه غدر الزمان. وفي الجانب المخالف لهذا البيت، وبين البيوت الليبية القديمة الخافية، يتجلي مبني يبدو للوهلة الاولي وكأنه كتلة، نيزك ساقط من السماء مفارق لما يحوطه ويحوط في نفس الوقت كل ما يحوطه، هذا المبني المفارق من طـــــراز ما بعد الحداثة، جسدها مهندسو العمارة كما هـــذا المبنــــي المخترق بعيون مختلفة وفي أماكن متباينة حتي تبدو كفجوات في نيزك، سرعان ما تتجلي كنوافذ تطرز الكتلة، وتكسر الايقاع المعماري الهارموني النشاز. ان شئت وتابعت النظر والتحرك للواجهة تباغت بقلعة، أبوابها من حديد ثقل في خفة غير محتملة، وان كان المبني يتدثر البياض فإن باب الواجهة والمدخل رمادي غامق، كأن السماء الغاضبة في ليلة شتوية أرادت فلق البياض.ادخل في المكان الذي بحاجة لسياحة فيه تتغياها مفردا، قبل أن تتخطي العتبة تشدك ويلتطم مداسك برخام غير مسوي، رخام لم تعالجه أيد مليمترية بل عالجته يد مدربة علي تنغيم النشاز، لذا لم يشذب ترك التشذيب لما فعلته يد الدهر وازميل الطبيعة. في الباب رهبة القلاع المحصنة والواثقة النفس حيث يتشكل الحديد الصلب ويطوع غصبا لعين مخيلة مشاغبة، كأن المفتاح أثقال لكن في الباب دس مدخل صغير مفتاحه يد عادية وقفله المعتاد كي يكسر هذا سطوة الباب. فإن تخطيت هذا ستأخذ الحيرة العقل هكذا طلع عليك من ثنيات المبني المعقول واللامعقول، كل ما تتوقع في مبني وما لا تتوقع: هذا رواق أو بهو أو سقيفة أو ذلكم كله وزيادة، ان انحيت في الديوان هذا تنصت عيناك لميوزات أغريقية قورنائية في أرضية فرشت من فسيفساء السلفيوم نقشتها ووضبتها الايدي الناعمة، ان تسلقت السقف فلن تطاله، ان تيمنت فالبهو اتساع اعتيادي، ان تيسرت فثمة مكان مشروع لمصعد يغطيه البلور، ان تقدمت فالدروج لوحة التأمل، بتؤدة وتمهل ترقب الدرج مزيجا من حديد وخشب، سهل الصعب، بعد أن يعيد مشهد الرخام عليك استعراض نشاز هارموني عند مطلع الدرج أما علي جانبه فصفحة من ورق حديدي يباغتك بطاعته المبالغ فيها لعكس الضوء ومعاكسة الانوار: تارة فلقة برتقال، تارة يبهج وهو حزين، هو البنفسج المتساقط من قبة، عين كولومبس تمخر بك عباب أمواج الضوء لتهتك الخباء، القبة المدسوسة / المحفورة بسكين السر في السقف عند مطلع الدرج تحلب الشمس، وتعيد ترتيب شعرها الانطباعي اللون في هذه اللوحة الطائشة من المخيلة المشاغبة، هذه اللوحة تأسر الانتباه وتطلق سراح الدهشة المأسورة. فندق تيبستي ـ شارع جمال عبد الناصر عند الدرج الأخير ممر ككل ممر يطرح أمامك وطرقة متيسرة، الممر يأخذك لمكتب فسيح يشمل في شماله مستراح لمنتظر ـ ستلاحظ التباين اللامألوف بين الابواب، المساحات، النوافذ ـ حيث يتم توظيف واستدخال الحائط المجانب للدرج في الدرج كي يمكن أن يكون غاليري للمكتب الرئيس. ولأن العمارة الحيز والفسحة فإن الطرقة تجذبك لمكتبين مدسوسين في شمال الدرج، لكن بابيهما يتجليان كما مدخل المبني، هكذا الحيز محيوز حتي تضيق الفسحة التي ترآت لك عند الدرج الأخير، المشار اليها بالمكتب الرئيس الذي قبل أن يستحوذ عليك يباغتك منور يبهر العين المشدودة لأفق الممر، تكسر حدة ذلك أصص الخضرة والمقهي المنزوي. ان حق لك أن ترتقي الدرج ففي السطح ثمة الحديقة المعلقة، قد يخطر ببالك أنك ببابل، أو تستعيد المشهد من البدء ففي البدء كان المبني كتلة متميزة ومحوطة بعمارة ليبية قديمة وبسيطة يفترض صونها، فإنها سنوغرافيا هذا المسرح وخلفية لعمارة هذا البيت الهارموني