سيرة بني غازي: جولة في ارجاء مدينة اختفت (3 من 3)
نعتنا إخواننا السودانيون بشعب الله المستعجل لأننا نسير مصروعين في ليالي رمضان للعب في ميدان البلديةكل ركن مهدم، كل شارع فيه ما يدل علي آثار القنابل والانفجارات وهذه مدينة يحلو فيها المشي والتسكعسيرة بني غازي: جولة في ارجاء مدينة اختفت (3 من 3)أحمد الفيتوري كنت مثاليا. فمنذ عودتي من مصر سنة 1957، وأنا أنظر إلي ليبيا نظرة تقديس. كنت أري البشر فيها كآلهة الأولمب، لا يسقطون، وان سقطوا فسقطتهم تهز الأعماق، ويأتي بعدها التطهير المطلق !، كنت أراهم مجردين من خطايا البشر. صدقني إذا قلت لك أنني كنت أنظر فأري كناسا – مثلا – يكنس الشوارع فأود لو أجري مقبلايديه. صدقني أنني وصلت بنغازي ورأيت بيوتها مهدمة من أثر الحرب، ورأيت النفوس مطحونة ولكنها معاندة وصلبة، فأحسست وكأنني هبطت إلي مستقر أبطال طروادة .عبدالله القويريميدان البلدية مطلع ستينات القرن الماضي.. تقطع الطريق نحو الميدان، وان تمترست سينما النجمة منزوية، ففي الميدان ترسخ وتوتد السكليستة، محل تصليح وتأجيرالدراجات الاقدم من القدم سي الجهاني الذي تشبث منذ نصف قرن بأن يكون الدراج، في زاويته الحسان سليم/ الحلاق القدم، العجوز زوج العجوزة بنغازي، حارس الميدان ميدان الشجرة وان ماتت الشجرة فإنه حي كالمدينة الحية، من تغير جلدها وتلبس لبوس كل وقت، غضة ومراهقة تتموض بكل موضة حاضنة كل غريب. بنغازي رباية الذائح في ميدانها، ميدان الشجرة تنوس، ونس الغريب من يصل مثقلا بمسافات التعب متكئا هذا الميدان. تكية أصلها عين الغزالة، ولمن غاب عن مدينته وعن ميدانه كما غابت شجرته فإن عين الغزالة بنغازي، مقهي ككل مقهي جديد يتخذ مكانا قديما ولي زمانه أو وهن عنه أو شاخ ومن عقبه ابنه ما ذل ولا زال. في هذا المقهي أحط الرحال مساحة اللقيا ومستراح المودة، كل ليلة بعد أن يصلي الناس التراويح، آخذين في الترويح عن أنفسهم، مسرعين كمصروعين، وقد نعتنا اخواننا السودانيون بـشعب الله المستعجل، من أجل لعب الورق والتسكع في ميدان الشجرة الكمشة قبضة اليد، في الميدان مقهي عين الغزالة محل كاريدكس للمجوهرات سابقا ما ذكرني به من لا ينسي، عين الغزالة ضيق كما الميدان، طاولات في عدد اصابع اليد أقل أو أكثر بقليل، مودرن أو كما مقاهي الدنيا في هكذا زمان.في عين الغزالة ألتقي ادريس المسماري، علي الفلاح، محمد الاصفر، عادل جربوع، محمد بوشويقير (حمه) وغيرهم من مثقفي المدينة، اتسامر ومن ذكرت منهم الناقد والصحافي والمسرحي والتشكيلي، نتناجي، نتشاكي، نتناكد، نتبادل النكت والاخبار والاشاعات والكذب الصغري وما صدق ونتذاكر ونتذكر أصدقاءنا حيث ما كانوا أو غابوا وان بعيد فم السور في القبور. وفي مقهي عين الغزالة في ميدان الشجرة في مدينة بنغازي الليبية اكثر من كل مدينة، نتناقش، ما قرأنا ليلة البارحة، مذكرات ساخرة للمفكر السوري أبو علي ياسين، أو مذكرات