النشاز. وعلي أي حال وبالمختصر المفيد هذا المبني المابعد حداثي يبغي تحطيم الاعتيادي في مشهدية المكان وبهذه المفارقة يوكد انتمائه له، إنه قلعة وما هو قلعة ولكن شبه لهم، بذا هو قديم في عين قديمة حديث في عين كذلك، وإن كان ليس هذا ولا هذا فبهذا ينتمي لمدينته فاكا عنها الطرز الأمريكية للمعمار الوظيفي ما يحجب المدينة بحجاب ليس منها في شيء، هي المدينة السافرة. هذا المبني البركاوي يشكل نسيجه مطمحا للتشبب ببنغازي، وللتجدد في مدينة تنعت بالمدينة العجوز في أدبياتها فيما أنتج بنوها ومبدعوها الكتاب، هذا المبني لأسرة المحامي عمران بورويس، من تخطيط وتنفيذ صغاره كما علمت.في الجانب الجنب لهذا المعمار المابعد حداثي، مرسم وبالاحري مشغل الفنان حسين بللو، جراج من طوب اسمنتي، مبني التقشف المغصوب عليه كل فنان مجد، فيه يشتغل هذا الفنان للسوق نعم لكن لذائقته أولا وأخيرا، شغله ومشغوله تحف تشكيلية متفردة وليس كمثلها شيء، يعيد فيها تطويع كل ما فاض عن حاجة المدينة بيديه تتجسد: تحفة، منحوتة، تشكيل لبيوت مدججة برتابة الرماد. عن هذا أحيد مخترقا البركة، أعطيها بظهري وصدري لشارع جمال عبد الناصر، ووجهي قبالة البحر وميناء المدينة التي يحدها البحر أينما شئت، تواجهني زحمة أحبها وأستأنس بها، علي الجانب الأيمن مكتبة المعارف فيها كل ما لذ وطاب لي، خاصة في شهر رمضان حيث لا شغل و لا مشغلة، فيها كتب تطيب لي كما يطيب النزر القليل من الصحف والمجلات التي تصل البلاد، ما من زاد في الجيوب، العين بصيرة واليد قصيرة لهذا أحث الخطي مزورا عن المكتبة مغتبطا:أطفال وأطفال مع ذويهم يتزودون بحاجتهم لملاقاة عام دراسي جديد، مغتبطا بالزحام ما يطال القرطاسية الاولي أبجد هوز المتأنقة بلون الورد المتحوطة بقمامتها، ثم الثانية المجانبة ليسار الشارع، قبالة سينما الهلال التي يأكلها السوس لقدمها، وما علق في حلقها من أفلام قديمة، استهلكتها ولاكتها آلة العرض بعد أن انفض من حولها عشاقها وقد هرمت. أحث الخطي، ومن كتبت عليه خطي، في مدينة بنغازي وفي شارع جمال عبد الناصر الطويل، مشاها حثيثا مخافة زحمة السيارات والظلام الذي يحوطه ساعة يصل نادي النصر هذا النادي العريق، الذي مكانه أكثر عراقة في تاريخ الكرة الليبية أي ملعب 24 ديسمبر سابقا: أمسك بالترانستور علي أذني، بيليه يسجل أهدافه المتتالية وان كان الفريق الانكليزي يحث الخطي للفوز بكأس العالم في هذه الدورة، اوه مصطفي المكي هذا القصير القامة الراسخ القدم ضيع الهدف، هكذا سيخسر الاهلي المباراة، رن هذا التعليق في أذني المتحررة من الراديو، وقد غصت التريبونة بمشجعي الاهلي، فيما ديمس الصغير من يشبه بيليه يقطع ملعب 24 ديسمبر كفهد ارتوي من حليب نيدو وهو يقدم له الدعايات علي شاشات السينما تلك الايام، ديمس الفهد الاسود الصغير أوقفه وسد تقدمه شبل الاهلي أحمد بن صويد شريكه في الدعاية للحليب المجفف الجديد نيدو، الملعب صغير لكنه يضم كل سكان المدينة عشاق الكرة المنقسمين بين أهلاوية وهلالية، بين هذين يندس خليفة الغرياني بطل المصارعة الحرة المهزوم أبدا، خالي صانع السندوتشات المميزة، يبيع (الكازوزة) ماركة الاهلي و(الكازوزة) ماركة الهلال. أما نادي النصر، نادي الفحامة كما يطلق عليه الشارع الرياضي دون أن أعرف سبب التسمية، فيقفل الشارع حيث ينوي النصر ملاحقة التحدي والهلال في مسابقة بناء أسواق وتأجير المحلات، أما مسابقة الكرة فمن لزوم ما لا يلزم.