الشابي تقديم محمد لطفي اليوسفي ونشر دار سراس التونسية. لكن الحديث يشدنا من لجام ما صدر من كتب ليبية كتب الأصدقاء: ديوان جنازة باذخة للشاعر مفتاح العماري: عند الصباح / وجدنا مدينة أخري / نصفها غابة / ونصفها الآخر لا يري / عادت بنصف جديد من الموسيقي / والسجائر والرؤي / فلم نعرف صوتها المحطم / وعطرها الذي كان متوحشا / وشعرها الملون بالمرافئ الغريبة / فوقفنا / مرتبكين نتنفس خوفنا / لا ندري كيف ندخل الشوارع / التي تقلنا بلا رأفة / إلي ضفاف عجيبة.. ميدان البلدية عام 1908كتاب (أفق آخر ـ آراء ومتابعات في الشأن الثقافي الليبي) للشاعر والكاتب محمد الفقيه صالح، من الاصدرات الهامة هذا العام 2002 الذي زخر بالاصدارات، الكتاب يحتوي علي مقالات مميزة مثل (الشعر، الرقص، الموسيقي) البيان الشعري الذي كتبه ونشره الفقيه في السبعينات، ومقال (كلمة عن جيل السبعينات في ليبيا) المنشور في مجلة الفصول الأربعة عام 2000. تفردت الليلة في عين الغزالة حتي قرب منتصفها لكن ادريس المسماري غالبا لا يخلف ميعادا، أطل فواصلنا نقاشا فاضلا من ليلة البارحة عما جاء في كتاب أفق آخر حول مفهوم الجيل وربط الجيل بفترة زمانية عقدية في حين أن هذا المفهوم يمكن استخدامه عن ظاهرة جيلية ما مثل جيل 27 الاسباني الشهير، أو فكرية برزت في مرحلة ما بين جماعة متجايلة، لكن هذه العقدية لا تمنح امكانا لأي استخدام نقدي، وأخذنا نقاشا مطولا في ذلك وفيما حوي الكتاب من مقالات هامة.أما مهووس السردية، الكاتب الساعة، الكاتب حيثما كان وفي أي وقت، الناشر في كل موقع انترنت يقبل مناشيره، الناشر الكاتب علي كل ورق، الكاتب قصة بين قصة وقصة، المشاء، المتلذذ بما كشف فكتب، قورينائي الكتابة: الكتابة اللذة والوجود لذة الكتابة، محمد الأصفر كل هذا وغيره وما ليس هذا: يكتب روايته الأولي.يحكي ما لم نسمح له مرة بقراءة ما كتب: امرأة من أصل ليبي اسبانية أصولية، افغانية ممسوسة بالحرب ومدسوس فيها الحب، شغف يوطئها وطنها، وطنها، مطرودة مطاردة، هذه الساعة يكتبها محمد الأصفر مطاردا ثوانيها متوطئا مع اللحظة: كنت برداناً جائعاً صعدت مطعماً فوق سطح نزل شعبي يشرف علي الساحة. التهمت صحن كسكسي وطبق سلطة. اشعلت سيجارة رشفت من الشاي وبين السحب والرشف أراقب الساحة. الخلق تتجمع مجدداً قافلة مظلاتها. نافضة معاطفها وستراتها من قطيرات المطر. عاد النشاط يعم الحلقات أغمضت عيني لبرهة وفتحتهما رافعاً رأسي إلي السماء. ابتسمت لنفسي ونفسي لابتسامتي. وابتسامتي قهقهت متسعة.. نقدت النادل ونزلت منخرطاً في الحلقات. مشاهداً ومشاركاً بحماس. لم ألعب كفاية في صغري. أبي عامل يومية. يخرج فجراً ويعود بعد صلاة العشاء. كانت أمي تقفل علينا الكوخ فأتلصص من خلال الثقوب لشبه الحياة اليومية. لا أذهب إلي السينما إلاَّ أيام العيد. وما أقلّها الأعياد. وقد تكون أياماً يعمل فيها والدي.. البحر ممنوع والأقران الميسورون يتباهون. أحياناً أُعاند وأهرب من الكوخ. أذهب إلي سبخة رأس عبيده. اصطاد الفراشات بشريط بلاستيكي. واسبح شبه عار علي ضفافها الضحلة. كثيراً ما وشا الوشاة فضربني أبي بقسوة…. ووبخ أمي توبيخا بذيئا، مقسماً بتطليقها أو الزواج عليها بمصرية إنْ غفلت عني لحظة واحدة.لا أدري لِمَ يفعل والدي ذلك؟ إلي الآن لم أفهم وحتي وإنْ فهمت فسأعتبره فهماً بائتاً.سوق الظلام بني في العهد العثماني نهاية القرن قبل الماضيفي عين الغزالة عين الساعة عين ميدان الشجرة عين بنغازي، لا نتحقق إلا من قراءتنا: أصدقائي / في ليالي السهد لما / ينشر القلب لمن يهوي جناحه / ويمد القمرالأخضر للعشاق راحه / ساكبا في رفة الصبح إليهم موعدا / فاعلموا يا أصدقائي الطيبين / أن آمال الهوي لن تخمد.عمر المختار.. ميدان الحوتأسر عمر المختار ايلول (سبتمبر) 1931أقبل نهار أنحرف عن جمال عبد الناصر إلي عمر المختار تاركا عن يميني ميدان الملح، حديقة المجاهد التي تعج بالعصافير الطليقة، وبنفر من البشر المكبلين بالهموم والتعب من أثر مراجعة المجمع الإداري ما يقع في الجانب الأيمن للحديقة مجانبا لمبني صحنه قبة وطرزه تتشابك بين معمار اسلامي وإيطالي. هذا المبني شاخ رغم أنه بني في مطلع خمسينات القرن الماضي كمجلس تشريعي، هذا المبني شاخ، شباب الجامعة حاد عنه لما لم يعد مكتبة جامعة بنغازي لسان حالهم أعمي المعري: أبني بجهلي دارا، لست مالكها، / أقيم فيها قليلا، ثم أنصرف. يوم ولدت افتتحت الجامعة الليبية في بنغازي، فكانت كلية الآداب أول كلية وذلك في العام الخامس والخمسين من القرن العشرين، في مبني قصر المنار قصر الملك الذي كان قصر الوالي الايطالي، بذا كانت بنغازي جامعة ليبيا وكان مبني المجلس التشريعي مكتبة هذه الجامعة حيث تلتقي بطلاب العلم من كل ليبيا وبأساتذة من أقطاب الدنيا. لم يكن المبني كما هو الآن، هدمت طائرات الحلفاء الكثير من المباني وأزال الليبيون غيرها ومنها ما شيد في مكانه مبني المجلس التشريعي لولاية برقة: palazzo del tribunale هكذا كان اسم المبني ذي الواجهة التي تتوسطها أقواس ثلاث مزخرفة تشكل المدخل ما في مقدمته درج، علي يسار المدخل أقواس ثلاث أيضا ومثلها في اليمين لكنها أقواس أقصر وهي تشكل مقدمة روف المبني حيث تطل ست نوافذ، في الاعلي تتبين قبة صغيرة وعلي الجانبين صومعتان صغيرتان، أمام هذا حديقة صغيرة وارفة، في الصورة هذا في الذاكرة أن فيه جرت محاكمة عمر المختار. في الناصية رجل يمشي تعبا يشاكس ظله، مشدود القامة يمشي لكن هذه القامة تؤمي بأنها قابلة الترهل، الرأس حاسر يخفي علامات الطربوش والنظارة ظاهرة، هذا الرجل طافح بما فيه، تخيلته يقطع قلب الحديقة قطعة قطعة فيما سلف، من خلتني خلفه غير الصالح، الأطراف تطوحت، الرجل عن أختها، اليد تنازع شمالها يمينها، العيون زائغة، في فضاء الحديقة، قبعة الشجر المرصعة بالعصافير واليمام البرتقالي تشغلني عن أن أرقب الرجل المشتبك في جسده والمتخبل في فكره يكتب في الذهن مسرحيته: عمر المختار، خيال يطــــــل كأن عـــــبد الله القويري وهو عائد من المهجر المصري حط هنا دون قصد أو روية ليسوح كخـــيال في مدينة مخياله، أو هي كانت راقدة تنتظر: بنغازي شوارع تعيش آثار الحرب.