لهذا وغيره أسرع الخطي كي أندلف تحت جسر البركة وأتلحفه خاصة ان كان ثمة مطر سماوي أو هطول مباغت للسيارات، بعيد ذلك ينبثق من تحت الجسر القصر الوارف نخلا وشجرا اخضر منذ عرفت شوارع مدينتي ولم أعرف حتي الساعة صاحب هذا القصر الجميل رغم تحتيته، هل يحق القول قصر وهو يقع تحت النظر.. ؟. عند السيلس، خزانة الحبوب الفارغة التي بناها الطليان كما يخيل لي من طراز البناء علي يميني، المدينة الرياضية شمال حيث تسطع أقمار الملعب واصداء المعلق محمد بالرأس علي تغمرني وكذا ضحكته، وجذله بأن ما يعرف حول اللعبة واللاعبين أكثر مما يعرف أي مهتم غيره، وان كانت حدوده المعرفة، فهذا الجسد القصير البدين يكشف عن مفارقة: أن أكثر المهتمين بالرياضة في المدينة الاقل ممارسة لها.عند السيلس عند المدينة الرياضية يشملني السمافروا كما يشمل موج السيارات الهادر المتدفق من جهة الميناء، أتوقف عن السير منتظرا طلوع الضوء الأحمر ليوقف سيلان السيارات الكورية ما يسبغ مراكيب هذا الزمان، وأحشر في مسرب السيارات المتلاطم حيث لا ممشي لمرتجل بعد أن زحفت أشجار مهملة، بنغازي مدينة مشوبة بمشاعر رومانتيكية لهذا تجنح للتوحد مصابة بفيروس الوحيدة في كل شيء وأن لا تشبه غيرها، لا تحب المشائين، تكره كل راجل، فيها تغتال الأرصفة. ثم أنطلق هائما في ملكوت الرب والعباد، سائحا بشعاب الشارع الطويل مشمولا في شماله، بعد كنس محطة الكهرباء وما تبقي من محطة سكك حديدية في مدينة تحب أن تفوت قديمها وتتوه، مشمولا بحديقة مهجورة وفي طول ليلة دون عشاء. في يمينه يحمل دكاكين: زاد الخير، الصافي، الفريد.. وغيرهم، سوبرماركت عودة رأس المال حاسرا زاهيا بتعدده، ببضائعه من كل لون، من كل شكل، من كل شيء غير وطني، وتتلألأ (فتريناته) بما حمل الجمل الحديدي من سفين وطائر. تندس بين هذه الدكن مقاه محتشدة بلاعبي الورق المخدومين من نساء مغربيات يقدمن القهوة والمرطبات في الشهر الكريم، مقدمات غير ذلك في الأشهر الأخري، هذه (القهوة) ست طالعات من عند فندق القرضابية حتي فندق الممتاز ذي الثلاث نجمات ـ في حسابي ـ مسكن المغربيات ومأوي ليلهن، وجمهور القهاوي هذا ليس مما كانت تعرف المدينة وهو في وئام حميم ظاهر بالمكان وفيه. كما لو أني انهكت من الكتابة وما يشغلني، تثقل الركب ويخض حليبها، قبيل فندق تيبستي برج بنغازي المنطفئ، ما يعرف عند أهلها بـ الردياتوري لقربه من شبهة أنه مبرد وخزان ماء السيارة ولسواده العنتري، فندق خمس نجوم زاه بنجوميته متكبر بذلك علي مدينته كأنه غريب شرق في مدينة السباخ، خاصة وأن فندق أطلس وسينماه الحرية قد أكلتهما تماسيح السوق محولينهما إلي غير مهمتهما الأصلية، وفي حاشيتهما التي تطل علي شارع جمال عبد الناصر تطاول مبني اسمنتي موحش لم يكتمل منذ دهر، قاصفا الرصيف قاذفا المشاة في هول البغال الحديدية. لوحة عادل جربوعكنت مغمورا بالضوء وزهو المدينة به عن غيرها من مسكون بالوحشة والظلمة وقلة البشر والحيلة، سيغمرك الظلام حيث لا تحسب، بين مدرسة شهداء يناير أشهر المدارس في البلاد بنتها اليونسكو لما ما كان ثمة نفط، وعمدها طلابها بدم حيث ما لزم، هذه المدرسة قبالها مبني ايطالي قديم في المباني كما قدمه في الوظيفة فما عهدته إلا كبناء للبوليس وادارته، من حيث يمكن لك أن تحصل علي هوية تغنم بطاقة، يسميها أهلنا بطاقة شخصية ان أردت أن تكون لك شخصية، وحتي ان لم ترد فالقوانين العصرية توجب ذلك وتفرضه في أي أين.