مقهي ميدان الحدادة مطلع القرن الماضيكل ركن مهدم، كل شارع فيه ما يدل علي آثار القنابل والانفجارات، المباني نصفها قائم والنصف الآخر خراب، عمارات رمم بعضها وترك البعض الآخر. وأخذني ما أشاهد إلي أن استنكه النفوس، فهي حتما ما زالت تحمل بقايا الحرب وآثارها في جوانبها. إنها تبدو ظاهرة الحركة، نشيطة، ولكن الشظايا في العيون، مثلما الحطام في الصدور، والعناء في القلوب. والصغار حملوا العبء من أجل لقمة الخبز. بنغازي مدينة في وطني، وتظل قدماي تحملانني وأدور في الشوارع عبر أزقة، وحذائي يرتطم بالحصا، وكثيرا ما تنهبع قدماي في حفرة، لأعود واقفا أمام فندق النجمي .. مطيلا الوقوف قدر ما أستطيع، فالريح باردة، وما علي من لباس لا يكفي فصل الخريف. جئت لا أحمل شيئا غير ما تحمله كتفاي، وكانت حلة من قماش قطني، تدلت جوانبها، وكان علي أن احتمل حتي استطيع استبدالها. واحتملت والشتاء يقترب فالشهر الأخير من عام 1957، تركت أحلامي منذ زمن بعيد، وما ينتابني وقد أطبق علي مدينة بنغازي غير ضيق يأخذ كل نفس، فما أكثر ما يردد الفرد منهم كلمة طايرة له، تسمعها منه وهو يلقيها في وجهك دون اعتبار، وربما لا تسمعها ولكنك تدركها علي ملامحه أو تتلقي نتائجها دون أن تدري.يطل وجه عبد الله القويري من النص علي المدينة برما وقد تلحفه البرد، وفي عينيه أري الميناء علي شمالي فاصلا بيني وبينه شارع أحمد رفيق المهدوي، جبانة السفن الميناء ومحيطها، والمدينة ملاعب أوروبية ترتع فيها قنابل ومتفجرات، تركة الحرب الثانية ما ســـوف تكون سوق التركة الذي في مطلع السبعينات من القرن العشرين أكلته النيران.أنشغل عن وقدات القويري بشغب رجال الشرطة أمام مركز المدينة، شمال الحديقة وقد هممت بعمر المختار الشارع الذي أبغي، هذا المركز ملتصق بالخاصرة اليمينية لسينما البرنتشي سينما بنغازي، التي بنيت كما بني فندق برينتشي قصر الجزيرة حاليا، عند زيارة الدوتشي موسوليني في مطلع العقد الثالث من القرن الغارب، سميت السينما علي اسم بنغازي الاغريقي برنيكي الذي ينطق بالايطالية برينتشي وعرب ببرنيق، كذا يذكر مؤرخ المدينة محمد بازامة. في مطلع السينما مسرح مفتوح كمقدمة لواجهة الدور الأول بخلفية أقواس رومانية تتخللها نوافذ مستطيلة رأسية، ركح هذا المسرح الخارجي تزدوج مهمته بين أن يكون مقاعد أصحاب الشرب كامتداد للمقهي، وبين أن يكون خشبة مسرح الهواء الطلق، في حالة تقديم عرض مفتوح علي الشارع فإن قلبه مفتوح لذلك ونفسه مشروحة، المدخل المرمري يتسع كالمسرح الداخلي صاحب الادوار الثلاثة: يتسع اللمة الكبيرة والزحمة. وان كان الركح، كما