مسرح المجاهد، عروس البحروميدان البلدية عام 1958 مستغرقا فيما يتلاطم من مناظر في عين النفس، وما يسقط في بؤبؤ العين المبصرة، أقطع ككل ليلة في رمضان بين التاسعة والعاشرة خيط الضوء الشاحب المنساب ما بين ميدان البركة وميدان الشجرة، يندس في شعب الذاكرة صديق اغترب، آخر رحل وامرأة حجبت عن عين المدينة وكانت منارة كـ منارة سيدي خربيش تشي بالمدينة لسفين ضال، لرجل به حرقة للسكينة، لبنغازي الفاتنة الراسخة في أوهامها.يأسرني عن موج نفسي، عند السيلس يمين محطة الوقود، مطعم صغير متوارب عن توقد شارع عبد الناصر يزدهي مطعم القبعة البرتقالية بحداثته وذائقته البرتقالية المذاق ، في مدخل الشارع المقابل للمحطة كأنه يمامة جافلة عن صخب عبد الناصر. حيث كل شيء مبعثر بفعل شركة كهرباء المدينة أمشي وجسا، شديد الفضول تجاه عجيج الحياة، في ممالك من خيوط الكهرباء المبعثرة كرخويات لاصقة أو مصارين لزجة أخرجت من عمدان النور / عمدان الظلمة لتشكل فخاخ خطر من يمسه يموت ، وككل مثالي عتيد أحترس في هكذا ممشي.عند مدرسة شهداء يناير، مطعم الرفاق مشوي للدجاج ينبعث مخلوطا بالفحم ممتزجا بما ينبثق عن الذاكرة المثقوبة، هنا كان يا ما كان ملهي الاولمبياد الليلي ما توجب أن يكون قربه مشوي الرفاق وميزة آخر الليل.ولأن الرتابة ربيبة الريبة فإن جحافل الرتابة، التي تجتاح الشارع عند مكان الملهي ما حول لمدرس للصفيح الكوري السيار ما غطي المدينة، تحل ريبة تحولني لسلحفاة حرون تلتمس السكينة في درعها، هذه الريبة تمسك بخناقي جاثمة علي الصدر حتي مطلع القوقعتين المتحاضنتين المخبئتين عن النظارة، المنحوتة الوحيدة في المدينة، المنحوتة الحداثوية، المنحوثة المدسوسة بين مدرس القعدان الحديدية الكورية وبين ما لا يلزم من حديد وحفر، ماء ينسكب دون لزوم، هذه المنحوتة يقطعها تقاطع الشوارع عند مدخل ميدان الشجرة ويقطعني مرآها مغبونة تكافح غبر الزمان والنسيان، من أجل أن تفهم وتدرك ماهيتها في مدينة غارقة في المستقبل، دون أن تدرك أن المستقبل ما يحدث هنا /الآن. ولأن من السهل أن يكون المرء حكيما بعد وقوع الواقعة أتيمم صوب البحر في درب التبانة من بشر وحديد ونور وعجلة، في زحام ميدان الشجرة الخلاص من كل ريبة حيث يقطع دابر الرتابة، في عين الغزالة المقهي المرشوشة بعطر النزوة، نزوة الصحبة، في الملتقي أطلب من القهواجي مكياتا ما جد علي بنغازي من مشارب، يشرب الاصدقاء كبوتشينو ما اعتادوا وماعرفت بنغازي من أيام الطليان في مطلع القرن الغارب، كنت أقول مازحا نهاركم أبيض بقليل من البن وليلي أسود بقليل من اللبن.هذه الليلة مستراحنا الأسبوعي، كي لا نقطن عين الغزالة كل الاسبوع ارتأي الاصدقاء أن نقضي ليلة في مسرح، موعدنا في مسرح المجاهد. من عين الغزالة نطلع قبالتنا مباشرة المسرح الشعبي، (سينما الحرية سابقا لصاحبها الجاعوني المنتج السينمائي الفلسطيني/ الليبي)، بين المقهي والمسرح مدرس السيارات وعن ميدان الشجرة زبدة بنغازي المبين أزور غير كاره لصرتها مسرتها ومحشدها، والمدشن الليلي لأهلها الموبوئين بسوء مزاج وعجز عن التمييز بين الالتزام والتعصب. أجول فيها نتفة نتفه أتصفحها وأتفحصها كأني مارأيت بنغازي قبل، قبل هذه الليلة الرمضانية التي تعج فيها مدشنة تحولا خاطفا للبصر ولبصيرة المدهوسين بما مضي، الشاخصين النظرة عند بنغازي العجوز، المتشرنقين عنها بورق اللعب: الشكوبة والسكمبيل والطرنيب، المعتكفين في غيهم يعمهون.7
mostread1000000