الصحن والبلكونات تتسع جميعها حتي يعد مسرح برينتشي هو استعادة للمسارح الرومانية في فخامتها، فإن الكواليس يمكن أن تدخلها سيارة بجرار وتخرج دون حرج، لكن الحرج حقا أن هذا المسرح الشامخ طاله حريق شوهه وخسفه عن المدينة حتي الساعة دون صيانة ولا يحزنون، فلا تبكي كما يبكي المكان طلة يوسف وهبي في الثلاثينات، ولا نزار قباني في السبعينات أو أسابيع السينما الجزائرية والفرنسية منها.في الخاصرة اليسارية لبرينتشي ثمة مبني من نفس الطرز الايطالية للسينما حتي يبدو مولودها فواجهته / البراندة تصلح كمشرب أو كمسرح خطابي وكذا كانت عند بنائها، هذا المبني مقر الحزب الفاشي الذي تحول لمقر لنادي الأهلي وحاليا المصرف الأهلي، وما غريب في ذلك فالمبني صغير وحافل بالمسرات لكل بخيل ولا يحب جديدا. القاص رمضان بوخيطأخال عبد الله القويري في المقهي، وقد فاتني أن اسفل المبني قد كان مقهي بازامة صاحب كراكوز بازامة الاشهر في خمسينات بنغازي وهو غير بازامة المؤرخ وان كان من عائلته، وأن عبد الله القويري: تدثر بالظلام وطاف وحده بالمدينة فيما النوافذ تتلصص عليه وهو يحوم حول هذه البنايات الكئيبة كطائر فقد عشه.. انفض المقهي وبدأ النادل يلملم كراسيه المبعثرة علي الرصيف تمهيدا لقفله، ودون ان ينظر اليه: ـ استاذ.. تعاقب الليل، ارجوك لملم كتبك أريد ان أجمع هذه الكراسي والمناضد داخل المقهي..، تفرس فيه.. حتي هذا يريد أن يتخلص منه. انتفض علي صوت سيارة تمرق وسط الشارع.. كان صوت موج البحر واضحا في صمت الليل، ممزوجا بصوت حفيف الاشجار يسقط علي الاسفلت مع وقع أقدامه. دخل الفندق وبالدور الرابع حيث حجرته الباردة، تمدد علي سريره بكامل ملابسه.. عقد يديه خلف رأسه محدقا إلي فوق.. إلي عنقود الضوء المعلق بالسقف.. تحسس وجهه وبقفا يده اليسري مسح دمعة كان يحس انها تسيل علي خده من غير صوت ولكن بقهر..، رمضان عبد الله بوخيط مسترسلا يكتب قصته: حكايات الماضي القريب في ركينة المقهي دون أن ينتبه أحد غير البحر الهائج، ما يحوط من أركان ثلاثة بنغازي شبه الجزيرة الليبية.منارة سيدي خربيش عام 1911بين هذه الاركان الثلاثة أمشي وحيدا مسورا بالبحر، وفي البال خاطر ينسرب من خاطر علي يميني مصرف الأمة، روما سابقا، وقبالته شارع يسده البحر عند ثلاجـــــة الميناء، في ركن الشارع، شارع عمر المختار، المصرف التجاري الوطني، في منتصفه المصرف العقاري يحاذيه مصرف الوحدة فرع المختار، ما أكثر المال ما أقل الجمال في هذا الخيط الرفيع من هذا الشارع الذي في طرفه شرطة السياحة حيث كان البنك العربي، وفي نهايته في ميدان البــــلدية فرع للمصرف التجاري الوطني، غص عمــــر المختار مالا كما رشق علي الاوراق المالية ورشح هـــذا المال قبحا في هذا الشارع المغمور بالورق والمغفور بأوساخها.أمشي الهوينا مسورا بمبني مصرف الأمة الحديث، مبني وظيفي ملطخ بالورق تستمد البشاعة منه ملامحها فيخرج علي مدرس سيارات ليؤكد هذه الملامح ويصبغها بالعبث، محاذيا المصرف الوطني ما يتمخطر في طراز ايطالي يصبغ حلة شارع عمر المختار، ولا شيء يقطع خيط الوصل بين ما يجوس النفس من خواطر وأحلام يقظة شرسة تنبش العقل الباطن والبراني. الرتابة تندس في المكان وفيروس الوحدة القرين، مدركا أن ليس بمقدورنا أن نفهم من نحن، نحن اللغز الذي لا يحرزه أحد، مدشنا الخاطر بطلعة بهية مسافرا منفردا في الشارع ولا أحد يرانا أو يسمعنا، نحن فقط نري أنفسنا: هو يحث الخطي وأمشي الهوينا، أقرب من الوجيب ولكن علي خطوات مني، أرقبه وقد تخطي الشارع المندس بين مدرس السيارات والبحر في طرفه الاول المصرف الوطني وفي الثاني كانت مكتبة عامة في الخوالي من الايام، كنت من روادها أطالع مجلات الاطفال سندباد والليبي الصغير وسمير وأسرق ما أقدر من كتب الكيلاني ملخصات شكسبير وديكنز..، وكنت تركت خلفي المركز الثقافي الليبي في تقاطع عمر المختار وجمال عبد الناصر وكان هذا: مركز مرتع الصبا ومطلع الشباب. الآن فقط بلغ الممر بدايته وبقيت في مكاني لا أتزحزح، علي يميني مبني بريد بنغازي أسير تباريح الندم وهول الخواء ما طاله بعد أن كان فنار الشارع وحداثته تطوقه صناديق وألواح مطروحة محولة رقبة المبني لعقد قمامة الباعة المتجولة الذين يطرحون: كتب عتيقة ومجلات قديمة وأقدم، ملابس داخلية وخارجية، بويات وما شابه ذلك…، في شمالي قبالة البريد العمارة ذات الأقواس الطويلة الممر وبين ما كان سابقا المكتبة العامة ومصوراتي عوض عبيدة، من هو من رواد الفن التشكيلي في البلاد، من هو صاحب أول معرض دائم لفنان تشكيلي في البلاد، بين هذه وهذه مكتبة قورينا: مقاعد أصحاب العقل، في المكتبة طول وفيها عمق ظاهر، في فترينتها علي جانبي ممرها / مدخلها للكتب الليبية أساسا، وغيرها من الكتب، وفي الواجهة لوحات ونحاسيات شرقية زاهية بقدمها.أحمد بن بيلا وقادة الثورة الجزائرية في بنغازي نهاية خمسينات القرن الماضيقبيل أن ادلف اسمع زائير أسد يقطع الطريق ولا أحد يستطيع مواصلة الرحلة، قاطع طريق مميز بعد أن تمكن الجمع من تدبير أمر قطاع الطرق البشر، اقترح أحد التجار أن يشترك الجمع في جمع ثمن جمل هزيل فدية لذا الأسد كي يخلي الطريق للسير للقافلة، لكن عمر المختار لم يقبل، فلم يلزم ذلك كما لم يلزم دفع الاتاوات للبشر، وعدها علامة الذل والهوان، اقتربت القافلة باصرار المختار من ممر الأسد ومربضه وانبري عمر المختار للأسد فأرداه قتيلا وسلخ جلده ليراه من لم ير. ذكر الطيب الاشهب أنه اجتمع مرة في خيمة المجاهد محمد الفائدي في دور المغاربة بالمختار، وذكره بالاحدوثة فرد عليه عمر المختار: تريدني يا ولدي أن أفتخر بقتل صيد. تناهي الحكي من مكتب المكتبة لمسامعي وقد تخطيت الممر وولجت المكان، يسيطر عليّ التحفز والاثارة، ومتيقنا أن ثمة منارة يلوذ بها الأفراد المتوحدون، وأن اليقظة زوال الحلم من الوجود: يا ويحهم نصبوا منارا من دم. 7